ليس في الأمر ما يدهش كثيرًا في هذا البطش «الترامبي» المهووس بنسف القواعد والثوابت والسياسات والتحالفات التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط النازية.

ولعل الفارق في هذا السياق المجنون الذي تمطر مصائبه على دول الشرق الأوسط، ونعيش تحولاته وويلاته هو مجيء رئيس أمريكي -للمرة الثانية- تخلّص تمامًا بكل صلف وعنجهية من لطافة وقفازات الدبلوماسية وابتساماتها الصفراء ومجاملاتها المنمقة، ويجسد امتدادًا سافرًا لسياسات وتوجهات رؤساء الولايات المتحدة من الحزب الجمهوري واللوبي الصهيوني للمنطقة فور توليهم السلطة -لا يعني ذلك أن الديمقراطيين حمائم سلام أيضا-؛ حيث شُن أكثر من ثماني حروب كبرى وعمليات عسكرية إبان حكمهم ضد دول الشرق الأوسط منذ عام 1959 إلى 2026 لا سيما في السنوات الثلاثين الماضية سواء كان الرئيس ريجان أو بوش الأب وبوش الابن أو ترامب.

ولم يتردد رجل الأعمال زعيم الإمبراطورية في إظهار الوجه الحقيقي المقزز لحالة النفاق الغربي ونواياه في التعامل مع كل ما هو غير أمريكي. وفي الواقع يبدو أن الأمر بصيغة أكثر دقة ووضوحًا؛ فإن شعار «أمريكا أولا» الذي يتغنى به الرئيس يقصد به «إسرائيل أولا».

ومنذ تولى الرئيس ترامب فترته الثانية لم تتوقف مفاجآته مستهدفة القريب والبعيد، والصديق والعدو شرقا وغربا، وعلى مستوى الداخل الأمريكي؛ حيث يجري بتعسف لافت تفكيك المؤسسات الأمريكية التي بدت ذات غفلة أنها مؤسسات رصينة ضخمة في فسيفساء الحالة الأمريكية سرعان ما تبين لاحقًا أنها بلا وزن حقيقي، وتهاوت أمام صلف الرئيس ونخبة المليارديرات المحيطة به، وتغول اللوبي الصهيوني في صميم القرار الأمريكي.

بل إن حلفاءه الأوروبيين على ضفاف الأطلسي لم يسلموا من غلواء هذا الفجور «الترامبي»، وتعرضوا لذات المعاملة من الاستخفاف والإهانة والابتزاز والبلطجة السياسية بما في ذلك الهوس باحتلال جرينلاند والابتزاز التجاري عبر التعرفات الجمركية الباهظة وغيرها؛ الأمر الذي وضع أوروبا الغربية في حالة انكشاف استراتيجي تاريخي جعلها تهرول لتعزيز علاقاتها مع الصين.

والمتابع لحركة التاريخ يلاحظ كيف بطشت القوى الكبرى عبر مختلف الحقب بالدول الأضعف منها، ومزقتها شر ممزق بمجرد اندلاع خلاف أو تعارض للمصالح.

وهناك أمثلة عديدة على هذه النزعة للبطش والتنكيل بالأعداء منها قيام روما (146 قبل الميلاد) بسحق مدينة قرطاج -ضمن تونس الحالية- وحرقها، ولم يكتف الرومان بالنصر العسكري، بل عمدوا إلى استباحة أهلها، وبيع سكانها عبيدًا.

وتشير بعض الروايات أنهم حرثوا أراضي قرطاج بالملح لضمان عدم صلاحيتها للزراعة مدى الحياة (وهو ما تطبقه إسرائيل في غزة إلى حد كبير لا سيما خلال حرب الإبادة الراهنة).

وليس ببعيد عنا ما حدث في مؤتمر برلين عام 1884 حينما قسمت القارة الإفريقية بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا والبرتغال والتنكيل بسكان هذه الدول والعبث بحدودها.

ولا يمكن بطبيعة الحال إغفال قيام الولايات المتحدة بمهاجمة اليابان بالأسلحة النووية في هيروشيما ونجازاكي وقتل أكثر من نصف مليون ياباني عام 1945 وغزو العراق وتدميره عام 2003 وغيرها من أمثلة في مشهد يطرح أسئلة جوهرية حول مدى تقدم البشرية أو انحدارها أمام شهوة الدم والقتل والترويع بمجرد تناقض واختلاف المصالح.

وفي الصراع الحالي لم تتردد الولايات المتحدة وإسرائيل وكذلك إيران على الطرف الآخر في ضرب واستهداف دول الخليج حينما يتعلق الأمر بمصالحهم العليا.

إن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تأتي في السياق ذاته لمنطق البطش والقوة وشريعة الغاب التي تشكل السياسة الخارجية الأمريكية الراهنة بكل تجلياتها من كندا إلى جرينلاند وفنزويلا ولبنان ودول الخليج، ولا عزاء لمن لم يمتلك السلاح النووي.

ولا يتسع المقام لاستعراض قائمة أنشطة البلطجة في هذه الحقبة الأمريكية الغرائبية التي استفزت حتى الساسة الأوروبيين؛ حيث لم يتردد زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار البريطاني «إد ديفي» في يناير 2026 في وصف الرئيس ترامب بأنه «رجل عصابات دولي» و«متنمر» خلال جلسة في مجلس العموم في معرض النقاش المحتدم حول أزمة جرينلاند، وتهديد سيادة دولة تعتبر حليفا رئيسيا في الناتو، وكذلك مسألة التعرفات الجمركية واصفا إياه بأنه «أكثر الرؤساء فسادًا» في تاريخ الولايات المتحدة، ومنتقدا محاولات الحكومة البريطانية استرضاءه.

على الجانب الإسرائيلي وجد نتنياهو فرصته التاريخية في الرئيس الحالي، واستغلال فترة حكمه، وهيمنة اللوبي الصهيوني على مفاصل القرار الأمريكي لتحقيق المصالح الإسرائيلية، والسعي لحرق المنطقة برمتها، وتحييد وحرمان إيران من كافة عناصر قوتها العسكرية والاقتصادية (لا سيما حرمان الصين من النفط الإيراني)، وضرب استقرار دول الخليج؛ تمهيدًا لضمها لدائرة النفوذ الصهيوني في الشرق الأوسط تطبيعًا وتغريبًا وإذلالًا، واستهداف دول المنطقة التي لا تظهر ذات الحماس في التماهي مع المشروع الصهيوني والانغماس في موجة التطبيع، واستكمال تحقيق الحلم الصهيوني التوسعي لإسرائيل الكبرى الذي تحدث عنه وباركه علنًا السفير الأمريكي في إسرائيل مؤخرًا بعد قضم أجزاء من سوريا ولبنان.

وبحسب ما نشر في جريدة «الإندبندنت» العربية بتاريخ 12 سبتمبر 2025 للكاتب جون بولس فإن «إسرائيل الكبرى لم تعد مرتبطة بخطوط على الخرائط، بل باتت مرادفا لتفوق عسكري وردع إستراتيجي عابر للحدود. ما يجمع بين البعدين الديني والسياسي هو شخصية بنيامين نتنياهو؛ فهو يتحرك بين الأسطورة والواقع. من جهة يحمل عبء النبوءة التي بشّر بها الحاخام شنيرسون باعتباره (الملك الأخير لإسرائيل) الذي سيسلّم مفاتيح القدس للمسيح، ومن جهة أخرى يوظّف التفوق العسكري والإنجازات الميدانية ليقدّم كل خطوة سياسية أو عسكرية كجزء من مسار نبوئي». ويذهب الكاتب إلى أن نتنياهو لا يتحدث فقط عن أمن إسرائيل، بل عن «أبناء النور ضد أبناء الظلام» مستشهدا بنصوص توراتية تدعو إلى إبادة «عماليق» في إسقاط واضح على الفلسطينيين. هنا يتحول الصراع السياسي إلى مواجهة وجودية مقدسة، وتتحول القرارات العسكرية إلى خطوات نحو «النبوءة» وفق ما جاء في المقال.

وبالتالي ليس من المستغرب هذا السعار الإسرائيلي لتدمير دول المنطقة، ومحاولة جر دول الخليج إلى صراع عسكري وجودي ضد إيران في محرقة كارثية لمقدرات وموارد هذه الدول، والقضاء بالنتيجة على كل بارقة قوة أو منعة أو صمود ضد توجهاتها التوسعية، وتغيير الشرق الأوسط وفق السردية الصهيونية/ التوراتية المدعومة من دوائر النفوذ الأمريكية، ومحو القضية الفلسطينية في دهاليز وغياهب ما يسمى بمجلس السلام.

إننا أمام لحظة وجودية فارقة في تاريخ المنطقة تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة وحسن التقدير والوعي والاستجابة على المستوى الخليجي، وكذلك من القيادة الراهنة في طهران قبل أن يشتعل هذا الصراع ليحرق المنطقة بأسرها لصالح إسرائيل.

وبالتالي تقتضي خطورة هذه التحولات والمسؤولية التاريخية مراجعة المصالح العليا والأولويات الوطنية لدول الخليج مقابل هذا الخطر الوجودي الرامي إلى خلق سايكس بيكو جديدة، وتمزيق خرائط الشرق الأوسط الراهنة لصالح السردية الصهيونية. ولا يبدو أنه ثمة أجراس إنذار أكثر وضوحًا ودويًا مما نرى ونشاهد من الحرائق والانفجارات والمسيرات في المدن الخليجية، وضرب اقتصادياتها وقدراتها واستقرارها.

في ظل هذه الفوضى المروعة في المنطقة تواصل سلطنة عمان مواقفها النبيلة والشجاعة المرتكزة على مبادئ الحق والكرامة والإنسانية والدعوة للحوار والتفاوض؛ من أجل إبقاء شعلة الأمل والسلام والإنسانية متقدة لهذا الإقليم المكلوم بالحروب والأطماع والمؤامرات.

ولا يفوتني التنبيه إلى أن الجهر بهذا الخطاب وسط هذا العبث والفوضى ليس بالأمر اليسير، ولن يعبر دون تداعيات وأثمان. ولكن أن تكون في الضفة الصحيحة والأخلاقية والمبدئية من التاريخ خير من أن تصطف مع تجار الحروب والموت والخراب.

يحيى العوفي كاتب ومترجم عماني