تفرض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أثمانا باهظة لا تقف عند خسائرها الأخلاقية والإنسانية، بل تمتد إلى أثر مباشر وخطير على اقتصاد عالمي لم يتعافَ بعد من أزمات متلاحقة هزت استقراره في كثير من الدول. ويمتد هذا الثمن إلى ما هو أبعد من ارتفاع أسعار النفط، إذ يدفع العالم إلى مرحلة أطول من عدم اليقين، قد تستمر حتى بعد توقف الحرب نفسها.
لا تُختزل كلفة الحرب وتداعياتها في حركة أسعار النفط. فما تكشفه الحرب الحالية هو أن الاقتصاد العالمي صار أكثر حساسية لأي اضطراب يصيب الممرات الحيوية، وأكثر عرضة لأن تنتقل الصدمة بسرعة من الطاقة إلى سلاسل الإمداد، ومن الشحن إلى الغذاء، ومن أقساط التأمين إلى معدلات التضخم.
لذلك تكمن خطورة الحرب على إيران في أنها تصيب منطقة هي أحد أهم وأكبر مصادر الطاقة في العالم، إضافة إلى أنها عقدة عبور لا يمكن تعويضها بسهولة أو بسرعة. وعندما تدخل هذه العقدة في دائرة الخطر، فإن الأسواق لا تنظر فقط إلى البراميل التي قد تتأخر، بل إلى مسارات شحن أطول، وتأمين أعلى، وقرارات أشد تحفظا من المستثمرين والمصارف. وهكذا تبدأ الكلفة الحقيقية في التكوّن عبر اهتزاز الثقة التي يقوم عليها انسياب الإمدادات.
لا يملك الاقتصاد العالمي قدرة كبيرة على تحمل صدمة جديدة، فهو من الأساس في مرحلة نمو بطيئة، ومثقل بالديون، ولم تتعافَ اقتصادات كثيرة بعد بما يكفي من آثار الجائحة. وأي صدمة طويلة الأمد من شأنها أن تعيده إلى ظروف شبيهة بتلك التي فرضتها الجائحة. تخشى أوروبا عودة الضغط على الغاز والكهرباء. وآسيا، بحكم اعتمادها الكبير على واردات الخليج، ستجد نفسها أمام فاتورة أعلى للصناعة والنقل. أما الدول النامية، فستكون الأكثر تعرضا للأثر المركب على شكل ارتفاع كلفة الوقود، واتساع كلفة الاستيراد، ثم انتقال ذلك كله إلى أسعار السلع الأساسية. بهذه الطريقة تتحول الحرب الإقليمية إلى عبء عالمي موزع على المجتمعات بدرجات متفاوتة، لكنه لا يترك أحدا خارج حسابه.
غير أن ما بعد الحرب قد يكون أخطر من الحرب نفسها. فالأسواق قد تتعامل مع الهدنة أو وقف إطلاق النار بوصفهما نهاية للأزمة، بينما تكون الأزمة الفعلية قد بدأت للتو؛ لأن الدول والشركات، بعد حرب من هذا النوع، لا تعود إلى ما كانت عليه بسهولة. هي تعيد حساباتها، وتراجع مسارات التوريد، وترفع مستويات المخزون، وتبحث عن بدائل أكثر أمنا وإن كانت أعلى كلفة، وتقبل بإجراءات رقابية واحترازية جديدة في الموانئ والمضائق وشبكات التمويل. هذا كله يعني أن العالم قد يخرج من الحرب بطاقة أغلى، وتجارة أبطأ، ونظام إمداد أقل كفاءة.
من هنا فإن الضرر الاقتصادي للحرب على إيران لا ينبغي أن يُفهم بوصفه موجة عابرة في الأسواق، بل بوصفه إنذارا استراتيجيا؛ فالعالم الذي بنى ازدهاره على انسياب الطاقة، وعلى انخفاض كلفة النقل، وعلى الثقة في أمن الممرات البحرية، يكتشف مرة أخرى أن الجغرافيا السياسية قادرة على إعادة تسعير كل شيء، وحين يحدث ذلك في الخليج، فإن المسألة لا تخص المنطقة وحدها، بل تخص بنية الاقتصاد الدولي برمتها.
يحتاج العالم إلى وقف سريع للحرب، لكنه يحتاج أيضا إلى الحيلولة دون تحولها إلى قاعدة جديدة في إدارة الطاقة والتجارة؛ لأن أخطر ما في الحروب ليس ما تدمره في لحظتها، بل ما تتركه بعدها من خوف دائم، وكلفة دائمة، ونظام عالمي أقل استقرارا.