احتفلت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية صباح اليوم إشهار مؤسسة متحف السيرة النبوية الوقفية وتدشين شعار المتحف، وذلك تحت رعاية معالي السيد إبراهيم بن سعيد البوسعيدي، وزير التراث والسياحة، وبحضور معالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري، وزير الأوقاف والشؤون الدينية، وعدد من أصحاب السعادة والمسؤولين والمهتمين بالشأن الثقافي والديني والإعلامي، بقاعة المناسبات الكبرى في مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض.
وجاء إشهار المؤسسة في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى إبراز السيرة النبوية الشريفة وتعريف الأجيال المعاصرة والعالم أجمع بالقيم الإنسانية والحضارية التي حملها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، من خلال مشروع متحفي معرفي حديث يوظّف التقنيات البصرية والتفاعلية في عرض أحداث السيرة النبوية ومضامينها الأخلاقية والإنسانية.
مشروع معرفي
ويهدف متحف السيرة النبوية المزمع إقامته في ولاية سمائل إلى تقديم تجربة معرفية متكاملة تجمع بين أصالة المعرفة الإسلامية وروح العصر، حيث ستعرض ملامح السيرة النبوية العطرة في سياق علمي موثّق يبرز عظمة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وسموّ شريعته والقيم التي قامت عليها رسالته القائمة على الرحمة والتسامح والتعايش الإنساني.
وسيقدم المتحف هذا المحتوى المعرفي عبر أحدث الوسائل التقنية، بما في ذلك العروض التفاعلية والتجارب الافتراضية والوسائط المتعددة، بحيث يعيش الزائر تجربة معرفية وبصرية فريدة، تتكامل فيها المعرفة التاريخية مع العرض الفني الحديث، بما يجعل المتحف جسراً ثقافياً يعرّف العالم بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورسالة الإسلام بلغة معاصرة يفهمها الزائر مهما اختلفت ثقافته أو لغته.
عُمان ونور الرسالة
وتأتي إقامة هذا المشروع في أرض عرفت عبر التاريخ بالحكمة والسلام والانفتاح الحضاري، حيث ارتبطت عمان منذ فجر الإسلام بعلاقة وثيقة مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حين وصلت رسالته إلى أهل عمان يدعوهم فيها إلى الإسلام بالحكمة واللين.
ومنذ تلك اللحظة بدأت صفحة مشرقة في تاريخ عمان، إذ شدّ العمانيون الرحال إلى المدينة المنورة يلتقون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتعلمون من هديه، ويعودون إلى أوطانهم حاملين نور الرسالة، لتتحول عمان إلى منارة حضارية انطلق أبناؤها عبر البر والبحر إلى آفاق العالم تجاراً وعلماءً، ينشرون قيم الإسلام القائمة على العدل والتسامح والتعايش والرحمة.
رؤية بصرية للشعار
واستعرض الحفل الرؤية البصرية لشعار مؤسسة متحف السيرة النبوية، والتي تستمد معناها من العبارة النبوية «من محمد رسول الله»، وهي افتتاحية الرسالة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان يدعوهم فيها إلى الإسلام بالحكمة واللين.
وقد استجاب العمانيون لتلك الدعوة بوعي وبصيرة، فكانت عمان من أوائل الأوطان التي دخلها الإسلام سلماً، وهو ما جعل اختيار هذه العبارة في شعار المتحف استدعاءً لتلك اللحظة المضيئة من تاريخ العلاقة بين السيرة النبوية وأرض عمان.
ويرمز الشعار إلى بداية الخطاب النبوي الذي وصل إلى هذه الأرض المباركة، ويحمل في طياته معاني الرسالة والتواصل الحضاري الذي أسسه النبي صلى الله عليه وسلم مع الشعوب والأمم، ليغدو بذلك جسراً يربط بين المصدر الأول للسيرة النبوية وحضورها المتجدد في الوجدان العماني.
كما يعكس الشعار رسالة المتحف في تقديم السيرة النبوية بوصفها رسالة إنسانية حية موجّهة إلى الإنسان في كل زمان ومكان، تلهم القيم التي قامت عليها الحضارة الإسلامية من رحمة وعدل وحكمة وتعايش.
منصة للحوار العلمي
وتضمّن برنامج الحفل جلسة حوارية شارك فيها الشيخ الدكتور إسماعيل بن ناصر العوفي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة متحف السيرة النبوية، والدكتور نزار بن محمود قاسم الشيخ، المتخصص في معالم السيرة النبوية، حيث تناولت الجلسة أهداف المؤسسة ودورها في خدمة السيرة النبوية والتعريف بها بأسلوب يجمع بين التأصيل العلمي ومتطلبات العصر.
وأكد الدكتور إسماعيل العوفي أن علاقة عمان وأهلها بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم علاقة تاريخية عميقة، حيث ذكر عدد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من العمانيين في كتب السيرة والتاريخ، مشيراً إلى أن الروايات التاريخية تذكر أن وفوداً عمانية عديدة قدمت إلى المدينة المنورة للقاء النبي صلى الله عليه وسلم والتعرّف إلى الإسلام.
وأوضح أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان تعد من الرسائل التاريخية المهمة التي تدل على المكانة الخاصة التي حظيت بها هذه البلاد في صدر الإسلام، إذ وجّهها النبي صلى الله عليه وسلم إلى حاكمي عمان آنذاك، داعياً إياهما إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة.
وأشار إلى أن المتحف المزمع إنشاؤه سيعمل على تجسيد هذه العلاقة التاريخية بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل عمان، من خلال عرض الروايات التاريخية والوثائق والقصص المرتبطة بتلك المرحلة، بما يعزز معرفة العمانيين والعالم بهذه الصفحة المضيئة من التاريخ الإسلامي.
التقنيات الحديثة
وحول مواكبة التطور التقني في عرض السيرة النبوية، أوضح العوفي أن المتاحف الحديثة باتت تعتمد بشكل كبير على التقنيات الرقمية والعالم الافتراضي في تقديم المعرفة، وهو ما سيعتمده متحف السيرة النبوية في عمان.
وقال إن هذه التقنيات تمكّن الزائر من معايشة الأحداث التاريخية بصورة تفاعلية، بما يعزز فهمه للسيرة النبوية ويقرب معانيها إلى الأذهان، مؤكداً أن المتحف سيجمع بين الأساليب التقليدية في العرض والأساليب التقنية الحديثة، ليقدم تجربة معرفية متوازنة تجمع بين الأصالة والتجديد.
تجربة عالمية
من جانبه، تحدث الدكتور نزار الشيخ عن التجارب العالمية في إقامة معارض ومتاحف السيرة النبوية، مشيراً إلى أن هذه المعارض أصبحت من الوسائل المهمة في نشر المعرفة بالسيرة النبوية وتعريف غير المسلمين بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وأوضح أن هذه المعارض تسهم في تحقيق منافع روحية وثقافية وتعليمية كبيرة، إذ تمنح الزائر تجربة معرفية تجمع بين التعلم والتأمل الروحي، كما تتيح لغير المسلمين فرصة التعرف إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقيم الإسلام السمحة بطريقة مباشرة.
وأشار إلى أن بعض المعارض العالمية للسيرة النبوية استطاعت تجسيد معالم من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، مثل نماذج تقريبية لبيته الشريف وبعض المقتنيات المشابهة لما كان يستخدمه في حياته، وهو ما يعزز الجانب التفاعلي والتربوي في هذه المعارض.
وأكد أن متحف السيرة النبوية في عمان يمكن أن يشكل إضافة نوعية في هذا المجال، لما تمتلكه السلطنة من تاريخ عريق في نشر قيم الإسلام والتواصل الحضاري مع مختلف الشعوب.
وأوضح الدكتور إسماعيل العوفي أن مؤسسة متحف السيرة النبوية ستعمل ضمن إطار وقفي يتيح مشاركة المجتمع في دعم هذا المشروع الحضاري، سواء من خلال التبرعات أو الأوقاف أو المساهمات العلمية والبحثية.
وبيّن أن اختيار الطابع الوقفي للمؤسسة يهدف إلى ضمان استدامة المشروع على المدى البعيد، مشيراً إلى أن عمان تمتلك تجربة تاريخية رائدة في نظام الأوقاف، حيث لا تزال بعض الأوقاف التي أنشئت قبل أكثر من ألف عام قائمة وتؤدي دورها حتى اليوم.
وأضاف أن المؤسسة ستضم عدداً من المراكز العلمية والبحثية المرتبطة بالسيرة النبوية، بما يسهم في دعم الدراسات المتخصصة في هذا المجال وتعزيز البحث العلمي المرتبط بتاريخ الإسلام في عمان.
وأشار العوفي إلى أن العمل جارٍ حالياً على استكمال الإجراءات المتعلقة بموقع المتحف، حيث تم اختيار ولاية سمائل لإقامة المشروع نظراً لارتباطها التاريخي بقصة إسلام الصحابي العماني مازن بن غضوبة رضي الله عنه.
وأوضح أن الخطوات التنفيذية للمشروع ستشمل خلال الفترة المقبلة إعداد التصاميم المعمارية والتقنية للمتحف، تمهيداً لبدء أعمال الإنشاء، متوقعاً أن يفتح المتحف أبوابه للزوار خلال نحو ثلاث سنوات.