أحيانا يشاهد الإنسان موقفا قد يمر على الآخرين عبورا، لكنه يغير مسار حياته، يحكي لنا التاريخ العماني قصة شاب من قرية كدم، التحق بالعمل في حراسة السجن في نزوى، زمن الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب، وهو في ريعان شبابه حينما بلغ سن الرشد. فشاهد الإمام وفضل العلم ومكانة العلماء في حضرته، ليقرر أن يكون منهم، فيترك مهنته بعدما جمع مبلغًا يسيرًا من المال، ليستثمره أعظم استثمار في طلب العلم، فينهل من مشايخه وأساتذته أمثال محمد بن روح الكندي، وأبي الحسن محمد بن الحسن، حاملا عنهم شعلة العلم التي أضاف لها الكثير من آرائه ومعرفته، ليصبح لاحقا مرجع أهل عمان، ويعود إلى مجلس الإمام، لكن هذه المرة الإمام حفص بن راشد، لا ليكون حارس السجن، بل صاحب الفتيا، والمرجع الأول الذي يجيب على الأسئلة التي ترد إلى الإمام، فالله تلك الهمة التي بلغت بصاحبها القمة.
إنه أبو سعيد محمد بن سعيد الناعبي الكدمي، والكُدمي نسبة إلى كُدَم-إحدى قرى الواقعة بين بهلا والحمراء-تُرجِّح الدراسات أن مولده كان أوائل القرن الرابع الهجري، حوالي سنة خمس وثلاثمائة للهجرة، مستشهدة بالرواية التاريخية التي أوردناها عن فترة صباه حين تولّى مهمة حراسة السجن للإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب (الذي تولَّى الإمامة سنة 320هـ). وعمره آنذاك يناهز الخامسة عشرة. أما دراسته فكانت بنـزوى بيضة الإسلام على ومن أساتذته: محمد بن روح بن عربي الكندي وأبو الحسن محمد بن الحسن النـزوي.
وعاصره ثلاثة أئمة هم الإمام سعيد بن عبدالله الذي أثنى عليه ثناء حسنًا، وحفظ لنا سيرته وما جرى في إمامته من أحداث، وذكر حميد خصاله، وأنه «كان رحمه الله لرعيته هيّنًا رفيقا، بارًّا بهم شفيقا، غضيضا عن عوراتهم، مُقِيلا لعثراتهم، بعيد الغضب عن مسيئهم، قريب الرضا عن محسنهم، مساويًا في الحق بين شريفهم ودنِيِّهم، وفقيرهم وغنيهم، وبعيدهم وعشيرهم، مُنـزلا لهم منازلهم، متفقدا لأمورهم وأحوالهم، ومشاورًا لمن هو دونه...». إلى آخر ما وصف من محامده التي استوجبت رضا الناس بإمامته. كما عاصر الأئمة راشد بن الوليد، وأثنى عليه ثناء حسنا، ودوّن بعضا من سيرته في كتاب "الاستقامة"، وعاصر الإمام حفص بن راشد، وفي عهده بلغ أبو سعيد قمة نضجه الفكري، فكان يتولّى الإجابات الفقهية عن الإمام.
وأبو سعيد ينتمي إلى الطبقة الخامسة من علماء عمان.
ويعتبر إمام المدرسة النزوانية وعميدها ومنظرها.
ومع علمه كان ورعا زاهدا، آخذا بالاحتياط، شديد التواضع، جاء في تحفة الأعيان "كان لأبي سعيد يومئذٍ نخلة، وخمرة-وهي شجرة العنب- قيل: إنه يأكل من ثمر النخلة بلا خُبز ولا حِلاء، وله ثلاث نسوة مؤسرات، لا يأكل من مالهن شيئا، وقد أخذنه لأجل علمه، وأحسب أنه كان يُقسِّم النخلة على السنة، والخمرة للكسوة- فيما قيل- هذا هو الزهد لمن عقله. (تحفة الأعيان، ج1 / 277). ورغم ما نلمحه من مبالغة في وصف زهده، لكن الرواية توضّح صورته في الذهنية الشعبية التي رسمته على هذه الصورة لورعه وتقواه وزهده في متاع الدنيا. ويعجبني كثيرا تعقيب نور الدرين السالمي بقوله: " هذا هو الزهد لمن عقله"، فزهد أبي سعيد لم يكن انزواء عن الدنيا، إنما عاش في الدنيا عاملا مجاهدا بعلمه. ومؤلفاته أعظم شاهد على فهم عميق لمقاصد الشرع الشريف، وقد لقيت أقواله وكتبه القبول والرضا من جمهرة الأئمة وجمهور الأمة. مما جعل بعض علماء عمان يطلقون عليه " إمام المذهب"، وذلك من أجل المواقف التي وقفها، والتي جمع فيها الشمل ورأب الصدع. وهي محمدة أخرى له. ولذا أثنى على أبي سعيد الكثير من جهابذة العلماء، فقال عنه أبو نبهان : " ...هذه الأقاويل مأخوذة من كلام الفقيه العالم العلامة المحقق المدقق نور الإسلام، وبصر الظلام، وشمس الأنام، وحجة العلام، المشهور أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي، رحمه الله ورضيه وارتضاه ورضي عنه وجزاه عن الإسلام أفضل جزاء، فهو إمامنا في ديننا، ونحن له تبع"، وقال عنه المحقق الخليلي: "ويكفي في هذا الأصل ما أفدناه عن الشيخ أبي سعيد - جزاه الله خيرا من عالم مفيد؛ فإن قوله هو القول السديد، ورأيه هو الرأي الرشيد، وما خالفه في هذا فهو باطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد" وقال عنه نور الدين السالمي
.................... //ونسب الجواب في القضية
لمن إليه الشرح والتحريرُ//قـد انتهى وهـو به خبيرُ
أبو سعيد الكدمي المفردُ //من مطلقات العلم عنه قيدوا
وقال عنه سماحة المفتي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: " ... وناهيكم بأبي سعيد بحرا دافقا عذبا زلالا، يفيض على هذه النفوس المتعطشة إلى نور الله سبحانه وتعالى بالخير والهدى ".
توفي عشية الثالث عشر من ربيع الأول 361 هـ/ الموافق 3 يناير 972م، عن عمر ناهزَ ستة وخمسين عاماً. وما أقلها في العد وما أعظمه من عمر في البركة، وكذلك تقاس الأعمار.
(2)
من أعظم مؤلفات الكدمي كتاب "الاستقامة"، ويعود سبب تأليف الكتاب إلى توسُّع الخلاف بين أهل عمان في قضية عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي، وما تبعها من انقسامات ومناظرات علمية، بين واقف ومتولٍّ ومتبرئٍّ من موسى وراشد، لخروجهما على إمام شرعي.
فذهبت المدرسة الرستاقية إلى التشديد والبراءة من موسى وراشد، كما حاول ابن جعفر التبرير لموسى وأتباعه، بينما تبنى أبو سعيد موقف الاعتدال بالوقوف وعدم البراءة. فكتب في ذلك كتابه "الاستقامة في الولاية والبراءة والإمامة"، وفي هذا الكتاب أصّل لقضية الولاية والبراءة وموجباتهما وشرائطهما، وفصّل أحكامهما وحللها تحليلا دقيقا، مع استفاضة في تناول تطبيقاتها العملية. والسبب الآخر للتأليف: التباس الأمر على بعض علماء زمانه، وإطلاقهم الأحكام على من سبقهم دون روّية أو تصوُّر لأطراف القضية، مع تلبيسهم على الضعفاء والعامة وتكليفهم الناس أموراً ليست من الدين. [وكم نشكو من هذا الأمر في كل زمان، فأحكام الولاية والبراءة ليست سهلة، ولا ينبغي الخوض فيها مع العوام ولا أن نلبس على العوام دينهم فيها]. وكانت الغاية النبيلة السامية هي رأب الصدع وإطفاء الفتنة التي عم بها الابتلاء.
تحدث عن العلماء في عمان قبل زمن الحدث، وسماهم السلف، وجعل آخرهم الفضل بن الحواري الإزكوي، الذي شهد وقوع الحدث آخر عمره، ثم قسّم العلماء بعده إلى أربعة أخلاف “أي أجيال متعاقبة زمنياً” فجعل في الخلف الأول من أدرك الحدث وشاهده وعاينه كمحمد بن جعفر الإزكوي ونبهان بن عثمان النزوي وأبي المؤثر الصلت بن خميس البهلوي، وفي الخلف الثاني من كان أصغر سناً من المتقدمين كأبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب بن الرُّحيل، وأخيه عبدالله بن محمد بن محبوب، والأزهر بن محمد بن جعفر الإزكوي، وأبي الحواري محمد بن الحواري النزوي، ثم في الخلف الثالث تلامذتهم وهم أشياخ أبي سعيد ومن أدركهم من العلماء كأبي عبدالله محمد بن روح بن عربي النزوي، وأبي الحسن محمد بن الحسن النزوي، وأبي محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر البهلوي، أما الخلف الرابع فهم معاصروه وأقرانه، وقد فصَّل القول في وجهة نظر كلّ من تقدم في القضية.
(3)
استوعب الكتاب أصول الولاية والبراءة، وردَّها إلى 39 أصلاً، لا يكون العالمُ عنده عالماً بالولاية والبراءة حتى يحيط بها ويدرك الفروق بين دقائقها وفروعها، وهذه التأصيلات اعتمدها العلماء اللاحقون وبنوا عليها، كما ضَمَّن كتابه مباحث فقهية وأصولية. وهذا الكتاب فلسفة لنظام الحكم وشرعيته في الإسلام، مما جعله معتمد كل الكتابات الإباضية اللاحقة في هذا الميدان. وإلى جانب الأهمية العقدية للكتاب، فإنه يعدّ مصدرا تاريخيا مهما لتلك الحقبة التي عاشتها عمان، وما توالى فيها من أحداث تتعلق بالجانب السياسي والديني والاجتماعي، وهو مرجع لدراسة لتلك الفترة الحساسة التي تركت بصماتها بارزة في التراث العلمي لعلماء فحوى مادة تاريخية عن الأحداث التي عاصرها أبو سعيد، خصوصاً أخبار الأئمة الذين عاصرهم: أبي القاسم سعيد بن عبدالله الرحيلي وراشد بن الوليد وحفص بن راشد اليحمدي، وأخبار معاصريهم من الفقهاء، وهذه المادة التاريخية جعلت منه مصدراً للمؤرخين اللاحقين كسرحان بن سعيد الإزكوي في “كشف الغُمة” والنور السالمي في “تحفة الأعيان”.
أما لغة الكتاب فهي لغة متخصصة عميقة، وإلى هذا السبب عزا السالمي في “اللمعة المرضية” خُلوَّهُ من الإضافات والزيادات التي هي أسلوب شائع في المصنفات العمانية. ولدوافع التأليف هذه حرص أبو سعيد على فرز المتشابهات والنظائر، وتوضيح الفروق بينها وجواز حملها على بعضها بعضاً أو لا، كما استعمل أسلوب الحوار وتقليب المسألة من شتى وجوهها.