ياسمين سابلاك أوغلو / الترجمة عن مجلة كوانتا 

الوسادة باردة على خدّك. أنين صوت خطوات الجار في الطابق العلوي يتسرب عبر السقف. تُغمض عينيك؛ ظلال وأضواء ترقص أمام بصرك. قطّ يشم قطعة من الجبن. نقاط تسقط في بحيرة. كل هذا يبدو طبيعيًا ومألوفًا، رغم أنك لا تملك سنّورا ولست بالقرب من أي بحيرة.

لقد بدأت رحلتك إلى النوم، تلك الحالة الغامضة التي يحتاجها دماغك وجسدك، كما تحتاجها معظم الكائنات الحية، للبقاء. فالنوم ينعش الدماغ والجسم بطرق لا نفهمها بالكامل عبر إصلاح الأنسجة، وتنظيف السموم، وترسيخ الذكريات. غير أن الدخول في هذه الحالة، كما يعرف كل من عانى الأرق، ليس عملية بسيطة لا من الناحية الفسيولوجية ولا النفسية.

ولكي نغفو، كما يقول آدم هوروفيتز، الباحث في علم النوم بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «لا بد أن يتغير كل شيء». يتباطأ تدفق الدم إلى الدماغ، بينما تتسارع حركة السائل الدماغي الشوكي. وتفرز الخلايا العصبية نواقل كيميائية تغيّر كيمياء الدماغ، وتبدأ بالتصرف بشكل مختلف، فتطلق إشاراتها بتزامن أكبر. تتسلل الصور الذهنية وتختفي. وتبدأ الأفكار في التشوّه.

وتقول لورا لويس، الباحثة الأخرى في النوم بالمعهد نفسه: «يمكن لأدمغتنا أن تنقلنا بسرعة هائلة من الوعي ببيئتنا إلى فقدان الوعي، أو حتى إلى اختبار أشياء غير موجودة. وهذا يطرح أسئلة عميقة ومثيرة حول تجربتنا الإنسانية».

ولا يزال هناك غموض كبير حول نجاح الدماغ في الانتقال بين هذه الحالات بأمان وكفاءة. غير أن الدراسات التي تستهدف التحولات إلى النوم والخروج منه بدأت تكشف الأسس العصبية الحيوية لهذه الحالات الوسطية، بما يتيح فهمًا يفسّر كيف تنشأ اضطرابات النوم، مثل الأرق أو شلل النوم، عندما تختل هذه الانتقالات. تقليديًا، كان يُنظر إلى النوم على أنه حالة «إما أو»، كما تقول لويس: إما أن تكون مستيقظًا أو نائمًا. لكن الاكتشافات الجديدة تظهر أنه «أقرب إلى طيف متصل منه إلى فئة مغلقة».

في ثلاثينيات القرن الماضي، كان المليونير ورجل الأعمال والمحامي والعالِم ألفرد لي لووميس يستمتع بإجراء تخطيط لأنشطة أدمغة ضيوفه وهم يغفون في قصره شمال مدينة نيويورك. فقد كان رائداً في استخدام جهاز يُعرف بمخطط كهربية الدماغ لدراسة النوم. كان كل نائم يرتدي قبعة مزودة بأقطاب كهربائية تقيس نشاط دماغه من دون تدخل جراحي. وكانت الآلة ترسم فعلياً موجات بقمم وقيعان على ورق يتحرك بسرعة سنتيمترا واحدا في الثانية لتوليد تخطيط كهربية الدماغ.

كانت هذه الموجات تمثل النشاط العام للخلايا العصبية. ومع دخولنا في النوم، تبدأ الخلايا العصبية بالتزامن، أي إنها تطلق إشاراتها معاً وتصمت معاً، ولا يعرف أحد على وجه الدقة لماذا يحدث ذلك. ومع استمرار النوم، يزداد هذا التزامن، فتتكوّن موجات دماغية أقل تردداً وأعلى سعة. وعلى امتداد ليلة النوم، تتسارع هذه الموجات وتتباطأ في دورات متعاقبة، كل ليلة. وقد صنّف لووميس أنواع الموجات المختلفة فيما صار يُعرف بحالات النوم، ووضع تسميات لمراحل فقدان الوعي.

وقد شكّل تخطيط كهربية الدماغ قفزة نوعية في أبحاث النوم، إذ أصبح قياس الموجات المسجّلة عبره الطريقة الشائعة لاستنتاج حالة الدماغ أو النوم من دون جراحة. وصار الأداة الأساسية لفهم نشاط الخلايا العصبية أثناء النوم، وكذلك التجارب الذاتية، مثل الأحلام، التي تتشكل مع انتقالنا بين أشكال مختلفة من وعي النوم.

وفي أوائل خمسينيات القرن الماضي، وصف عالم الفسيولوجيا ناثانيال كليتمان في جامعة شيكاغو، مع طالبه يوجين أسيرينسكي، لأول مرة مرحلة النوم المصحوبة بحركة العين السريعة، المعروفة باسم مرحلة حركة العين السريعة أو اختصارا (ريم). وهي دورة يكررها الدماغ مرات عدة خلال الليل ونميل خلالها إلى الحلم. ففي هذه المرحلة تكون موجات الدماغ أسرع من موجات نوم غير «ريم» وتشبه إلى حد كبير تلك التي ننتجها عندما نكون مستيقظين. وبعد بضع سنوات، وضع كليتمان وباحث النوم ويليام ديمينت، أيضاً من جامعة شيكاغو، مخططاً محسّناً لمراحل النوم: أربع مراحل لنوم غير «ريم» مستندة إلى عمل لووميس الأصلي، ومرحلة واحدة لـ«ريم». ولا تزال نسخة معدّلة من هذا المخطط، دُمجت فيها آخر مرحلتين من غير «ريم»، مستخدمة حتى اليوم.

غير أن هذا التقسيم الصارم أخفى الكثير من الدقائق التي تجري بين المراحل. فقد ترسخ في هذا الحقل أن «أمامك ثلاثة خيارات: إما أن تكون مستيقظاً، أو في نوم غير «ريم»، أو في نوم «ريم» «، كما يقول توماس أندريون، عالم الأعصاب الإدراكي في معهد باريس للدماغ. ورغم وجود بعض الأدلة على أن الدماغ يمكن أن يوجد في حالة تمزج بين النوم واليقظة، فقد جرى تجاهلها إلى حد كبير لأنها بدت معقدة ومتقلبة، ولا تنسجم مع النظرة الصارمة لمعظم الباحثين إلى النوم.

لكن تدريجياً، بدأ جيل جديد من علماء الأعصاب، كما يقول أندريون، في التشكيك في هذا الوضع القائم. وخلصوا إلى أن «ربما هنا بالضبط تكمن الأمور المثيرة للاهتمام».

الانزلاق إلى النوم

وقد يوافق الفنان السريالي سلفادور دالي على ذلك. ففي الفترة نفسها التي كان فيها لووميس يجري تجاربه على تخطيط الدماغ في قصره، كان دالي يجري تجاربه الخاصة على لحظات الانزلاق إلى النوم. وكما وصف في كتابه الصادر عام 1948 «خمسون سراً من أسرار الحرفة الفنية»، كان يجلس في «كرسي عظمي الذراعين، ويفضل أن يكون على الطراز الإسباني»، ممسكاً بشكل مرتخٍ مفتاحاً ثقيلاً في إحدى راحتيه فوق صحن مقلوب على الأرض. ومع انجرافه إلى النوم، ترتخي يده، وفي النهاية يسقط المفتاح من بين أصابعه. ويوقظه صوت ارتطام المفتاح بالصحن فجأة.

وكان دالي، المقتنع بأن الاستثارة الذهنية في هذه المرحلة تعيد إحياء كيانه النفسي وتعزّز الإبداع، يجلس بعد ذلك ليبدأ الرسم. ولم يكن وحده في هذا الاهتمام، إذ شاركه فيه عقول لامعة أخرى مثل توماس إديسون وإدغار آلان بو، اللذين انشغلا بالتجريب فيما يُعرف بالحالة التنويمية السابقة للنوم، أي النافذة الأولى من النوم التي تبدأ فيها الصور الذهنية بالظهور فيما يظل الإنسان مستيقظاً.

وفي عام 2021، اكتشف فريق من الباحثين في معهد باريس للدماغ، من بينهم أندريلون، أن هؤلاء المجرّبين الذاتيين كانوا على صواب. فالاستيقاظ من أقدم مرحلة في النوم، المعروفة باسم «إن 1»، يضع الناس في «منطقة إبداعية مثالية». إذ إن الذين استيقظوا بعد نحو 15 ثانية في الحالة التنويمية السابقة للنوم كانوا أكثر عرضة بنحو ثلاثة أضعاف لاكتشاف قاعدة خفية في مسألة رياضية. وبعد ذلك بعامين، توصلت دراسة أخرى قادها هوروفيتز في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أنه يمكن تعزيز الإبداع أكثر لدى الخارجين من هذه الحالة عبر توجيه مضمون ما يحلمون به.

وليس واضحاً تماماً لماذا تزيد الحالة التنويمية السابقة للنوم من الإبداع. فإحدى الفرضيات تقول إن عملية الانزلاق إلى النوم «تتطلب منا التخلي عن السيطرة على أفكارنا»، كما تقول كارين كونكولي، التي درست الأحلام الواعية خلال عملها ما بعد الدكتوراه في جامعة نورث وسترن، وتعمل حالياً مستشارة لشركة ناشئة في مجال النوم تُدعى دست سيستمز أسسها هوروفيتز. وتضيف: «حين تخف قبضة السيطرة التنفيذية على عقولنا، قد نتمكن من الوصول إلى شبكة دلالية أوسع من المعلومات، ما يساعد على الإبداع». ويوافق أندريلون على أن الانتقال إلى النوم يولّد حالة من «وعي حرّ الحركة» يحرّر الدماغ من أنماطه المعتادة في التفكير.

ومثل بيوت تنطفئ أنوارها تدريجياً مع استسلام بلدة للنوم، يتحول الدماغ شيئاً فشيئاً إلى وضع الليل. يبدأ النوم من مركز البلدة، إذ تطلق الخلايا العصبية العميقة في الدماغ، مثل تلك الموجودة في مركز التحكم العتيق المعروف بالوطاء (الهيبوثالاموس)، إشارات لكبح دوائر الاستثارة. وتُغلق مناطق قريبة مثل المهاد (الثالاموس) أبوابها أولاً، وهو جزء الدماغ الذي ينقل المعلومات من الحواس إلى بقية الدماغ. وبعد دقائق، تلحق بها القشرة الدماغية، المسؤولة عن التفكير الأعلى والأكثر وعياً، فتبدأ بالإغلاق من مقدمة الدماغ حيث يحدث التخطيط واتخاذ القرار، نحو الوراء، حيث تُعالج الحواس مثل البصر.

وخلال هذا الانتقال، حين تنطفئ بعض مناطق الدماغ فيما تبقى مناطق أخرى يقِظة، قد نمرّ بأفكارٍ شبيهة بالأحلام. ففي هذه الحالة التنويمية السابقة للنوم، يكون كثير من الناس «بقَدَمٍ في عالم الأحلام وأخرى في العالم الواقعي»، كما يقول هوروفيتز. بعضهم يسمع أصواتاً، وآخرون يرون صوراً. إنها أشبه بالأحلام لكنها أخف وطأة، إسقاطات تُعرض على هيكل العالم الحقيقي الذي لا يزال في متناولنا.

ويقول سيدارتا ريبيرو، عالم الأعصاب في الجامعة الاتحادية في ريو غراندي دو نورتي بالبرازيل: «يمكننا أن نفترض أن لهذه التجارب الذهنية وظيفة ما، لكن ربما لا تكون لها وظيفة محددة، وربما تكون مجرد نتاج جانبي لما يحدث في الدماغ».

ومع إغلاق العينين وتراجع نشاط الحواس، لم تعد تتلقى الكثير من المدخلات من العالم الخارجي، لكنك لا تزال تتلقى إشارات من داخل الدماغ، ربما بقايا من تجارب اليوم. وقد أفاد ريبيرو وفريقه مؤخراً بأن الاحداث التي يمر بها الإنسان خلال النهار يمكن أن تظهر في صور الحالة التنويمية السابقة للنوم في المراحل الأولى من الانزلاق إلى النوم، بما يضيف إلى دراسات أخرى توصلت إلى نتائج مماثلة.

ويستخدم بعض الباحثين هذه الحالة الواقعة بين النوم واليقظة لدراسة طبيعة الوعي ذاته. ويقول نيكولا ديكات، طالب الدراسات العليا في معهد باريس للدماغ: «إذا تمكنت من تتبع ما يجري في الدماغ حين تنتقل بين هذين العالمين المتناقضين، فسيمنحك ذلك فهماً عميقاً لكيفية تقلب الوعي». وفي أبحاث أولية لم تخضع بعد للتحكيم العلمي، استخدم ديكات تخطيط كهربية الدماغ لتسجيل موجات أدمغة أكثر من مائة شخص أثناء انزلاقهم إلى النوم. وباتباع تقنيات دالي وإديسون، جعل المشاركين يمسكون بزجاجات، بحيث تسقط وتُحدث صوتاً يوقظهم حين يشرعون في الغفو.

ومن خلال مقارنة موجات الدماغ بتقارير المشاركين عن أفكارهم، أدرك ديكات أن بعض الصور الشبيهة بالأحلام حدثت بينما كان الأشخاص من الناحية التقنية مستيقظين، وأن بعض التفكير الإرادي جرى بينما كانوا من الناحية التقنية نائمين. فقد أفادت إحدى المشاركات بأنها شعرت بنمل يزحف على ظهرها، في وقت كان فيه تخطيط الدماغ يُظهر موجات سريعة ومتقاربة دالة على اليقظة. وقال مشارك آخر: إنه كان لديه وعي بما يجري أثناء انزلاقه إلى النوم، بينما كانت موجاته الدماغية البطيئة والمتباعدة تشير إلى أنه كان في حالة نوم.

وتشير هذه البيانات غير المنشورة إلى أن حالات النوم قد لا تكون أفضل طريقة لتصنيف وعي النوم. ويقول ديكات: «كونك مستيقظاً أو نائماً لا يحدد بالكامل ما يعبر ذهنك». فهذه النتائج «تتحدى الفكرة الشائعة القائلة إنك حين تكون مستيقظاً تكون لك أفكار معينة، وحين تكون نائماً تكون لديك صور حلمية. الأمر ليس بالضرورة كذلك».

ويمكن أن يستغرق الانتقال إلى النوم عشرات الدقائق، ما يجعله سهل الدراسة نسبياً، بخلاف عملية الاستيقاظ التي تحدث بسرعة أكبر وبطريقة أقل قابلية للضبط. إذ يصعب كثيراً التنبؤ باللحظة التي سيستيقظ فيها شخص ما.

اهتمّت أوريلي ستيفان، الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة لوزان بسويسرا، بعملية الاستيقاظ عندما كانت تدرس ظاهرة تُعرف باسم «الأرق المتناقض». فخلافاً للمصابين بالأرق الذين يظلون مستيقظين طوال الليل من دون نوم، يعتقد المصابون بالأرق المتناقض أنهم ظلوا مستيقظين طوال الليل، رغم أن موجات أدمغتهم تُظهر أنهم كانوا نائمين. وتقول ستيفان: «إنهم ينامون بالقدر نفسه الذي ينام به النائمون الجيدون... وهذا ما يجعله لغزاً».

ولفهم هذه المشكلة، كان عليها أولاً دراسة عملية الاستيقاظ الاعتيادية. ماذا يفعل دماغ النائم الجيد عندما يستيقظ؟

في دراسة حديثة، فحصت ستيفان أكثر من ألف حالة مختلفة من الاستيقاظ أو التنبيه، أي الانتقال من النوم إلى اليقظة، على مقياس زمني لا يتجاوز الثواني. ولاحظت وجود موجة دماغية بطيئة وغريبة في بيانات النائمين الجيدين عندما كانوا يستيقظون من نوم غير حركة العين السريعة «ريم». واستناداً إلى دراسات سابقة على الحيوانات، افترضت ستيفان وفريقها أن هذه الموجة تنبع من منطقة عميقة في الدماغ. وبعد هذه الإشارة، رأت القشرة الدماغية تستيقظ، مع تسارع الموجات، من الجهة الأماميّة حيث تُدار الوظائف التنفيذية إلى الجهة الخلفيّة حيث تُعالج الرؤية والحواس الأخرى. وعندما كان الناس يستيقظون من نوم حركة العين السريعة «ريم»، كانت القشرة تستيقظ بالطريقة نفسها، ولكن من دون الموجة البطيئة التي تسبقها.

ووجدت ستيفان أن وجود هذه الموجة البطيئة الفريدة كان مرتبطًا بشعور الناس عند الاستيقاظ. فالمشاركون الذين ظهرت لديهم هذه الإشارة كانوا أقل شعورًا بالنعاس مقارنة بمن لم تظهر لديهم. ويقول ستيفان: إن هذا يشير، وإن لم يثبت بشكل قاطع، إلى أنها قد تكون إشارة استثارة تساعد عملية الاستيقاظ.

ويعلّق لويس دي ليثيا، عالم الأحياء الجزيئية الذي يدرس انتقالات النوم في الحيوانات بجامعة ستانفورد، ولم يشارك في الدراسة: «لقد قاموا بعمل ممتاز في العثور على هذه البصمة لانتقالات النوم إلى اليقظة». وتقول لورا لويس من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، التي لم تشارك أيضًا في البحث، إنهم رسموا «صورة تفصيلية» توضح لماذا «لا نستيقظ دائمًا بالطريقة نفسها».

ومع ذلك، فإن قراءات تخطيط كهربية الدماغ تظل عامة ولا تستطيع استكشاف أعماق الدماغ أو تقديم تفاصيل دقيقة. غير أن دراسات سابقة استخدمت التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي والأقطاب الكهربائية كشفت بعض الآليات العميقة التي قد تنشأ منها إشارات الاستثارة هذه. فقد بيّنت أن الإشارات العصبية للاستيقاظ تبدأ في مناطق داخلية عميقة من الدماغ، مثل الوطاء وجذع الدماغ. وتوقظ هذه المناطق المهاد، الذي ينقل التعليمات إلى القشرة.

ورغم أن الاستيقاظ يحدث عادة أسرع من الغفو، فإنه قد يستغرق وقتًا أيضًا. فقد احتاجت «بصمة النوم» التي رصدتها ستيفان بضع ثوانٍ لتنتقل من مقدمة القشرة إلى خلفها. لكن استعادة الوعي الكامل والقدرات المعرفية والتخلص من كل «ثِقل النوم» قد يستغرق من دقائق إلى ساعة، كما تقول. وأظهرت هذه الدراسة وغيرها أيضًا أن الموجات البطيئة، التي ترتبط عادة بالنوم، يمكن أحيانًا أن تشير إلى الاستثارة. فالحدود بين الحالات ليست حادة.

حتى عندما نظن أننا مستيقظون تمامًا ونتجول في العالم، قد تكون أجزاء من دماغنا نائمة. وتُعرف هذه الظاهرة باسم «النوم الموضعي»، ويُعتقد أنها تحدث لتمنح الخلايا العصبية المُجهَدة فرصة للراحة والتجدد. وهي تشبه إلى حد ما قدرة الدلافين على النوم بنصف دماغها فقط في كل مرة، أو بعض الطيور التي تنام وهي تحلّق. أحيانًا، عندما نكون مرهقين جدًا، تحتاج بعض الخلايا العصبية إلى إعادة الشحن، حتى لو كنا لا نزال مستيقظين ونزاول أنشطتنا.

ويقول أندريلون: «هؤلاء الناس مستيقظون، أعينهم مفتوحة، وحتى أنهم قد يكونون يقومون بأشياء أخرى»، ومع ذلك فإن أجزاء من أدمغتهم تمر بالموجات البطيئة الكلاسيكية للنوم. وهذا يطرح تحديًا على تعريف «النوم» ذاته.

انتقالات مضطربة

عندما نستيقظ ونغفو، أو حتى عندما ننتقل بين مراحل النوم، تحدث أنواع مختلفة من الموجات في الوقت نفسه، إذ تتزامن الخلايا العصبية وتتباعد في مناطق مختلفة في ضجيج من الإيقاعات. ويمكن أن يقود هذا النسيج المتداخل إلى تجارب مثل الحالة التنويمية السابقة للنوم، والأحلام الواعية، واضطرابات النوم.

وتقول لويس: «اضطرابات النوم شائعة إلى حد مذهل. وهي في جوهرها غالبًا ما تُعرَّف بمشكلات في تبديل الحالات».

وقد تظهر هذه الاضطرابات في صورة أرق، حيث لا يتمكن الناس من الدخول في النوم كما ينبغي، أو في هيئة كوابيس ليلية، أو شلل نوم، أو مشي أثناء النوم، حيث لا يستيقظون كما هو متوقع. وفي كثير من الحالات، تكون أجزاء من الدماغ مستيقظة في حين ينبغي أن تكون نائمة، أو العكس.

فالأرق، في جوهره، صعوبة في بدء الانتقال إلى النوم أو الحفاظ عليه. وفي شلل النوم، تستيقظ القشرة الدماغية قبل المناطق العميقة التي تتحكم بالجسم، فيحدث وعي كامل من دون القدرة على الحركة. وفي الأرق المتناقض، تكون إشارة الاستثارة المحتملة التي رصدتها ستيفان في دراستها الجديدة ضعيفة، «فبدلًا من أن توقظهم تمامًا، تجعلهم يشعرون بأنهم مستيقظون»، كما تقول. وقد وجد فريقها الإشارة نفسها لدى من يمشون أثناء النوم، لكنها في تلك الحالات حدثت «في نافذة زمنية غير مناسبة» خلال النوم العميق. كما وجدوا أن نشاط أدمغة المشي أثناء النوم يشبه ما يُرى أثناء الحلم، ما يشير إلى أن الحالتين تنشآن من آليات متشابهة لوعي النوم.

ويواصل ديكات استكشاف شكل هذا الوعي أثناء النوم. فهو يدير استطلاعًا لمعرفة المزيد عن التجارب الذهنية التي يمر بها الناس وهم ينزلقون إلى النوم. وهذه الأفكار والصور يصعب تذكرها، لأن تذكّرها يتطلب الاستيقاظ.

أحيانًا نستيقظ ونحن في طور الغفو أو من أعماق دورة النوم، في أوقات لا يُفترض أن نستيقظ فيها حقًا. قد يكون السبب شريكًا في السرير يتحرك فيوقظنا، أو رنين مفاتيح على أرضية صلبة، أو ربما الدماغ نفسه حين يخطئ في حساب توقيت تنبيه مناطق معينة.

يتعطل وعيك النومي. تنسحب من حافة النوم، وتفتح عيناك.

ياسمين أوغلو كاتبة في هيئة تحرير مجلة كوانتا تغطي شؤون علم الأحياء. وكانت قد عملت قبل ذلك لمدة ثلاث سنوات مراسلة لحقول علمية متنوعة في موقع لايف ساينس، مع تغطية واسعة لعلم الأعصاب والصحة وجائحة كوفيد-19. كما كتبت أيضًا لصالح مجلة ساينتيفيك أميركان وصحيفة سان خوسيه ميركوري نيوز. وهي حاصلة على درجة البكالوريوس في الهندسة الطبية الحيوية من جامعة كونيتيكت، ودرجة الماجستير في الاتصال العلمي من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز.

ياسمين سابلاك أوغلو

الترجمة عن مجلة كوانتا