بيروت - وفاء عواد
من بوّابة العدّاد الزمني التاريخي الذي أرساه، وشكّل اختراقاً لدى التوصل إليه في 27 أكتوبر من العام 2022، عاد اتفاق ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل ليتصدّر المشهد اللبناني، ويطفو على سطح الأحداث والمتابعات، في ضوء تلويح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ"الإنسحاب" منه. وذلك، بعدما كانت الولايات المتحدة الأميركية رمت بثقلها لإنجاح وساطتها في هذا الشأن حينها، عبر كبير مستشاريها الإستراتيجيين في مجال الطاقة، آموس هوكشتاين، وتمكّنت في لحظة تقاطع مصالح نادرة واستثنائيّة من إحداث الإختراق الكبير.
وبعد نحو 4 سنوات على سريان هذا الإتفاق الذي وُصف حينها بـ"التاريخي"، وتمّ توقيعه في عهد رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، قبل 3 أيام فقط من نهاية ولايته، كما في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يائير لابيد، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجود نيّة لدى نتنياهو لـ"إلغاء إتفاقية ترسيم الحدود البحريّة مع لبنان". وذلك، في خطوة وضعها رئيس وفد لبنان الى المفاوضات البحرية مع إسرائيل (2020- 2022)، العميد الركن المتقاعد بسام ياسين، في خانة "التهويل الإعلامي"، لا أكثر ولا أقلّ. ذلك أن "إسرائيل، وفي حال غيّرت موقفها في شأن الإتفاقية الموقّعة، فإنها تعلم أن للبنان الحقّ الكامل بالعودة الى مطالبته الأساسيّة بالخطّ القانوني، أي الخطّ 29".
ومن بوّابة المفاوضات التقنية التي خاضها مع فريق تقني وعسكري، وانتهت في أكتوبر عام 2021 مع إحالته الى التقاعد، وما تلاها من مفاوضات سياسية قادها فريق سياسي بإشراف الرئيس عون حينها، قبل التوصّل الى اتفاق ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، أكد ياسين لـ"عُمان" أن "لبنان لم يتنازل عن الخطّ 29، خلال المفاوضات التقنيّة"، فـ"هو حقّ طبيعي للبنان"، لافتاً الى أن "التسوية تمّت خلال المفاوضات السياسية. وبالتالي، أخذ لبنان جزءاً كبيراً من الخطّ 23، الذي كان أودعه لدى الأمم المتحدة عام 2011، مقابل مكتسبات عدّة لإسرائيل".
وفي موازين الربح والخسارة، بالنسبة للبنان، يشير ياسين الى أنه، وللمرّة الأولى، تمّ الإعتراف بحدود لبنان البحريّة من قبل إسرائيل، وبضمانة أميركية، الأمر الذي كان يُتوقع معه "أن يفتح الباب أمام اكتشافات نفطيّة وغازيّة في البحر الأبيض المتوسط"، إلا أن لبنان، وبعد نحو 4 سنوات من ذاك التاريخ، لم يستحصل على شيء من ثروته، فيما محاولاته في البلوك رقم 9 وغيره كانت "فاشلة"، أو أن "السياسة لم تكتب لها أن تكمل طريقها"، وفق تعبيره. في المقابل، وبعد أسبوع واحد من توقيع الإتفاق، بدأت إسرائيل بتصدير النفط من حقل "كاريش"، الواقع جزء منه ضمن الخطّ 29، "الخطّ الذي كان من المفترض أن يكون من حصّة لبنان". وعليه، فإن كلّ ما حصلت عليه إسرائيل من حقل "كاريش" ومن مكتشفات نفطيّة وغازيّة شمال الخطّ 29 هي "حقوق لبنانية"، وفق تأكيده، المرفق بالقول: "نتمنّى أن تعود إسرائيل عن هذا الإتفاق، لأنه لم يعطنا إلا خطاً إسرائيلياً وضعته هي في عام 2009، وفوّضت وراوغت، الى أن أخذت ما تريده من السلطة اللبنانية". أما ما تمّ الحصول عليه، لبنانياً، فكان "خسارة كبيرة"، إذْ "تمّ الإستغناء عن منطقة مساحتها نحو 1400 كلم2 من المياه الإقتصادية الخالصة، والتي كانت من حقّ لبنان".
وبمعزل عن حسابات الربح والخسارة، يلفت ياسين الى مادّتيْن في نصّ الإتفاق الموقع بين لبنان وإسرائيل. المادّة الأولى تنصّ على ضرورة إعتراف الطرفيْن بأنّ الإتفاق "منصف وعادل" لكليهما، الأمر الذي "يؤكد على صعوبة إلغائه"، فيما المادة الثانية تنصّ على أنه لا يحقّ لأيّ طرف إلغاء هذا الإتفاق من دون موافقة الطرف الآخر، وبالتالي "لا يحقّ لإسرائيل أن تفرّط بهذا الإتفاق من دون موافقة لبنان".
أما سياسياً، وفي حال تنصّلت تلّ أبيب من هذا الإتفاق، ووافقت واشنطن على هذا الأمر، فهذا معناه، وفق رأي ياسين، الإطاحة بكلّ ما له علاقة بالحدود مع إسرائيل، التي "ربما تسعى لرسم حدود بريّة جديدة مع لبنان"، مؤكداً أن هذا السيناريو "الخطير" يعني أن الـ"10452 كلم2، أي مساحة لبنان، قد تصبح في خبر كان".
إتفاق غير مسبوق
وبالعودة الى "المحطّة الإستثنائية" التي شهدها لبنان في 27 أكتوبر 2022، بالتزامن مع نهاية العهد الماضي، تجدر الإشارة الى أن لبنان أنهى، حينها، تفاوضاً مع إسرائيل، عبر الوساطة الأميركية وبرعاية أممية، كان بدأه قبل نحو 10 سنوات. أما هوكشتاين، فـ"قطف" ثمار وساطته بين بيروت وتلّ أبيب، في نجاح لأول وسيط أميركي بين العاصمتين منذ العام 1982.
ويومها أيضاً، وبعدما كانت "أبحرت" بين خطوط الطول والعرض، رست بنود إتفاقية الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل على اتفاق الطرفين بإنشاء خطّ حدودي بحري، على أن ينطلق الترسيم من الحدود البحريّة الواقعة على الجانب المواجه للبرّ، ومن دون المساس بوضع الحدود البرية. ولحين تحديد تلك المنطقة، إتفق الطرفان على إبقاء الوضع الراهن بالقرب من الشاطىء على ما هو عليه، بما في ذلك "خطّ العوامات" البحرية الحالي. كما حدّدت الإتفاقية ما لكلّ طرف وما عليه، وفيها حصّن لبنان حقوقه في حقل "قانا" كاملاً، وبدأت أعمال التنقيب في المكان المحتمل فور دخول هذا الإتفاق حيّز التنفيذ، وإنْ من دون نتائج ملموسة حتى تاريخه.
وهكذا، ومن دون جبهات مفتوحة، وقّع لبنان على اتفاق ترسيم حدوده البحريّة مع إسرائيل، وهو أول اتفاق من نوعه في تاريخ الصراع بينهما، وتحديداً منذ "اتفاق 17 مايو 1983 الذي رفضه مجلس النواب حينها. ذلك أنه، ومنذ ذلك التاريخ، لم تُمرّر ورقة واحدة تلزم لبنان بالتفاهمات مع إسرائيل، ما خلا تفاهم أبريل (1996) الذي أخمد "عناقيد الغضب" الإسرائيلية وحفظ للبنان خطّه الناري، واتفاق 27 أكتوبر 2024 الذي تلا حرب الـ66 يوماً ولم تلتزم به إسرائيل أبداً. أما على المقلب الآخر من الصورة، فأبقى هذا الإتفاق "التاريخي" على نقاط البرّ خطوطاً منفصلة لم يشملها.
وهكذا أيضاً، وبصرف النظر عن توصيف ما جرى حينها، إنْ كان مجرّد تبادل رسائل تقنيّة، أو اعترافاً، أو تطبيعاً أو لا تطبيع، فالترسيم، وفق تأكيد مصادر سياسية لـ"عُمان"، لا هو اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل عام 1949، ولا هو اتفاق 17 مايو عام 1983، إنما هو اعتراف من لبنان بأن لإسرائيل الحقّ في الخطّ "29"، وبالتالي "حقل كاريش"، في مقابل اعتراف إسرائيل بالخطّ "23"، وبالتالي "حقل قانا".
وباستثناء المعادلة التي رسا عليها الترسيم، في معياره: "الخطّ 23" بديل "الخطّ 29"، و"قانا" مقابل "كاريش"، فإن لبنان عاش تضارباً كبيراً في المعطيات إزاء هذا الملف، وتحديداً منذ إقرار اتفاق الإطار الى اليوم، وما بينهما من سجالات وصراعات. ولكنّه، في المقابل، نجح في تحقيق مطالب أساسية، أي الحصول على موافقة أميركية وإسرائيلية بالخطّ 23 كاملاً، ما يعني تراجع الإسرائيليين عن "الخطّ 1" و"خطّ هوف"، بالإضافة إلى رفض مبدأ التنقيب المشترك ورفض مبدأ دفع التعويضات.
.. وخلاصة
وعليه، فإن ثمّة من يعتبر أن أي سلبيّة على خطّ هذا المسار ستضع ملفّ الترسيم البحري، كاملاً، أمام عرقلة مفتوحة حتى إشعار آخر، فيما "موضوع الخطّ البحري في المنطقة الاقتصادية الخالصة متعلق جداً بالحدود البريّة"، وفق قول ياسين، أي "الخطّ الأزرق البحري" (إرتباط البر بالبحر). وبالتالي، فإن نقطة الإنطلاق لهذا الخطّ البحري تبدأ من نقطة رأس الناقورة الحدوديّة المعروفة برمز "B1". وفي حال عادت إسرائيل عن الاتفاق أو غيّرت موقفها، فهذا يعني "أنها ستعتبر أن هذه المنطقة إسرائيلية وستغيّرها"، يقول ياسين، خاتماً: "فليجرؤ الإسرائيلي هذه المرّة بالعودة عن هذا الإتفاق"، وعندها "لكلّ حادث حديث"!