يوم 9 مارس أعلن دونالد ترامب أن حرب الخليج الثالثة والتي هي الآن في اسبوعها الثاني "اكتملت تقريبا." فمع القضاء على القدرة العسكرية لإيران أكد رئيس الولايات المتحدة أن عملية الغضب الملحمي ستنتهي "قريبا جدا." وإذا دعت الضرورة سترافق أمريكا السفن عبر مضيق هرمز المغلق وتقدِّم تأمينا ضد المخاطر السياسية لأية ناقلة تعمل في الخليج. ووجَّه تهديدا جديدا لإيران مفاده إما أن تكفوا عن أخذ أسواق النفط العالمية رهينة أو ستقصف أمريكا محطات كهربائكم "وأهدافا مهمة" أخرى.
استمدّت تلك الأسواق طمأنينة من هذه الرسائل المتضاربة. فقد تراجع سعر برنت بنسبة 8% يوم 10 مارس الى 91 دولار للبرميل. لكنك إذا تحدثت لأي أحد آخر خلاف تجار النفط ستلمس استمرار التوتر. ليس أقله لأن ترامب لا يمكنه إنهاء العداوات بمفرده حتى إذا كان جادا في القيام بذلك.
لقد حذر رئيس أرامكو من "عواقب كارثية" إذا استمرت الحرب. وعقدت وكالة الطاقة الدولية اجتماعين هذا الأسبوع لمناقشة اتخاذ إجراءات طارئة. ويقول ترامب أنه لديه "خطة" لاحتواء أسعار الطاقة. ماهي الخيارات المتاحة له ولقادة العالم الآخرين؟
يشكل إغلاق هرمز الصدمة الأكثر فجائية للإمدادات العالمية على مدار تاريخ النفط. ففي العام الماضي أبحر عبر هذا الممر المائي حوالي 14 مليون برميل من النفط في اليوم. وهو ما يكافئ 14% من الإنتاج العالمي. هذا بالإضافة الى حوالي 4 مليون برميل من المنتجات النفطية المكررة.
من الممكن تحويل وجهة جزء ضئيل منه عبر خطوط الأنابيب في السعودية والإمارات. لكن ذلك سيترك حوالي 15 مليون برميل من النفط ومنتجاته عالقة في الخليج العربي.
للتقليل من نقص بهذا الحجم يمكن للحكومات محاولة ثلاثة أشياء هي زيادة حركة الناقلات في مضيق هرمز وضخ المخزونات الاستراتيجية من النفط أو تعزيز الصادرات من أماكن أخرى. ورغم فائدة هذه الروافع إلا أن لها حدود. وكلها تنطوي على مخاطر.
زيادة عدد الناقلات العابرة
الحل الأقرب والفوري أن يكون هنالك المزيد من الناقلات التي تعبر المضيق. لقد بدا عدم وجود تغطية لمخاطر الحرب وكأنه يمثل مشكلة كبيرة في الأسبوع الماضي عندما اندفعت شركات تأمين عديدة لإعادة التفاوض حول الوثائق التأمينية القائمة. وفي 6 مارس خصصت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية 20 بليون دولار لتأمين السفن التي تحاول الخروج من الخليج على أن تجدد هذه المخصصات عندما تنفد. وحددت المؤسسة "شركاء تأمين أمريكيين مختارين من بين الأفضل في فئتهم" للعمل مع ملاك السفن.
إحدى المشاكل المتعلقة بهذه الفكرة أن الشركات الأمريكية ربما تفتقر الى الخبرة في مثل هذه الوثائق التأمينية والتي تكتتب معظمَها المؤسساتُ الراسخة في لندن. أيضا لا تغطي التسهيلات المالية المذكورة المسئوليةَ عن التلوث النفطي. وهي مطلوبة للناقلات كي تدخل معظم الموانئ. ويقدر بنك جي بي مورجان تشيس أنه ستكون هنالك حاجة الى 352 بليون دولار لتغطية كل ناقلات النفط العالقة في الخليج. وهذا يفوق الحد الأقصى لتغطية المسئولية القانونية تجاه الغير المسموح به بواسطة مؤسسة تمويل التنمية الدولية بموجب كل برامجها معا. ويضع تجار النفط في حسبانهم عند تسعيره ضعفَ ثقتهم في قيام أمريكا بسداد كل المطالبات التأمينية.
على أية حال، قد يكون التأمين ضد مخاطر الحرب مشكلة أقل مما يتصور ترامب. فالعاملون في هذا الصناعة يقولون إن وثائق التأمين متاحة. لقد ارتفعت الأقساط (أثمان التأمين) الى ما بين 1% الى 2% من قيمة السفن. وهو ما يشكل زيادة تتراوح ما بين ثلاثة الى ستة أضعاف مستويات ما قبل الحرب، حسبما يقول سيمون لوكوود من شركة وساطة التأمين "دبليو تي دبليو". لكن ملاك السفن يمكنهم تحمل التكلفة لأن أسعار النقل من الخليج الى آسيا زادت بأكثر من الضعف. والسفن لا تبحر في الخليج ليس للافتقار الى التأمين ولكن لأنها لا تريد أن تتعرض للهجمات الإيرانية العشوائية.
المرافقة العسكرية للسفن يمكن أن تفيد من حيث المبدأ. ففي الفترة بين يوليو 1987 وسبتمبر 1988 أثناء الحرب بين العراق وإيران رفعت أمريكا علمها على عشرات الناقلات الكويتية ورافقتها عبر مضيق هرمز بمساعدة أكثر من 30 سفينة حربية. وكانت قوافل السفن التي تغادر مرة واحدة أسبوعيا في المتوسط عادة ما تشتمل على عدة سفن حربية وناقلتين أو ثلاثة. لكن عمليا قافلة واحدة مثل هذه في الأسبوع لا تفعل شيئا يذكر لإعادة الحركة البحرية الى معدلها السابق للحرب والذي يزيد عن 50 ناقلة نفط في اليوم.
عند تلك الوتيرة سيستغرق إخراج كل السفن العالقة حاليا في الخليج والتي يبلغ عددها 320 سفينة سنتين ونصف. وحتى استعادة ثلاثة أرباع رحلات السفن عبر المضيق سيحول دون وصول ما يقارب 4 مليون برميل في اليوم من النفط الى الأسواق العالمية. وهذا يزيد كثير عما خشي المحللون من احتمال فقدانه من الإمدادات عندما اندلعت حرب روسيا وأوكرانيا في سبتمبر 2022 والتي شكلت صدمة رفعت سعر برميل النفط الى 128 دولارا.
لتحقيق أثر حقيقي يجب أن يكون أسطول السفن الحربية الذي يرافق الناقلات أكبر كثيرا. لكن السفن الحربية الأمريكية الموجودة في الخليج مشاركة في الحملة العسكرية وتعزيزها يحتاج الى أسابيع. يقول جيف كري المحلل بشركة الاستثمار الخاص " كارلايل" أن تكلفة مرافقة الرحلة الواحدة ستتجاوز قيمة الشحنة التي يفترض أن تحميها. وأية سفينة تحاول حماية الناقلات يمكن أن تكون هي أيضا هدفا. ولن تكون هنالك أية مرافقة محصّنة تماما. فالمسيرات الإيرانية وصلت الى السفارات المحمية جيدا في البر. ويمكن ان تعطل حالة تسرب نفطي كبير واحدة حركة السفن لشهور، بحسب جون طومسون من شركة الأمن البحري "أمبري".
مخزونات الطوارئ النفطية
هنالك طريقة أكثر ضمانا لاحتواء ارتفاع الأسعار وهي أن يلجأ مستوردو النفط الى ضخ المخزونات الاستراتيجية. شرعت البلدان في مناقشة هذا الخيار في محادثات استضافتها وكالة الطاقة الدولية التي تأسست عام 1974 لذلك الغرض بعد المقاطعة النفطية العربية الأولى. يبلغ إجمالي مخزونات الطوارئ النفطية لأعضاء الوكالة حوالي 1.2 بليون برميل. كما يمكن للحكومات أيضا وضع يدها على 600 مليون برميل إضافي من المخزونات النفطية لدى الشركات الصناعية.
كل هذه الكمية كافية لتغطية 140 يوما من إجمالي صافي وارداتها. والجدير بالذكر أن اللجوء الى الضخ الجماعي لمخزونات الطوارئ تكرر خمس مرات منذ إنشاء الوكالة بما في ذلك مرتين خلال عام 2022 لمواجهة الصدمة التي تسببت فيها حرب أوكرانيا.
القول بأن هذه الطريقة هي الأكثر ضمانا لا يعني أنها خالية من الثغرات. فهنالك العديد من الاحتياطيات التي لا يمكن استنزافها الى آخر قطرة. إذ يجب على أمريكا الإبقاء على حد أدنى يتراوح بين 150مليون الى 160 مليون برميل (35% الى 40% من المستويات الحالية) للحفاظ على استقرار التجاويف الجيولوجية التي يودَع فيها النفط.
كما لا يكون الضخ فوريا. ففي أمريكا بعد أن يصدر أمر رئاسي باستخدام المخزونات الاحتياطية يجب منح العقود أولا. ويحتاج تسليم النفط لكي يبدأ الى حوالي أسبوعين. كما يمكن سحب الاحتياطيات تدريجيا بسبب سعة أنابيب النفط وقيود أخرى. ولم تتجاوز سحوبات وكالة الطاقة الدولية إطلاقا 1.3 مليون برميل في اليوم (في أواخر عام 2022.)
إذا سحبت كل بلدان الوكالة مخزوناتها الاستراتيجية عند أعلى معدل يمكن أن تضيف في أفضل الأحوال 3 مليون برميل في اليوم للإمدادات العالمية، وفقا تقديرات مارتين راتس المحلل ببنك مورجان ستانلي. وإذا فعل بلدٌ ما ذلك قد يوحي بأنه يتوقع استمرار الحرب مما يشجع تجار النفط على رفع الأسعار، خصوصا إذا كان ذلك البلد أمريكا.
مصادر الإمداد الأخرى
ماذا بشأن مصادر الإمداد البديلة؟ أسرع طريقة لجلب كميات كبيرة الى السوق هي التخفيف من العقوبات الثانوية على روسيا ثالث أكبر منتج للنفط في العالم. في 5 مارس أصدرت الولايات المتحدة إعفاء لمدة 30 يوما يسمح للهند بشراء حوالي 140 مليون برميل من النفط الروسي في عرض البحر يوجد منه سلفا 20% في المياه الهندية. وهذا يمثل انفراجة للمصافي الهندية التي تستورد نصف إمداداتها النفطية من الخليج.
يقدر سوميت ريتوليا المحلل بشركة البيانات "كيبلر" أن الهند يمكنها زيادة مشترياتها الروسية الى مليوني برميل في اليوم من حوالي مليون برميل في الشهور الأخيرة. وألمح ترامب الى أن الإعفاء من العقوبات سيظل قائما طالما ظل المضيق مغلقا. وقد يتم التوسع فيه بحيث يغطي انتاجا روسيّا جديدا ومشترين آخرين أيضا.
لكن الحل الروسي له أيضا حدوده، خلاف الجانب الأخلاقي المتمثل في دعم نظام بوتين (في نظر الغرب- المترجم). فصناعة الطاقة العليلة في روسيا لا يمكنها رفع الإنتاج بسهولة لعجزها عن الحصول على قطع الغيار والخبرة بسبب العقوبات. لذلك أي مشتر محتمل سينافس على عدد محدود من البراميل. وقبل أن يمر وقت طويل ربما لن يعود "نفط أورال" الروسي المخفَّض رخيصا.
أمريكا هي مصدر الإمدادات البديل والأقل إشكالا. فمنتجو النفط الصخري هناك لديهم المرونة الكافية لرفع الإنتاج في فترة قصيرة. لكن المشكلة هي أن شركات النفط الصخري هذه الأيام تركز على توزيع الأرباح على حملة الأسهم بدلا عن حفر الآبار. ومع اقتراب الإنتاج الأمريكي من مستويات قياسية في ارتفاعها لن تستثمر هذا الشركات في آبار جديدة الى أن تطمئن الى استمرار ارتفاع الأسعار. وحتى في هذه الحال يمكن أن تضيف 300 ألف برميل في اليوم فقط خلال فترة تتراوح بين ستة شهور الى سنة، حسب تقديرات خورخي ليون المحلل بشركة "ريستاد انيرجي" الاستشارية.
150 دولار للبرميل
إذا لم تقف الحرب فأن أفضل سيناريو (يشمل إفراجا واقعيا عن الاحتياطيات النفطية والمزيد من نفط روسيا وارتفاعا بعض الشيء في انتاج النفط الصخري الأمريكي) سيقدم ما يزيد قليلا عن 4 مليون برميل في اليوم فقط. وهذا أقل من ثلث النقص في امدادات مضيق هرمز. كما سيحتاج الى أسابيع لكي يتحقق.
في الأثناء لن يجد المزيد من المنتجين في الخليج مساحة كافية لتخزين شحنات النفط العالقة. فالعراق والكويت أغلقا آبارهما. وذكرت الأخبار أن الإمارات والسعودية تقلصان انتاجهما. وخلال ثلاثة أسابيع يمكن أن يصل إجمالي خفض الإنتاج الى 10 مليون برميل في اليوم. وحتى بعد إعادة فتح مضيق هرمز ستستغرق استعادة الطاقة الإنتاجية القصوى لحقول النفط المتوقفة ما بين أسبوعين الى ثلاثة أسابيع، كما يقول مهندس سابق في مشروع كويتي. من جانبها، تحذر شركة وود مكنزي من احتمال أن يصل نفط برنت الى 150 دولار للبرميل إذا استمر تعطيل تدفق النفط.
مع ظهور هذا الاحتمال تتجه الحكومات الى آخر رافعة لديها وهي الحمائية. فالصين أمرت مصافيها بتجميد صادراتها من وقود الديزل والبنزين وقاد ذلك الى ارتفاع أسعارهما بشدة في سنغافورة، مركز تجارة النفط في آسيا. وقد تعقبها الهند. كما يمكن أن تفعل أمريكا نفس الشيء. وهذا سيعني عنتا شديدا لبلدان في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
العالم يراقب المضيق الأكثر أهمية وهو يحبس أنفاسه.