د. سالم بن سعيد البوسعيدي -

أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين الهُنَائِي الأَزْدي، والهُنائي نسبة إلى هُناءَةُ بن مالك بن فهم الأزدي ملك عمان.
أحد أئمة اللغة والنحو، عاش في مصر، وحياته يكتنفها الغموض؛ إذ لم يعثر الباحثون على تاريخ مولده، ولم تذكر المصادر الشيوخ الذين أخذ عنهم، ولا إلى تلامذته.
ولم تروِ لنا كتب التراجم الكثير عن حياته وسيرته العلمية ...وأقدم من ترجم له ابن النديم في الفهرست، فذكره من علماء النحو واللغة، وعلى هذه الترجمة اعتمد القفطي، وعليها اعتمد ياقوت أيضًا.
لقّب بكراع النمل؛ لقِصَره وقُبح منظره. يقول جمال الدين القفطي: "ويعرف بكراع النمل؛ فإنه كان دميم الخلقة" بينما يقول عبد الباقي اليماني : "إن الهنائي حمل هذا اللقب وذلك لقصره".
***
يُعدّ كراع النمل من أئمة اللغة والنحو، روى فيها عن أبي يوسف الأصبهاني عن أبي عُبَيْد القاسم بن سلَّام، قال عنه الفيروزأبادي في البلغة: "إمام متضلع نحوًا ولغة وعربية وغريبا، وله مصنفات حسنة". قصر نفسه على الدراسات اللغوية وفقه اللغة والمعاجم. واشتهر بشغفه بالغريب، وتفرد بمادة وافرة من اللغة. ولذا نجد اسمه وأسماء مؤلفاته يتردد عشرات المرات في أمهات كتب اللغة، كالمحكم ولسان العرب، فالناظر فيهما وفي غيرهما من المعجمات الخاصة والعامة يجد ألفاظًا أسندت إلى كراع وحده. قال حمد الجاسر: "رغم أن جُـل مؤلفاته مفقودة إلا أن أمهات كتب اللغة تحوي منقولات كثيرة جداً منها". وكثيرًا ما تقف الرواية عند كُرَاع النَّمْل، ويكون هو أعلى مصدر لها تُنسب إليه.
عدد مؤلفاته المذكورة في المصادر تزيد على عشرة كتب، ولكن لم يصل إلينا منها إلا ثلاثة، وهي المنجّد، والمنتخب، والمجرّد. فذكروا من كتبه: المنضَّد وهو معجم في اللغة، مرتب على الحروف. والمصحَّف. والمنظَّم. والأوزان، والمجهد وهو اختصار للمجرد.
توفي سنة 316 هـ وقيل 307 هـ و قيل 310 هـ.
(2)
أما كتبه الباقية فمنها كتاب "المجرد في غريب كلام العرب ولغاتها، هو اختصار لكتابه الأكبر، "المنضّد"، ويتناول فيه الكلمات الغريبة في كلام العرب ولغاتها، ويختصر معناها بشكل مباشر، وقد صُمّم ليكون سهل الاستعمال للباحثين عن الكلمات الغريبة وتفسيراتها، فركّز على ذكر الكلمة وتفسيرها فقط، دون ذكر الشواهد والأمثال والأشعار التي أثبتها في الكتاب الأصلي، وذلك لتسهيل حمله واستخدامه، ورتّب كراع النمل كتابه على حروف الهجاء، فجعله ثمانية وعشرين بابًا، وجعل في كل باب ثمانية وعشرين فصلًا؛ لتسهيل العثور على الكلمات.
ويُعدّ الكتاب أحد المصادر الرئيسة للمعجميين العرب، وقد أقرّ ابن سيده في مقدمة كتابه "المحكم والمحيط الأعظم" بأنه كان مرجعًا أساسيًا له. كما يُعد إسهامًا مهمًا في فقه اللغة العربية، حيث تتبّع كراع النمل فيه الكلمات وأصولها واشتقاقاتها.
***
كتاب كراع النمل الآخر هو المنتخب، أو "المنتخب من غريب كلام العرب"، ويختص الكتاب بجمع الألفاظ الغريبة والنادرة في اللغة العربية، بالإضافة إلى الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والشعر العربي القديم.
وترجع أهمية الكتاب إلى اشتماله على مفردات بمعانٍ مروية عن كُرَاع النَّمْل في كتب اللغة، وهذا يدل على أنه يُعد مصدرًا من مصادر اللغة الأولى.
وهو من المصادر المهمة في فقه اللغة وعلومها، كما أنه من معاجم الموضوعات التي تجمع الألفاظ وفقًا للموضوعات.
واعتمد الهنائي فيه منهجية دقيقة في شرح الألفاظ، مع تتبع أصولها وتنوع اشتقاقاتها، وقد استفاد منه العديد من اللغويين والمعجميين الذين جاؤوا من بعده، مثل ابن سيده في كتابه "المحكم والمحيط الأعظم.
وسنسوق بعض الأمثلة التي أوردها الهنائي في كتابه “المنتخب من غريب كلام العرب” والذي حققه الدكتور محمد العمري. "ويُقَالُ للحُلقُوم: الحُنجُورُ، والقَمقَمُ، ويُقالُ لِوَلَدِ المَاعِزَةِ والضَّائِنَةِ سَاعَةَ تَضعُهُ ذَكَرَاً كَانَ أو أُنثى سَخلَةٌ، والجَميعُ سِخَالٌ، فإذا بَلَغَت أربَعَةَ أشهُرٍ وَفُصِلَت عن أُمَّهاتِها؛ فَمَا كَانَ مِن أولادِ المَعزِ فَهِي :الجِفَارُ؛ واحِدُها جَفرٌ والأنثى جَفرَةٌ، فإذَا رَعَى وقَوِيَ فَهُوَ: عريضٌ، وجَمعُهُ عِرضَانٌ. فإذا أتى عليها حولٌ فالذَّكرُ تيسٌ والأنثى عنزٌ وَشَاهٌ، ثم يُكُونُ جَذَعاً في السَّنةِ الثَّانية والأُنثى جَذَعَةُ".
***
الكتاب الثالث هو "المُنَجَّد"، بفتح النون وتشديد الجيم وفتحها، وهو أقدم كتاب شاملٍ يصِلُنا في موضوع المشتَرَكِ اللفظيّ، يعالج الكلمات التي تحمل أكثر من معنى، سواء كان المعنيان متضادين أوْ لا. عرّفه المؤلف بأنه: "كتابٌ ألفته فيما اجتمعت عليه الخاصة والعامة من الألفاظ التي عمت مرائيها وخصت معانيها، وجعلته ستة أبواب: فالباب الأول منها: في ذكر أعضاءِ البَدَن من الرَّأسِ إلى القَدَم، والباب الثاني: في ذكر صنوف الحيوان: من الناس والسباع والبهائم والهوام، والباب الثالث: في ذكر الطير: الصوائد منها، والبغاث، وغير ذلك. والباب الرابع: في ذكر السلاح وما قاربه، والباب الخامس: في ذكر السماء وما يليها، والباب السادس: في ذكر الأرض وما عليها. وفي هذا الباب ثمانية وعشرون فصلا على عدد حروف الهجاء من الألف إلى الياء. وأثبت في كل باب منها ما قصدت له من الحروف المتشابهة بأجناسها، وما يسنح من الشواهد عليها مما تكون فيه الدلالة، دون الإكثار والإطالة.
تميز كراع النمل بمعجمه "المنجد فيما اتفق لفظه واختلف معناه"، فهو أقدم معجم شامل لمشترك لفظي، والمشترك اللفظي عند كراع النمل، يتمثل في تعدد المعنى للفظ الواحد، وعلى الرغم من صُعوبةِ نظامِ هذا الكتاب، إلا أن روح النظام، تبدو فيه، وبخاصة في قسميه الأوّل والسادس. فعلى الرغم من أنْ القسمَ الأول من الكتاب لم يُرَتَّبْ هجائِيَّا، فأنت تلمحُ فيه نوعًا من الترتيب المتمثّل في البدءِ بأجزاء أعلى البدن، ثم النزول شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى القدمين، أما القسم السادس فمرتب ترتيبًا هجائيًا كما سبق أن ذكرنا. كما أنه من أوائل كتب اللغة التي طَبَّقت نظام الترتيب الهجائي في عرض الكلمات، وبذا فتحت مجالًا أمام أصحابِ المعاجم ليتركوا نظام الخليل الصوتي.
ويبدو لنا جانب مهم من أهمية هذا الكتاب اكون الكثير من مادته اللغوية مأخوذ من مراجع قديمة لم تصل إلينا، كما أنه يحتوي على مجموعة لا بأسَ بها من التَّعبيرات المحليَّة، فيعتبر أحد المصادر التي حافظت على اللغة العربية بشكل عام، ولغة أهل عمان بشكل خاص، ومن بعض المفردات كلمة "دبة"، و"الزريبة"، و"ضاع" بمعنى تلف، و"فشَّ"، و"مزر"، كلمات فصيحة مستخدمة في اللهجات العمانية.
(3)
الحديث عن كراع النمل متشعب، فالخليل بن أحمد هو مبتكر صناعة المعجم، ويأتي كراع النمل في المرحلة الثانية قبل ابن دريد إذا ما عرفنا أنه توفي سنة ثلاثمائة وعشرة للهجرة.
والعمل الذي قدمه كراع النمل وتميز به هو أنه رتب كل كتبه على الحروف الهجائية وجعل لكل حرف بابا في كتبه الثلاثة "المنجد"، و"المجرد"، و"المنتخب"، وهذا تحول كبير في مسألة الصناعة المعجمية التي لم يسبقه إليها أحد.
كما تميز أبو حسن بأمر ثان وهو تخصصه في عريب اللغة، فقد تفرد بمادة وافرة من اللغة. ولذا نجد اسمه وأسماء مؤلفاته يتردد في أمهات كتب اللغة، كالمحكم ولسان العرب. والناظر فيهما وفي غيرهما من المعجمات الخاصة والعامة يجد ألفاظًا أسندت إلى كراع وحده. وكثيرًا ما تقف الرواية عند كُرَاع النَّمْل، ويكون هو أعلى مصدر لها تُنسب إليه.
أمر ثالث تميز به كراع وهو به مذهبه في النحو واللغة، فهو ممن خلط المذهبين البصري والكوفي.