يقال «إذا لم تستح فافعل ما شئت أو قل ما شئت»، وهذا ما ينطبق على تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا لإيران، إذ أعلن عن عدم سعادته لهذا الاختيار وأنّ المرشد الجديد «لن يدوم طويلًا» دون موافقة الولايات المتحدة، وكان قد طالب قبل ذلك بالمشاركة الشخصية في عملية الاختيار «لضمان قائد يجلب السلام»، حسب قوله.

حقيقة إنّ هذه التصريحات تكشف بوضوح عقلية الوصاية التي تحكم السياسة الأمريكية خاصةً في العهد الحالي، فما قاله ترامب يمثل بلطجة سياسية صريحة، إذ يتحدّث وكأنّ الولايات المتحدة تملك حق الفيتو على خيارات الشعوب، وكأنّ العالم بأسره مجرد رقعة شطرنج تتحرك قطعها بإشارة من البيت الأبيض.

وإذا كان ذلك ينطبق على بعض الدول وخاصة العربية، فإنه لا ينطبق على الكثير من دول العالم، ومنها كوريا الشمالية وإيران التي أبلت بلاء حسنًا حتى الآن في الدفاع عن نفسها، وقدّمت درسًا لا يُنسى في الدفاع عن الأوطان، إذ اعتقدَ ترامب أنّ نزهته في إيران لن تزيد عن أربعة أيام.

من أبجديات السياسة الدولية أنّ اختيار الدول لقادتها هو شأن داخلي بحت، وهو قرار سيادي صادر عن مؤسسات تلك الدول، ولا يحق لأيِّ قوة خارجية أن تدّعي أنها صاحبة الكلمة الفصل فيه. لذا فإنّ تصريح ترامب حول أحقيته شخصيًّا في اختيار المرشد الإيراني، يفضح تناقضًا صارخًا في الخطاب الأمريكي الذي يرفع شعار الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وغزت دولا في سبيل ذلك الادعاء، بينما يمارس رئيسُها عمليًّا أبشع صور التدخل.

قارن ترامب زَعْمَ أحقيته في اختيار قائد إيران، بانتهاكه السابق لسيادة فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو في نصف ساعة دون مقاومة تذكر، قائلًا إنّ استمرار سياسات خامنئي قد يؤدي إلى حرب جديدة في المنطقة.

وإذا قارنا بين الحالتين الإيرانية والفنزويلية، نجد أنّ واشنطن تتعامل مع كلّ دولة بمنطق الوصاية ولكن بأدوات مختلفة؛ ففي فنزويلا كان الانتهاك تحت شعار حماية الديمقراطية ومنع «الديكتاتورية»، بينما في إيران يُستخدم الملف النووي كذريعة لفرض السيطرة، لكن الجوهر واحد، أمريكا تريد أن تختار الحكام نيابةً عن الشعوب، وأن تفرض من يقود ومن يُقصى، وفقًا لمصالحها فقط، وهذا السلوك يعيد إلى الأذهان عقلية الاستعمار القديم، حيث كانت القوى الكبرى تقرر مصائر الأمم وتحدد من يحكم ومن يُعزل، ولكن يبدو أنّ الاستعمار بصورته القديمة كان أرحم.

الأخطر -وربما الأفضل- في تصريحات ترامب أنها توجه رسالة غير مباشرة لكل من يربط مصيره بأمريكا، سواء كانوا حلفاء أو شركاء أو حتى تابعين، بأنهم ليسوا في مأمن. فإذا كان رئيس الولايات المتحدة يعلن صراحة أنه لا يعترف بشرعية قيادة بلد بحجم إيران إلا بموافقته، فما الذي يمنع أن يتبنّى الموقف نفسه تجاه أيِّ دولة أخرى، حتى تلك التي تعتبر نفسها صديقة أو حليفة، وهي في الأصل لا تصل إلى قوة إيران؟

التاريخ مليء بالأمثلة على حلفاء تخلت عنهم واشنطن عندما تغيّرت مصالحها، من فيتنام الجنوبية إلى شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي، وصولًا إلى حلفاء في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. وممّا نُقل عن الرئيس المصري الراحل حسني مبارك أنّ «المتغطي بالأمريكان عريان»، وهي عبارة تختصر كلَّ شيء، ولكن هل حلفاء أمريكا في المنطقة يعون هذا؟!

لا خلاف في أنّ أمريكا دخلت الحرب حمايةً لإسرائيل، فهي لا يهمها حلفاؤها في المنطقة، ولا تهمها حرية الشعب الإيراني، وربما تصبح الصورة أكثر وضوحًا، إذا تابعنا الموقف الإسرائيلي من انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا لإيران خلفًا لوالده؛ فقد كان أول تعليق إسرائيلي تهديدًا مباشرًا من رئيس الكنيست أمير أوحانا، الذي نشر صورًا لقادة من إيران وحزب الله وحماس تمت تصفيتهم، ووضع صورة مجتبى بينهم مع تعليق يقول: «من يسلك طريقهم سيذهب في طريقهم».

وقبل ذلك هدّد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باستهداف مجلس الخبراء الذي اجتمع لاختيار المرشد، في رسالة تهديد علنية بأنّ إسرائيل ترى في هذا المنصب هدفًا مشروعًا، فيما اعتبرت الصحافة الإسرائيلية، مثل صحيفة «معاريف»، أنّ انتخاب مجتبى يمثل انتصارًا كاملًا لما وصفه بالجناح الأكثر تشددًا في إيران، أي الحرس الثوري، وأنه «شخصية غامضة لكنها قوية وخطرة خلف الكواليس».

ويُفهم من هذه المواقف أنّ إسرائيل تنظر إلى المرشد الجديد باعتباره امتدادًا لسياسة المواجهة، وأنها لا تتردد في التلويح باغتياله.

نعم قد تستطيع أمريكا وإسرائيل الوصول إلى المرشد الجديد، مثلما وصلت للمرشد الراحل، بسبب الاختراق الخطير ضد الأجهزة الأمنية الإيرانية، التي يبدو أنها لم تتعلم من درس تحطم طائرة الرئيس إبراهيم رئيسي، ولا اغتيال إسماعيل هنية في منطقة محصنة، ولكن يجب أن تعلما أنّ إيران ليست فنزويلا.

نحن نعيش الآن عصرًا جديدًا غريبًا، عنوانه أنّ البلطجة هي التي تقود العالم؛ فتصريحات ترامب قبل وبعد انتخاب مجتبى خامنئي، وكذلك الموقف الإسرائيلي، تعكس بوضوح أنّ الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل لا تزالان تريان نفسيهما وصيَّين على المنطقة، وأنهما تملكان الحق في منح الشرعية أو سحبها، وأنّ إسرائيل تملك اليد الطولى، وتستطيع أن تصل إلى من تريد في لحظة، وهذه أثبتت الأحداث أنها حقيقة، لكن هذه العقلية، مهما بدت قوية، فإنها تحمل في داخلها إيجابيات كثيرة، منها أنها تغذي خطاب الوحدة والسيادة والرغبة في الانتقام، كما حدث في إيران عندما خرجت الملايين تؤيد الحكومة بعد العدوان على إيران مباشرة، متوعدة بالانتقام من اغتيال المرشد علي خامنئي، كما أنها تثير مقاومة الشعوب وتغذي خطاب الاستقلال والسيادة.

في تصوري أنّ المنطقة قد تغيّرت عن السابق تمامًا، فليست هي نفسها قبل العدوان على إيران، وإذا لم تتعلم دول المنطقة الدرس جيدًا فإنها ستدفع أثمانًا غالية، فما قاله ترامب وما لوّحت به إسرائيل ليس مجرد تهديد لإيران، بل هو تحذير من أنّ من يربط مصيره بواشنطن أو تل أبيب، سواء باتفاقيات الدفاع المشترك، أو الاتفاقيات الإبراهيمية، إنما يربط نفسه بسراب، ولن تتردد الدولتان في ممارسة «البلطجة السياسية» مع هذه الدول وحتى الاغتيال.

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.