تحمل المدن وهجها وألقها من العابرين بها؛ وفي تاريخ الإمام المؤسس السيد أحمد بن سعيد البوسعيدي خمسة مدن شكلت شخصيته، وصاغت أدواره؛ ليكون أحد أهم الشخصيات في التاريخ العُماني، وتلك المدن هي: أدم ومسقط وصحار والرستاق وبركاء. فأدم كانت مسقط رأس الإمام، حيث وُلد في حي الجامع في عام 1694م. أما مسقط فاحتضنت اللقاء الأول الذي جمعه بالإمام سيف بن سلطان اليعربي في عام 1734م، ومنها ترقى من مرتبة إلى أخرى وعُين في عام 1737م واليا على صحار، التي قاد من قلعتها الشماء المقاومة العُمانية. والرستاق هي عاصمة دولته ومنها ساس الحكم على مدى 39 عاما منذ العام 1744م حتى وفاته في العام 1783م. أما بركاء فهي المدينة "القلب" التي كانت حاضرة في قلب الحدث التاريخي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. من هذا المنطلق، سأقف عند بعض المحطات المهمة من تاريخ هذه المدينة في عهد الإمام المؤسس.
المحطة الأولى: في هذه المحطة أعيان مدينة بركاء يتربعون المشهد، بسعيهم للصلح بين الإمام سيف بن سلطان اليعربي وأحمد بن سعيد والي صحار، ولولا تدخلهم الحكيم لتشظى الموقف بينهما. وتفصيل ذلك أن الواشين أوغروا قلب الإمام سيف على واليه أحمد بأنه يريد استمالة قلوب الناس ليكون الحكم له؛ لذلك أرسل الإمام في طلب أحمد، وعندما علم بالسبب الحقيقي لطلبه امتثل للنصيحة التي أسديت له وعاد إلى صحار. هنا تصعد الموقف بتوجه الإمام سيف إلى صحار. يفصل المؤرخ ابن رزيق في بيان هذا الحدث فيقول: "وعندما علم أكابر الجبور الذين بالحفري والحرادي وحي عاصم من نواحي بركاء بمكث الإمام سيف بن سلطان في سفائنه على بحر صحار، ركبوا سفائنهم إليه، فلما وصلوا قالوا: أيها الإمام، ما مرادك بواليك أحمد بن سعيد؟ فقال لهم: لا شيء، إلا وصوله إلي. فقالوا له: كيف يصل إليك وقد أوحشته بكتبك وسفائنك؟ فما ينبغي منك هذا له، إذ هو قد صار واليك الناصح لك، ولو لم يوحشه أحد عنك لما رجع في اليوم الذي وصل فيه إلى مسقط مذعورا إلى صحار، ولو لم يكن لك ناصحا ومطيعا، لما أتى في قاربه إليك، ولو لم يوحشه أحد من أصحابك ما رجع بقاربه إلى البر". واقترح أعيان بركاء على الإمام سيف أن يتوسطوا للصلح بينهما ويسمعوا من واليه أحمد رده على تلك الوشايات. وبالفعل نجح أعيان بركاء في الصلح بين الإمام وواليه، واتفقوا على أن يبعث أحمد بن سعيد ولده هلال إلى الإمام سيف ليطمئن قلبه، وعندما وصل إلى مركب الإمام أحسن إليه وتأكد من صدق واليه، فرجع بمراكبه إلى مسقط.
المحطة الثانية: في هذه المحطة كانت بركاء حاضرة في بنود عقد الصلح وفك الحصار عن صحار، ومرحلة الحصار الاقتصادي على مسقط. وبيان ذلك أن أحمد بن سعيد عندما كان محاصرا في صحار من قبل الأسطول الفارسي والقوات الفارسية حوالي 9 أشهر، نجح في إرغام الفرس على عقد الصلح وفك الحصار، وتضمنت بنود الصلح انسحاب القوات الفارسية من صحار مقابل أن يدفع لهم أحمد بن سعيد مبلغا ماليا سنويا، على أن تبقى حامية فارسية في مسقط، ويعترف تقي خان بأحمد بن سعيد حاكما على صحار وبركاء. وبعد هذا الانتصار العسكري والسياسي، وظف أحمد بن سعيد العامل الاقتصادي كسلاح استراتيجي في المعركة الأخيرة، وكان ميناء بركاء كلمة السر في ذلك، حيث أمر واليه على بركاء، خلفان بن محمد البوسعيدي أن ينصب قبابين (موازين كبيرة) في ميناء بركاء لوزن الأمتعة التي تجلب من الهند وتباع بالوزن، كما تم إعفاء السفن التجارية المتوقفة في ميناء بركاء من الضرائب الجمركية، مما أغرى السفن بالتوقف فيها بدلا من مسقط، ما أدى إلى تنشيط الحركة التجارية في سوق بركاء، ونتج عنه تدهور أوضاع الحامية الفارسية ونفاذ ذخيرتها، وانتشار السخط بين جنودها لعدم استلامهم رواتبهم، فوجد أحمد بن سعيد الفرصة سانحة أمامه لطرد الفرس من عُمان فتقدم إلى مسقط على رأس قوة عسكرية في عام 1744م وتمكن من طردهم منها.
المحطة الثالثة: احتضنت بركاء الفصل الأخير والمشهد النهائي من طرد الفرس من عُمان، ويمكن أن يكون عنوانه: "الوليمة الأخيرة في بركاء"، فيصف ابن رزيق ذلك المشهد قائلا: "لما رجع العجم من مسقط في صحبة خميس بن سالم البوسعيدي إلى بركاء، وفيها يومئذ أحمد بن سعيد ضربوا خيامهم في القرحة، فما يمر أحد على حلة من الحلل التي في بركاء إلا رأى فيها قدورا تفور بالطعام، ضيافة للعجم من أحمد بن سعيد، ولا يمر أحد بحلاو بسوق بركاء إلا رآه يصنع بأمر أحمد حلوى للعجم، ولا يمر واحد على زارع إلا رآه يجز زرعه بأمر أحمد بن سعيد لخيول العجم". ويكمل ابن رزيق وصف المشهد فيذكر أنه بعد ثلاثة أيام من بقاء العجم في بركاء، خرجت موائد كثيرة لهم ودخل خمسون من كبار القادة إلى الحصن مع أحمد بن سعيد، وبعد ساعة ضرب طبل من الحصن، ونادى منادٍ: "ألا من له في العجم وتر وثأر، فليأخذه من العجم". هنا خرج الصغير والكبير من أهل بركاء ومعهم من كان حاضرا من سائر بلدان عُمان، "فوضعوا فيهم السيف، وفشا فيهم القتل، وما بقي منهم إلا مائتا رجل يصيحون: الأمان الأمان يا أحمد". فرفع عنهم الإمام أحمد السيف، وأمر أهل سفن بركاء أن يعبروا بمن تبقى من العجم إلى بندر عباس، وعندما بلغوا جبل السوادي قاموا بإحراق السفن وسبحوا إلى البر، فهلك العجم كافة بالغرق.
المحطة الرابعة:
بعد أن استتب الأمن والاستقرار في عُمان ومبايعة أحمد بن سعيد بالإمامة لعظيم صنعه في طرد المحتل وإعادة اللحمة الوطنية، أصبحت بركاء محطة رئيسية في طريق زيارة الإمام لمسقط، فيذكر ابن رزيق: "أنه –يقصد الإمام أحمد- إذا أراد أن يمضي من الرستاق إلى مسقط، أمر أن تخدم له حلوى كثيرة، فتوضع في غلافات كثيرة، فتحمل على جمل، فإذا وصل إلى نعُمان بركة أتته صبيان الفقراء والمساكين من حد حي عاصم إلى الحفري"، فيأمر الإمام أحمد بأن يُعطى كل واحد غلافة من الحلوى. ولم تكن بركاء مجرد محطة عبور للإمام أحمد بل كان يقيم فيها يومين لتفقد أحوال الرعية، فيقبل عليه الناس من حد السيب إلى المصنعة.
تلك محطات من تاريخ يسطر بحروف الذهب كتبته بركاء وأهل عُمان قاطبة، وكانوا حصنا منيعا للوطن وسيفا بتارا في يد الإمام المؤسس، الذي صدق فيه قول المؤرخ ابن رزيق: "رتب قواعد السلطنة أحسن ترتيب، وهذبها بأبلغ تهذيب".