ما أجمل أن يقضي المسلم وقته مع كتاب الله، يستشعر عظمته، ويتلذذ بمعانيه، ويمتع ناظريه بألفاظه الجزلة، وينافس الآخرين في حفظه وتجويده وترتيله.
بعد مشوار طويل مع مسابقات حفظ القرآن الكريم دام لسنوات متتالية وفي محافظات مختلفة، إليكم خلاصة التجربة التي عشتها.
ثمار مختلفة يقطفها الحافظ من رياض المسابقات؛ فعندما يخطط الشخص للدخول في أي مسابقة، يبذل جهدًا كبيرًا لتثبيت حفظه، وإتقان تجويده، وتحسين صوته.
كما أن المسابقات تكسب الفرد تحديًا كبيرًا للمواجهة وضبط النفس وكسر الخوف الذي يعتري البعض من الدخول في المسابقات ومواجهة الجمهور أحيانًا، ويستفيد أيضًا من نظام المسابقات واختيار مقاطع الأسئلة لينقلها بعد ذلك لأي مسابقة يقيمها. أما بالنسبة للدافع النفسي، فالمسابقات القرآنية تعطي الحافظ دافعًا نفسيًا قويًا بعد المسابقة؛ فالذي يقرأ أمام اللجان المختلفة، ويرتل القرآن ترتيلًا جميلاً، ويستحضر الآيات وكأنه يقرأها من المصحف مباشرة، يخرج من المسابقة فرحًا مسرورًا، ولديه ثقة كبيرة بنفسه، ويستطيع أن يؤم المصلين في الصلوات المختلفة.
وإذا سلّطنا الضوء على لجان التحكيم – وما أدراك عن اللجان! – فأنت أمام شخصيات متباينة، وعقول ونظرات مختلفة. علمتنا لجان التحكيم دروسًا عظيمة أدركناها بعد مشاركات كثيرة وسنين طويلة، وهنا أقسمها لفئات مختلفة:
فمنهم أشخاص يقدرون حافظ القرآن الكريم، ويسعدون برؤيته، خاصة إذا كان حفظه قويًا متينًا وضابطًا للمتشابهات، يستقبلونك بابتسامة جميلة، ويهيئونك تدريجيًا قبل الاختبار. والنتيجة أن تقرأ بثقة وهدوء بلا مشتتات أو توتر، ثم يعطونك الملاحظات بعد الانتهاء بشكل كامل بطريقة جميلة وحسنة.
ورأينا أشخاصًا لديهم قراءات قرآنية مختلفة وشهادات علمية عليا، ولكن ينقصهم الأسلوب الحسن والكلمة الطيبة، فانتقادهم لاذع، ونظراتهم إلى القارئ فيها استنقاص، وإشارات أيديهم صارمة، ولا يضعون اعتبارًا للحافظ الذي أمامهم. وربما هدفهم الرئيس البحث عن زلات المتسابق أمام الجمهور وإبراز معرفتهم من تنبيهات وغيرها، والنتيجة كارثية على المتسابق، ومنها أن يكره المسابقات كلها، وتلازمه عقدة نفسية يصعب علاجها، وربما تبعده عن القرآن وتؤثر على استقامته، فيسلك طريقًا وأفكارًا لا تحمد عاقبتها.
وفي الختام، أحب أن أقدم نصيحة لإخوتي الحافظين والمقيمين:
أخي في الله، إن أردت أن تكسب قلوب الناس، وتؤثر إيجابًا عليهم، فكن لطيفًا، بشوش الوجه، رحيمًا بهم، خاصة فئة الصغار، فالله تعالى خاطب رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: "ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك". ولا ينبغي لرجل يحفظ القرآن الكريم وعلومه وقراءاته المختلفة أن تكون أخلاقه منافية لما نزل به القرآن.
كن قرآنًا يمشي على الأرض كما كان نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم.
بعد هذه المسيرة العطرة الطيبة، أحببت أن أسطر لكم هذه الكلمات، لعلها تلامس قلوبًا، وتغير طباعًا.