في الوقت الذي تهيمن فيه عناوين الحرب بين إيران وإسرائيل على شاشات الأخبار العالمية، تتراجع غزة مرة أخرى إلى هامش الاهتمام الدولي. غير أن القطاع الصغير المحاصر، الذي يسكنه أكثر من 2.3 مليون إنسان، لا يزال يعيش واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، حيث يتقاطع الدمار الواسع والنزوح الجماعي مع فراغ إداري وسياسي غير مسبوق.


فبعد أكثر من عامين من الحرب المدمرة، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من 81% من المباني في قطاع غزة تعرضت للدمار أو الأضرار، فيما تضررت نحو 92% من الوحدات السكنية بدرجات مختلفة، ما ترك مئات الآلاف من العائلات بلا مأوى. وبينما تتكدس العائلات في خيام مؤقتة أو بين أنقاض المنازل المهدمة، يواجه السكان أزمة معيشية خانقة تتداخل فيها المجاعة، ونقص المياه النظيفة، وانهيار النظام الصحي، وغياب أي أفق سياسي واضح.


وفي الوقت الذي ينتظر فيه الغزيون وصول لجنة إدارة غزة التي أُعلن عنها لتولي تسيير الشؤون المدنية في مرحلة ما بعد الحرب، لا تزال هذه اللجنة عاجزة عن دخول القطاع حتى اللحظة بعد إغلاق معبر رفح البري امام المسافرين والعائدين.
ويقول مراقبون إن رفض الاحتلال الإسرائيلي السماح بدخول اللجنة، إلى جانب التعقيدات السياسية الإقليمية، جعل غزة تعيش حالة فراغ إداري غير مسبوقة، بينما تتراجع القضية تدريجيًا عن مركز الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمات أخرى في المنطقة.


كما أدى إغلاق معبر رفح البري لفترات طويلة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، خاصة بالنسبة للجرحى والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج خارج القطاع. وتقول مصادر طبية إن آلاف الحالات المرضية الخطيرة لا تزال تنتظر فرصة للخروج للعلاج، بينما يموت بعضهم قبل أن يصل دوره.


شهادات من قلب النزوح
في خيمة صغيرة قرب دير البلح، تجلس أم سالم خله (45 عامًا) تحاول إشعال نار صغيرة لطهي بعض العدس لأطفالها. تقول بصوت مكسور: "كنا نعيش حياة بسيطة لكنها كريمة. كان لدينا بيت صغير وحديقة الآن نحن ثمانية أشخاص في خيمة واحدة.


أطفالي يسألونني كل يوم: متى سنعود إلى بيتنا؟ ولا أملك جوابًا.” وتضيف وهي تشير إلى خيمة مهترئة:"المطر يغرقنا في الشتاء، والحر يحرقنا في الصيف. حتى الماء النظيف أصبح حلمًا، النفايات تتراكم والقوارض والحشرات أصبح من الصعب السيطرة عليها ” في مخيم آخر قرب خان يونس، يجلس أبو تحسين (52 عامًا)، وهو عامل بناء فقد عمله ومنزله في القصف. يقول: "كنت أعمل كل يوم لأطعم عائلتي. اليوم لا يوجد عمل ولا مال نعيش على المساعدات القليلة التي تصل أحيانًا تمر أيام لا نجد فيها ما يكفي من الطعام.”


ويضيف بحزن: "كنا نعتقد أن الحرب ستنتهي ويبدأ الإعمار، لكن لا شيء يحدث، حتى اللجنة الإدارة التي تم تشكيلها لإدارة القطاع لم تصل، العيون اصبحت تتابع الحرب الاسرائيلية الأيرانيه، اما غره فالكل تخلى عنها ”
أما بيسان خالد (27 عامًا)، وهي أم لطفلين، تعيش قلقًا يوميًا على صحة طفلها الصغير الذي يعاني من مرض في القلب. تقول: "الأطباء قالوا إنه يحتاج عملية خارج غزة. لكن معبر رفح مغلق، وكل يوم أخاف أن أفقده. أشعر أننا محاصرون داخل المرض والحرب معًا.” وفي خيمة قرب النصيرات، يتحدث ابوخلدون حميده (34 عامًا)، وهو معلم مدرسة نزح مع عائلته بعد تدمير منزله: "كانت لدي أحلام بسيطة: تعليم أولادي وبناء مستقبل أفضل. الآن المدارس مدمرة، والكتب ضاعت، والأطفال يعيشون في صدمة مستمرة. الحرب سرقت طفولة جيل كامل.”


ويضيف: "نحن لا نحتاج فقط إلى طعام أو خيام، نحتاج إلى أمل.” أما أم أحمد سرور (60 عامًا)، وهي نازحة من شمال غزة، فتقول وهي تمسك صورة منزلها المدمر: "هذا البيت بنيته مع زوجي طوال ثلاثين عامًا. في دقيقة واحدة أصبح ركامًا. لم نعد نملك شيئًا سوى الذكريات.” وتتابع بصوت متهدج:" سمعنا عن تشكيل اللجنة الادارية لغزة، كنا نتابع الامر بشكل متواصل، ننتظر تغيير على أرض الواقع لكننا لا نرى شيئًا على الأرض.
الناس هنا تشعر أنها تُركت وحدها.”


أرقام الكارثة الإنسانية في غزة
تعكس الأرقام الصادرة عن المؤسسات الدولية ووزارة الصحة في غزة حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع بعد أكثر من عامين من الحرب.
حيث صدر بيان عن مكتب الإعلام الحكومي في غزه يوضح ان عدد الشهداء قد تجاوز عدد الشهداء 72 ألف فلسطيني منذ اندلاع الحرب، معظمهم من النساء والأطفال.
فيما وصل عدد المصابين أكثر من 171 ألف جريح أصيبوا خلال العمليات العسكرية، يحتاج عشرات الآلاف منهم إلى عمليات جراحية معقدة وإعادة تأهيل طويلة الأمد.


الأطفال الضحايا تشير تقديرات منظمات أممية إلى أن أكثر من 50 ألف طفل قتلوا أو أصيبوا خلال الحرب.
اما فيما يتعلق بالنازحون فهناك نحو 90% من سكان القطاع اضطروا للنزوح مرة واحدة على الأقل، أي ما يقارب 1.9 مليون شخص يعيش معظمهم في خيام أو مراكز إيواء مؤقتة.
وحسب الاحصائيات يحتاج أكثر من 1.5 مليون شخص إلى مأوى طارئ بعد تدمير أو تضرر معظم المنازل، ما أدى إلى انتشار آلاف المخيمات العشوائية في وسط وجنوب القطاع.


أزمة الجوع والمجاعة إلى جانب القصف والدمار، يواجه سكان غزة أزمة غذاء غير مسبوقة حيث يعيش أكثر من نصف مليون شخص في ظروف كارثية من الجوع وفق تصنيف الأمن الغذائي الدولي.
نحو 641 ألف شخص يواجهون المرحلة الأخطر من انعدام الأمن الغذائي كما سُجلت مئات الوفيات بسبب سوء التغذية والمجاعة، بينهم عدد كبير من الأطفال.
ولا تقتصر الكارثة على الخسائر البشرية، إذ تشير التقديرات إلى تدمير أو تضرر أكثر من 80% من المباني في القطاع، وخروج معظم البنية التحتية الحيوية عن الخدمة، بما في ذلك المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء.


مدن مدمرة وخيام لا تحمي من شيء
تبدو غزة اليوم كمدينة خارجة من حرب طويلة بلا نهاية واضحة. فالأحياء التي كانت تعج بالحياة تحولت إلى مساحات من الركام والخوف والمكعبات الصفراء، والطرق الرئيسية باتت بالكاد صالحة للحركة، بينما يعيش أكثر من 1.7 مليون فلسطيني في حالة نزوح داخلي.
في المخيمات المؤقتة الممتدة في وسط وجنوب القطاع، تحولت الخيام إلى منازل دائمة رغم أنها لم تُصمم للبقاء الطويل، ومع دخول الشتاء أو اشتداد حرارة الصيف، تصبح هذه الخيام مصدر معاناة يومية للعائلات التي فقدت كل شيء تقريبًا.


انهيار اقتصادي شامل لم تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي، بل امتدت إلى الاقتصاد المحلي الذي انهار بالكامل تقريبًا. فقد توقفت معظم المصانع وورش العمل، وأغلقت آلاف المحال التجارية، بينما ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية.


فراغ إداري وصمت سياسي
مع استمرار الدمار والنزوح، يتزايد القلق داخل القطاع من استمرار الفراغ الإداري والسياسي. فحتى الآن لم تتمكن لجنة إدارة غزة التي أُعلن عنها من الوصول إلى القطاع لتولي مهامها، وسط تقارير تشير إلى رفض إسرائيل السماح بدخولها.


ويرى محللون أن هذا الوضع يهدد بإطالة أمد الفوضى الإدارية والاقتصادية، في وقت تحتاج فيه غزة بشكل عاجل إلى إدارة مدنية فعالة لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.
وفي المقابل، تبدو الجهود الدولية لإحياء عملية السلام شبه متوقفة، بينما يتركز اهتمام العواصم العالمية على أزمات إقليمية أخرى.


يرى المحلل السياسي الفلسطيني سفيان صيام أن الفراغ الإداري الذي يعيشه قطاع غزة اليوم لا يقل خطورة عن الدمار الإنساني الواسع، إذ يفاقم حالة الفوضى ويؤخر أي مسار حقيقي للتعافي وإعادة الإعمار. ويشير إلى أن غياب إدارة مدنية فاعلة داخل القطاع، إلى جانب التعقيدات السياسية الإقليمية والدولية، جعل غزة عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة بلا أفق واضح. ويضيف أن استمرار إغلاق المعابر وتأخر الترتيبات السياسية بعد الحرب يعمق الأزمة، موضحًا أن أي خطة لإعادة الاستقرار في القطاع ستظل محدودة التأثير ما لم تترافق مع توافق سياسي يضمن إدارة موحدة للخدمات الأساسية وإطلاق عملية إعادة إعمار حقيقية بدعم دولي.


مستقبل غامض
في ظل هذه الظروف، يقف قطاع غزة اليوم عند مفترق طرق بالغ الخطورة. فبينما يواجه السكان كارثة إنسانية مستمرة، لا يزال الحل السياسي بعيد المنال، وتبقى جهود إعادة الإعمار معلقة بانتظار ترتيبات سياسية وأمنية لم تتضح بعد.
وبالنسبة لملايين الغزيين الذين يعيشون بين الأنقاض والخيام، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا لم يعد متى ستنتهي الحرب فقط، بل متى سيعود العالم للنظر إلى غزة مرة أخرى.