في خطوة تعكس اهتمام سلطنة عمان بالصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من الصحة العامة، أطلق مستشفى المسرة مؤخرا مبادرة "رقم الدعم النفسي"، وهي خدمة مجانية عبر الهاتف تتيح للأفراد التواصل مباشرة مع مختصين في المجال النفسي بمختلف تخصصاتهم، وجاءت هذه المبادرة استجابة لحاجة المجتمع إلى قناة آمنة وسريعة لطلب المساعدة، تهدف إلى كسر حاجز التردد والوصمة المجتمعية المرتبطة بالصحة النفسية، وتقديم الإرشادات والتوجيهات، وكذلك الإسعافات الأولية النفسية التي تخفف من الضغوط وتوجه الحالات نحو المسار الصحيح.
وأشارت مليحة بنت سعيد الصقري، مشرفة التثقيف الصحي وفريق الدعم النفسي بمستشفى المسرة إلى أن مبادرة الدعم النفسي تعد خطوة ناجحة نحو الارتقاء بالصحة النفسية للمجتمع وبناء ثقافة تعتبر "الصحة النفسية ضرورة قبل أن تكون رفاهية"، فمن خلال هذه المبادرة يقترب العاملون في المبادرة من كل فرد يبحث عن أجوبة، وكل متردد في طلب المساعدة، وكل خائف من وصمة العار، وتدعم المبادرة مقدمي الرعاية والمرضى على حد سواء.
وأكدت مشرفة التثقيف الصحي وفريق الدعم النفسي بمستشفى المسرة أن خدمة رقم الدعم النفسي متاحة في أيام العمل الرسمية وخلال ساعات الدوام فقط في الوقت الحالي، وتستهدف جميع أفراد المجتمع من مختلف الأعمار والفئات، وليست مقتصرة على مرضى محددين. فأي شخص يواجه ضغوطًا يومية أو مشكلات نفسية مثل القلق، والاكتئاب، واضطرابات النوم، أو حتى ضغوط العمل والدراسة، أو ممن واجهوا مواقف صادمة أو مفاجئة في حياته، يمكنه أن يجد في هذا الرقم نافذة للدعم والمساندة والتوجيه.
كما تشمل الخدمة تقديم إرشاد للأسر التي تتعامل مع المرضى النفسيين، بما يعزز قدرتهم على المواجهة والتكيف.
مشيرةً إلى أن الأشخاص الراغبين في الحصول على استشارة يمكنهم التواصل مع مقدمي الخدمة على الرقم (24873152) عبر برنامج "واتساب" فقط، وإذا استدعى الأمر يتم تحديد موعد للاتصال الهاتفي، ويتولى فريق الدعم النفسي الرد على الرسائل والمكالمات، وفي حال استدعى الأمر يتم تحويل الحالة إلى المختصين كلٌّ حسب اختصاصه وفق الأنظمة المتبعة، وإذا تبين أن الحالة تحتاج إلى تدخل عاجل، يتم تحويلها مباشرة إلى قسم الطوارئ بمستشفى المسرة مع التنسيق المسبق مع المسؤولين، أو توجيه الحالة إلى أقرب مؤسسة صحية تقدم خدمات الصحة النفسية من مكان سكن الفرد، بينما تُجدول بعض الحالات لمراجعة حضورية في العيادات.
موضحةً أن ما يميز مبادرة رقم الدعم النفسي هو مبدأ السرية والخصوصية، حيث يعد هذا المبدأ ركيزة أساسية؛ ليطمئن الفرد إلى أن بياناته لن تشارك إلا في الحالات الطارئة، وأكدت أن فريق الدعم النفسي لا يطلب من الفرد مشاركة أي من بياناته الشخصية إلا في الحالات التي تستدعي تقديم خدمات متقدمة، ويعتمد المستشفى بروتوكولات صارمة لضمان جودة الاستشارات.
وبينت مليحة الصقري أنه منذ انطلاق المبادرة في أكتوبر 2024، شهدت إقبالًا متزايدًا من المجتمع، خاصة في فترات الأزمات والضغوط الاجتماعية، وتشير الأرقام إلى نمو عدد المستفيدين من الخدمة ليصل حتى نهاية فبراير 2026 إلى (372) مستفيدًا، وهو مؤشر يدل على وعي المجتمع المتنامي بأهمية الصحة النفسية، ومع مرور الوقت، تبدو النتائج الإيجابية واضحة، وتتلخص في تقليل حالات التردد في طلب المساعدة خاصة بين فئة المراهقين والشباب، وتقديم دعم سريع يمنع تفاقم المشكلات، ويمكن الفرد من اكتساب مهارات تساعده على التعامل مع الضغوطات والمشاعر السلبية، وتعزيز ثقافة الاهتمام بالصحة النفسية.
وأوضحت أن فريق الدعم النفسي يواجه بعض التحديات في سبيل تقديم هذه الخدمة؛ ومن أبرزها نقص الكوادر مقارنة بحجم الطلب، والحاجة إلى تطوير البنية التقنية والفنية للخدمة بما يسهل عملية تحويل الحالات للمختصين حسب الحاجة، إضافة إلى محدودية ساعات توفر الخدمة التي تقتصر على ساعات العمل الرسمية فقط، فضلًا عن مواجهة الوصمة الاجتماعية التي ما زالت تلازم الصحة النفسية عند البعض، ومع ذلك، يواصل مستشفى المسرة، بدعم وتوجيه مدير المستشفى الدكتور بدر بن علي الحبسي، العمل على خطط مستقبلية لتوسيع الخدمة، لتشمل استشارات نفسية، وزيادة عدد أعضاء الفريق من المختصين، وتمديد فترة تقديم الخدمات.
أما فيما يتعلق بالفرق بين رقم الدعم النفسي والعلاج التقليدي في العيادات، أوضحت مليحة الصقري أن الأول يركز على الإرشاد والتوجيه وتقديم الإسعاف النفسي الأولي والرد على الأسئلة المتعلقة ببعض الحالات والاستفسارات، بينما الثاني يشمل تقديم خدمات تشخيصية دقيقة وجلسات علاجية وصرف أدوية دورية وإجراء فحوصات طبية، ومع ذلك، فإن المبادرة تمثل جسرًا مهمًا بين الفرد والخدمات العلاجية بالمستشفى، وتفتح الباب أمام طلب المساعدة دون خوف أو تردد.