- الإنشاد قادر على الجمع بين الجمال الفني والالتزام القيمي
-الإنشاد جعل علاقتي بالروحانية أكثر عمقا وحضورا في حياتي اليومية
-النشيد الوطني والروحي يخاطب القيم الثابتة في الإنسان
-التجربة الفنية الحقيقية تقوم على الصدق والخصوصية بعيدا عن التكرار
تتعدد الأصوات في المشهد الإنشادي العماني.


ونلاحظ بعض التجارب التي تحرص على أن تقدم الإنشاد كمساحة للتعبير الإنساني والروحي، ومن بين هذه الأصوات "المنشد العماني سليمان العمري" الذي ينظر إلى الإنشاد باعتباره رسالة فنية تحمل قيما ومعاني تتجاوز حدود الطرب إلى التأثير في الوجدان.


في هذا الحوار يتحدث العمري عن تجربته مع الإنشاد، وكيف تحول الصوت من موهبة شخصية إلى مسؤولية أمام الجمهور، كما يتطرق إلى علاقته بالكلمة ورؤيته للتوازن بين الجمالية الفنية والرسالة القيمية، فضلا عن عند حضور الإنشاد في شهر رمضان، ودوره في تعزيز الروحانية والانتماء الوطني.


-من خلال تجربتك كيف تعرف الإنشاد اليوم؟
بالنسبة لي، الإنشاد ليس مجرد أداء صوتي أو لون فني أقدمه للجمهور، بل هو متنفس أجد فيه مساحة واسعة للتعبير عن مشاعري وأفكاري وتجربتي الحياتية. من خلاله، أستطيع أن أقول ما لا يمكن للكلمات العادية أن تعبر عنه، لأن الكلمة حين تقترن باللحن تصبح أقوى وقدرة على الوصول إلى القلوب.
أرى في الإنشاد رسالة قبل أن يكون فنًا خالصًا؛ فهو يحمل في جوهره قيماً إنسانية وأخلاقية، ومعاني عميقة تؤثر في النفوس. لذلك أتعامل معه كوسيلة للتعبير عن القضايا التي تلامس الإنسان والمجتمع، سواء كانت روحية، إنسانية، أو وجدانية. ومن هذا المنطلق، أعتبر الإنشاد قضية بحد ذاته، ومحاولة لصناعة رسالة فنية تصل إلى الناس في قالب جمالي يلامس قلوبهم قبل أن يصل إلى آذانهم.


-متى شعرت لأول مرة أن صوتك مسؤولية أكثر من موهبة؟
في البداية، كنت أتعامل مع الصوت على أنه موهبة منحني الله إياها، أحاول تطويرها والاستمتاع بها فحسب. لكن شعور المسؤولية الحقيقية تبلور عندما بدأ صوتي يصل إلى الناس وينتشر بين الجمهور، وعندما صرت أسمع الأناشيد التي أقدمها تتردد على ألسنة المستمعين.


في تلك اللحظة، أدركت أن الصوت لم يعد مجرد موهبة شخصية تخصني وحدي، بل أصبح أمانة ومسؤولية على عاتقي. فكل صوت يصل إلى الناس يترك أثرًا فيهم بطريقة أو بأخرى، ولذلك صار من الضروري أن أكون أكثر وعيًا بما أقدمه من كلمات وألحان؛ فالجمهور يتفاعل مع ما يسمعه ويثق بما يُقدَّم له، وهذه الثقة تفرض على المنشد الحرص التام في اختياراته وفي الرسائل التي يحملها فنه.


-كيف تختار النص الذي يستحق أن يتحول إلى نشيد؟
بالنسبة لي، اختيار النص هو الخطوة الأهم في العمل الإنشادي؛ لأن الكلمة تشكل روح النشيد وأساسه الحقيقي. فالنص القوي والصادق قادر على حمل اللحن ومنحه حياة، بينما النص الضعيف يجعل حتى أجمل الألحان عاجزة عن صنع عمل مؤثر.
لذلك، أحرص دائمًا على أن يكون النص مواكبًا لأحداث العصر وقضايا الناس وتغيراتهم. أبحث عن الكلمات التي تحمل قيمة ومعنى، عن الحروف الثمينة التي تلمس وجدان المستمع وتخاطب ذائقته الفنية. وأرى أن النص الجيد هو الذي يجمع بين العمق والبساطة في الوقت نفسه، بحيث يصل بسهولة إلى الناس، وفي الوقت ذاته يحمل رسالة إنسانية أو فكرية تترك أثرًا حقيقيًا في نفوسهم.


-هناك من يضع الإنشاد في إطار ديني بحت وهناك من يراه فنا إنسانيا واسعا.. أين تقف أنت؟
بالنسبة لي، ديني هو الأساس الذي تتشكل منه مبادئي وقيمي في الحياة، وهو أيضًا المرجعية التي أنطلق منها في رؤيتي للفن بشكل عام. ومع ذلك، لا أرى أن البعد الديني يتعارض مع البعد الإنساني للفن، بل أراهما متكاملين ومتداخلين.
لذلك، أؤمن بفكرة الوسطية في الإنشاد؛ فالفن لا ينبغي أن يكون معقدًا أو مغلقًا إلى درجة تبعده عن الناس، وفي المقابل، لا يجوز أن يكون منسلخًا عن القيم حتى يفقد رسالته ومعناه. أعتقد أن الإنشاد قادر على جمع الجمال الفني مع الالتزام القيمي في الوقت نفسه، وأن يقدم فنًا إنسانيًا واسعًا يستمد جذوره من القيم ولكنه يخاطب الإنسان أينما كان.


-كيف تحافظ على التوازن بين الجمالية الفنية والرسالة القيمية؟
الحفاظ على هذا التوازن يتطلب وعيًا كاملًا بجميع عناصر العمل الإنشادي. بالنسبة لي، يتحقق التوازن عندما تتوافر ثلاثة عناصر أساسية: نص قوي يحمل معنى واضحًا ورسالة صادقة، ولحن جميل يصل بسهولة إلى الأذن ويجذب المستمع، وأداء صادق يعبر عن روح الكلمات.
كما أحرص على ألا تطغى المؤثرات الموسيقية أو التقنيات الحديثة على الفكرة الأساسية للنشيد، فالجمالية الفنية مهمة لجذب المستمع، لكنها لا ينبغي أن تبتلع الرسالة. الجمال قد يجذب الأذن في البداية، لكن المعنى هو الذي يبقى في القلب ويمنح العمل قيمته الحقيقية.


-هل ترى أن الإنشاد اليوم يواجه تحديا في ظل انتشار أنماط موسيقية سريعة الإيقاع موجهة للترفيه؟
التحديات موجودة في كل مجال فني، وأراها ليست بالضرورة سلبية، بل قد تشكل دافعًا للتجديد والتطور. صحيح أن الأنماط الموسيقية السريعة والموجهة للترفيه منتشرة اليوم، لكنني لا أرى أن الإنشاد يدخل في منافسة مباشرة معها.
لكل لون فني طبيعته وجمهوره الخاص؛ فالإيقاعات السريعة تمنح المستمع لحظات من المتعة العابرة أو التسلية، بينما يسعى الإنشاد غالبًا إلى لمس جوانب أعمق في الإنسان، الروحية والوجدانية. لذلك، أرى أن دور الإنشاد يكمن في الحفاظ على رسالته الأصيلة مع تطوير أدواته باستمرار، حتى يظل قادرًا على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم بشكل حقيقي.


-ما الذي يميز النشيد الوطني أو الروحي عن الأغنية الوطنية أو العاطفية؟
أعتقد أن النشيد الوطني أو الروحي يختلف بطبيعته عن كثير من الأغاني الأخرى؛ لأنه يخاطب في الإنسان جانب المبدأ والقيمة. فالنشيد الوطني، على سبيل المثال، يسعى إلى إيقاظ مشاعر الانتماء والفخر بالوطن، بينما يهدف النشيد الروحي إلى تحفيز المعاني الإيمانية والسمو الروحي داخل النفس.
أما الأغاني العاطفية، أو حتى بعض الأغاني الوطنية، فقد تخاطب أحيانًا مشاعر مؤقتة أو حالات وجدانية عابرة. لهذا، أرى أن النشيد يرتبط غالبًا بـالمعاني الثابتة التي تبقى في وجدان الإنسان لفترة طويلة؛ لأنه يعتمد على القيمة والرسالة الجوهرية أكثر من اعتماده على اللحظة العاطفية العابرة.


-في شهر رمضان تتغير إيقاعات الحياة. هل يتغير إيقاعك الفني أيضا؟
بالتأكيد، شهر رمضان يحمل أجواءً تختلف تمامًا عن بقية أشهر السنة. فالإحساس العام في هذا الشهر يكون أكثر روحانية وهدوءًا، وهذا ينعكس بشكل طبيعي على تعاملي مع الفن والإنشاد.
في رمضان، أشعر أن الإنشاد يقترب أكثر من المناجاة؛ حيث تصبح الكلمة قريبة من الدعاء، واللحن أقرب إلى التأمل والسكينة. لذلك، أحرص على أن تكون الأعمال التي أقدمها خلال هذا الشهر منسجمة مع الأجواء الروحية التي يعيشها الناس، لتعكس شعورهم الداخلي وتعمق تجربتهم الروحية.


-هل تعتبر أن الإنشاد في رمضان أقرب إلى عبادة أم إلى مسؤولية فنية مضاعفة؟
أراه مزيجًا من الأمرين معًا. فمن جهة، أشعر أن الإنشاد في رمضان يمكن أن يكون نوعًا من العبادة بلسان فني، إذ تكون الروح في هذا الشهر في حالة صفاء أكبر، ويميل الناس إلى كل ما يحمل معنى روحيًا.
ومن جهة أخرى، تتضاعف المسؤولية الفنية، إذ يتوقع الجمهور في رمضان أعمالًا تنسجم مع الأجواء الإيمانية وتعبر عنها بصدق. لذلك، أحرص على أن أكون أكثر حرصًا في اختيار الكلمات والألحان التي أقدمها خلال هذا الشهر، لتصل الرسالة الروحية إلى الناس بعمق وإخلاص.


-كيف أثر الإنشاد على علاقتك الشخصية بالروحانية؟
الإنشاد جعل علاقتي بالروحانية أكثر عمقًا وحضورًا في حياتي اليومية. فبدلاً من أن تكون الروحانية مجرد واجب أو طقس يؤديه الإنسان، أصبحت تجربة حية أشعر بها من خلال الكلمة واللحن.
عندما أنشد كلمات تحمل معاني إيمانية أو إنسانية، أشعر بأن هذه القيم تتحول إلى حالة من الأنس والسكينة في داخلي. كما أن التعبير عنها فنيًا يمنحها بعدًا أعمق، إذ يمتلك الفن القدرة على تحويل الفكرة أو القيمة إلى إحساس حي يعيشه الإنسان ويشعر به بصدق.


-هل تعتقد أن للإنشاد دورا في تعزيز الانتماء الوطني؟
نعم، أعتقد أن للإنشاد دورًا مهمًا في هذا الجانب، إذ يمكن أن يكون أحد أشكال القوة الناعمة التي تسهم في غرس حب الوطن في نفوس الناس، لا سيما لدى الأجيال الجديدة.
فعندما تتحول القيم الوطنية إلى كلمات جميلة وأنغام مؤثرة، تصبح أكثر قربًا من الناس، ويحتفظ بها الصغير قبل الكبير. ومع مرور الوقت، تترسخ هذه المعاني في الوجدان بشكل طبيعي وعميق، إذ يمتلك الفن قدرة فريدة على التأثير في المشاعر وغرس القيم بأسلوب يلامس القلب قبل العقل.


-ما الذي يميز المنشد العماني عن غيره عربيا؟
أعتقد أن المنشد العماني يتميز بطابع خاص يجمع بين الرزانة والهدوء في الأداء، وهو طابع يعكس طبيعة المجتمع العماني وثقافته. كما يظهر حرص واضح لدى كثير من المنشدين في عمان على الحفاظ على الموروث الشعبي والاستفادة منه في أعمالهم الإنشادية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك محاولة متقنة لدمج هذا الموروث بالأساليب الفنية الحديثة دون الإخلال بأصالته، مما يمنح الإنشاد العماني نكهة فريدة ويجعله قريبًا من بيئته الثقافية وهويته الوطنية، ويؤكد على استمرارية التراث وإحيائه بطريقة عصرية وجاذبة للأجيال الجديدة.


-ما النصيحة التي تقدمها للشباب الذين يتجهون إلى الإنشاد اليوم؟
أنصح كل شاب يتجه إلى مجال الإنشاد ألا يكتفي بتقليد الآخرين، بل أن يسعى لإيجاد بصمته الخاصة وصوته المميز. فالتجربة الفنية الحقيقية تقوم على الصدق والخصوصية والإبداع الشخصي، وليس على التكرار أو محاكاة ما يقدمه الآخرون.


كما أرى أن الثقافة والقراءة تعدان من الركائز الأساسية للمنشد، فالكلمة التي ينشدها تحتاج إلى وعي وفهم عميق. وكلما كان المنشد مثقفًا وواسع الاطلاع، انعكس ذلك على اختياراته الفنية وطريقة توظيفه لصوته وعرب حنجرته في التعبير عن المعاني التي يحملها النشيد. فالمنشد الواعي هو الذي يستطيع تحويل النص إلى تجربة حسية وروحية تصل إلى المستمع، وتترك أثرًا دائمًا في وجدانه.