الآية الكريمة: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) تكررت في عدة سور من القرآن الكريم، ومنها في سورة البقرة وسورة آل عمران والمائدة وهكذا. فمن هم المحسنون؟ وكيف يمكن الوصول إلى درجة الإحسان؟
الإحسان عرَّفه حديث جبريل الشهير الذي أتى فيه إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فسأله: ما الإحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وهذا يعني بلوغ ذروة الإخلاص لله تبارك وتعالى في العبادات التي يتقرب بها هذا العبد إلى ربه جل وعلا، وإتقان هذه الأعمال قدر ما يستطيع. فإتقانه ذلك مع صدق قصده وإخلاصه لله تبارك وتعالى هو الذي يبلغ به درجة الإحسان، وهذا يتأتى حينما يستحضر المكلف أن الله تبارك وتعالى مطلع عليه لا تخفى عليه منه خافية، وأنه جل وعلا هو المقصود بما يتقرب به هذا العبد إليه، فهو غايته ومنتهاه، يسعى إلى نيل رضاه في كل دقيقة وجليلة من شؤونه ويتجنب سخطه في كل أمر من الأمور، ويأتي بما كلف به على خير ما يستطيع من وجوه.
فهو لا يقتصر على الحد الأدنى في صلاته وفي صيامه وفي زكاته وحجه وفي نوافله وقرباته وأذكاره وتلاوته لكتاب الله عز وجل وحسن معاملته للآخرين وأدائه للحقوق، لا يقف في هذه جميعًا عند حدها الأدنى بل إنه يجود ويتقنها ويتحرى فيها غاية ما يستطيع من كمال بشري. هذا هو الإحسان.
ولهذا استأهل هؤلاء المحسنون هذه المنزلة الرفيعة، وهي محبة الله تبارك وتعالى لهم وأن يكونوا في ولايته وكنفه وعينه ورعايته جل وعلا، فهي منزلة عالية رفيعة يبلغها هؤلاء الذين يتحلون بهذه الأوصاف.
والله تبارك وتعالى لم يكلف العباد شططًا، فحينما ننظر في كتاب الله عز وجل في الآية التي يشير إليها السائل نجد السياق القرآني يتحدث عن خصال هي في مقدور هذا الإنسان، فالله تعالى يقول: «وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ»، وصفهم هنا بأنهم متقون وأن هؤلاء هم الذين يحوزون هذا الفضل: جنة عرضها السماوات والأرض. ثم بين أفعالهم وخصالهم فقال: «الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».
فكان أولئك المتقون الذين يتحلون بهذه الخصال هم المحسنون الذين يبلغون نعيم الله عز وجل في جنة عرضها السماوات والأرض، ثم يستطرد السياق القرآني في بيان باقي صفاتهم فيقول: « وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ».
إذًا هذه صفات تعني أنه يمكن أن يصدر منهم شيء من الخطأ أو الخلل ولكنهم سرعان ما يؤوبون إلى ربهم تبارك وتعالى معترفين بخطئهم نادمين تائبين مستغفرين. فهذه الخصال هي في مقدور المكلفين، ومع ما تقدم بيانه من حسن التوجه إلى الله تبارك وتعالى والقصد إليه والرغبة فيما عنده فإن أمر الإحسان ميسور مقدور عليه بإذن الله عز وجل، وأن يستحضر المكلف وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإن ذلك يذلل له الصعاب ويبلغه هذه الغاية والله تعالى الموفق.
الحمد لله، نجد في القرآن الكريم وصفًا لموسى عليه السلام وقد عاش في بيت طاغية وفي المجتمع المصري الذي كان يقتل الأبناء ويستحيي النساء، وصفه الله تعالى بأنه من المحسنين: « وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» وكذلك وصف يوسف عليه السلام.
ما دلالات هذا الوصف لشخصيات تعيش في مجتمعات تختلف معها ثقافيًا؟
هذه هي الدلالة التي تؤخذ: أن التعلل بالظروف المحيطة وفساد من حول هذا المكلف ليست بذريعة مقبولة تحول بين المرء وبين بلوغه درجة الإحسان، فبلوغ هذه الدرجة متاح ميسور مهما كانت الظروف من حول هذا المكلف.
فإن كان في بيئة يغلب عليها الفساد فإنه في هذه الحالة سيستمسك أكثر بحبل الله المتين ويسير على الصراط المستقيم، ويسعى جاهدًا لرضا ربه تبارك وتعالى والاجتناب سخطه والإصلاح ما حوله، ولا يكلف فوق ذلك.
فما يفعله كثير من الناس بزعم أن الأحوال والظروف من حولهم لا تسعفهم في أمر الاستقامة وحسن التدين وبلوغ درجة الإحسان إنما هي أعذار واهية ليست بصحيحة، وفي أمثلة هؤلاء الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام قدوات للمؤمنين أن يتأسوا بها وأن يعرفوا أن أمثال هذه الظروف قد مر بها أنبياء الله تعالى ورسله الكرام والصلحاء والأتقياء في تاريخ المؤمنين، مروا بأشد منها، وما منعهم ذلك من حسن تدينهم لله عز وجل واحتمال ما لهم الأذى وسيرهم في طريق العبودية الخالصة والإحسان في عبادتهم لله تبارك وتعالى.
ما عليهم إلا أن ينظروا في هذه السير وأن يأخذوا منها العبر والعظات وأن يستلهموا منها القدوات الحسنة عسى أن يبلغوا درجة الإحسان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
هل نستطيع أن نقول إن الإحسان أو درجة الإحسان ليس تعبيرًا عن مصفوفة من التشريع أو من القيم الأخلاقية، إنما هي حالة عقائدية يعيشها الإنسان مع الله مثلًا؟
هي لا يقتصر أمرها على الجانب العقدي فقط. نعم هو مبعثها لا شك الجانب العقدي حينما يستذكر المكلف أن الله تبارك وتعالى يراه ويسمعه، وأنه معه وأنه مطلع على كل خفاياه على ظاهره وباطنه وعلى سريرته وعلى نيته في ليله ونهاره في سره وجهره، فإن ذلك يبعثه حينئذ إلى أن يجود عمله وإلى أن يكون حريصًا على أن يتقرب إلى الله تبارك وتعالى بما يحبه مولاه وربه جل وعلا.
فتمتزج في نفسه مشاعر التعظيم لله عز وجل والحب له جل وعلا والهيبة والإجلال والتنزيه والرغبة فيما عنده، فلا يستثقل حينئذ العبادة ولا يستثقل ما أمره الله تبارك وتعالى به، بل يجد في ذلك لذته، يجد في مناجاته لربه تبارك وتعالى وفي عبوديته له حلاوة تملأ نفسه.
فإذا مبعث الإحسان لا شك العقيدة الصحيحة، ولكن ترجمة ذلك إنما يظهر على سلوكه من أقوال وأفعال في عبوديته لله تبارك وتعالى، في أدائه لحقوق الله تعالى ولحقوق العباد، في حسن خلقه وفي احتماله للأذى وكظمه للغيظ كما دلت على ذلك الأوصاف المذكورة في كتاب الله عز وجل.
هل هناك حرج إن تعمد الإمام الجهر بألفاظ التسبيح أو التشهد، وكذلك المأموم أن يتعمد الجهر قليلًا لكي يسمع من بجنبه، لكنه قد يشوش؟ هل من حرج في تعمد الجهر الخفيف لتكبيرات الانتقال والتسبيح للمأموم؟ وبماذا تنصحونه إن كان هناك حرج؟
إن وجد سبب معتبر كتعليم جاهل أو تنبيه متعلم صبي على سبيل المثال، فيسوغ أن يرفع صوته في إسراره، بالإسرار لا أن يجهر، وإنما أن يكون إسراره بصوت أعلى من المعتاد.
يقول الفقهاء: أن يسمع أذنيه، إسماعه لأذنيه، يعني بطبيعة الحال قد يسمع الذين إلى جانبه عن يمينه وعن يساره، هذا القدر يكون كافيًا بإذن الله تبارك وتعالى إن وجدت علة معتبرة شرعًا كتنبيه جاهل أو صبي أو متعلم، لا على سبيل الاعتياد، لأنه يمكن أن يفضي إلى تشويش لباقي المصلين.
وهو أيضًا الأصل في هذه الصلوات حينما تكون سرية أن يؤتى بها سرية، ويقصد بسرية أن يحرك لسانه وشفتيه قدر ما يخرج الحروف فيسمع نفسه، والله تعالى أعلم.