الحرب الشعواء التي بدأها الكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست نتيجة مباشرة لتصدع المفاوضات على الترسانة النووية الإيرانية التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية وبقيادة الوسيط النزيه سلطنة عُمان، بل هي إفلاس أخلاقي لخطة استراتيجية كان يحلم بها رئيس وزراء الكيان الصهيوني منذ عقود من الزمن. ولكن في كل مرة لم يحالفه الحظ في الحصول على الدعم العسكري الكامل الذي يحتاج إليه كما هو عليه الحال أثناء رئاسة دونالد ترامب.

في هذا المقال لسنا نؤيد السياسة الإيرانية في المنطقة ولكن نسترجع الأحداث للوقوف على تداعياتها الأخلاقية والسياسية.

إن كان الكيان الصهيوني متفوقا عسكريا وتقنيا على إيران فإن قرار اتخاذ الحرب له حساباته التي تختلف عن العتاد والأسلحة، فهو يكمن في القوة الإيمانية للإيرانيين الذين وقفوا مع دولتهم في أوقات المحن والشدائد.

إيران دولة صلبة وليست لقمة سائغة ولا يمكن مقارنتها بفنزويلا التي سقط حاكمها خلال ليلة واحدة.

فمع السنوات الطوال من الحصار الاقتصادي الخانق لموارد إيران المالية والمصرفية والبترولية إلا أنها ظلت ثابتة تُبهر دول الجوار بحجم ترسانتها العسكرية وأيضا أبهرت العالم في قوة الاعتماد على النفس في اتخاذ القرارات المصيرية وإن اجتمعت الدول الغربية على عزلتها اقتصاديا.

ورغم استمرار وتيرة الاغتيالات التي طالت علماءها في شتى المجالات العلمية وقادتها العسكريين فإن ذلك لم يزعزعها عن المضي في تطوير الأسلحة العسكرية والصاروخية للدفاع عن نفسها وقت الأزمات.

إن شن الحرب على إيران من قبل الولايات المتحدة التي تعد نفسها قوة عظمى كان قرارا خاطئا استراتيجيا واقتصاديا، حيث لم تلبث إلا أيامًا معدودات حتى استنجدت بالدول الغربية لمساعدتها في حربها على إيران.

تلك الدول أغلبها رفض المشاركة والانسياق للغطرسة الأمريكية والبعض الآخر ومنها المملكة المتحدة وافق على استخدام قواعدها العسكرية بحجة حماية البريطانيين، ودولة ثالثة وهي إسبانيا لم تستجب للمطالب الأمريكية، حيث عللت بأن أكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي تسببت في غزو العراق تتشكل مرة ثانية في إيران.

رفض مشاركة أغلب الدول في الحرب -حتى الآن- على إيران سببه أن قرار الحرب كان جائرًا؛ لأن الفرصة كانت سانحة بشهادة الدول الغربية نحو إنجاز صفقة التفاوض على أسلحة إيران النووية ومنها مستوى تخصيب اليورانيوم. وبالتالي، إعلان الحرب أعطى رسالة لتلك الدول بأن الهدف لم يكن الترسانة النووية وإنما أبعاد عسكرية واقتصادية أكثر من ذلك.

فطالما هذه الحرب جاءت بمعايير غير أخلاقية كان ينبغي على دول العالم أن تقف مع الحق -وإن كان يختلف معها في العقيدة الدينية والسياسية- لأن إيران لم تعلن الحرب ولا تريدها وتمت مباغتتها جهارًا نهارًا وهي في مرحلة التفاوض.

وبالتالي، يكون من الأحرى للدول التي تقود مجلس الأمن الوقوف مع المظلوم ومع الشعوب المعتدى عليها -على الأقل بمعارضتها الحرب والتي بدأت باستهداف مدرسة للأطفال في إيران- ولكن يتضح بأن تلك الدول أيضا أصابها إفلاس أخلاقي وسياسي.

الجانب الأخلاقي كان غائبًا في التحالفات الاستراتيجية؛ فهذه الهند أعطت موقع السفينة الحربية الإيرانية للكيان الصهيوني وهي تبحر في المحيط الهندي، ليتم قصفها، وفي المقابل فإن ما قامت به إيران من استهداف للقواعد الأمريكية في بعض دول الخليج يعتبر تدخلًا سافرًا في السيادة الخليجية، وكان ينبغي لها التفكر مليًّا في تداعياته على الأمن الإقليمي.

قد تكون أغلب الدول العربية أخطأت في خططها العسكرية بالميل كل الميل والاعتماد على الولايات المتحدة كحليف استراتيجي في حال حدوث نزاعات أو حروب في المنطقة كما هو مشاهد في الحرب على إيران. ولكن تبيّن أن أهداف القواعد الأمريكية في دول المنطقة هي خدمة مصالح واشنطن وأيضا الكيان الصهيوني؛ فعلى الرغم من المنظومة الدفاعية بتلك القواعد فإنه لم يتم تفعيلها.

وتبيان ذلك بأن الولايات المتحدة غير مهتمة بالاستقرار في المنطقة، وإنما سياساتها هي إشعال نار الفتنة بين دول الجوار وإيران. وبالتالي، من المنظور الأمني الهدف هو استمرار دول الخليج في الاعتماد على الترسانة العسكرية الأمريكية وليس على نفسها في بناء منظومة دفاعية خليجية تكون صدا منيعا أثناء الأزمات والحروب.

كما يأتي الإفلاس الأخلاقي في السياق الإعلامي؛ فمن يتابع ما يقوله وينشره الرئيس الأمريكي فهو يعطي رسائل بلغة (Redirection attention) التي تعمل على تضليل الرأي الأمريكي بأن الحرب على إيران لها تكييفها القانوني لأنها كانت تخطط لاغتياله، وتارة أخرى لأنها توشك على شن هجوم على دول الشرق الأوسط، وثالثة لمنعها من صنع قنبلة نووية.

وبالتالي، تلك اللغة أوجدت شكوكًا وأوهامًا في عقول الأمريكيين وحتى المشرعون منهم بالكونجرس والذين بدورهم أعطوا الضوء الأخضر باستمرار هذه الحرب غير القانونية.

كما أن الإفلاس السياسي لقرار الحرب على إيران ليس التخوف من أسلحتها النووية أو الباليستية التي قد تستخدم ضد الكيان الصهيوني ودول الجوار، وإنما أبعد من ذلك وهو السيطرة على الثروات النفطية حسب ما ذكره السناتور الأمريكي ليندسي جراهام؛ حيث كان صريحًا بأن أبعاد الحرب هو الاستيلاء على جزيرة «خرج أو خارج» الإيرانية النفطية، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد استحوذت على احتياطات فنزويلا وإيران التي قد تصل احتياطاتهما معا إلى (25 %) تقريبا من الاحتياطي العالمي من النفط، والنتيجة المباشرة هو إضعاف موارد إيران المالية بتقييد صادراتها النفطية وأيضا تغطية فاتورة هذه الحرب.

الإفلاس الأخلاقي بلغ ذروته باغتيال المرشد علي خامنئي الذي ظل صامدًا وهو يعلم يقينا بأنهم يخططون لاغتياله. على أثر ذلك الاغتيال علّق الرئيس الروسي بأنه انتهاك صارخ لجميع القيم الأخلاقية الإنسانية والقانون الدولي.

مسلسل الاغتيالات هو جبن يمارسه الكيان الصهيوني منذ عقود طويلة تحت مرأى ومسمع أعضاء مجلس الأمن الدولي والذين يعيشون هم أيضا إفلاسا أخلاقيا في عدم القيام بدورهم في المحافظة على السلم والاستقرار للدول الأعضاء بالأمم المتحدة.

نختم بالقول إن الولايات المتحدة وبعد الحرب العالمية الثانية دأبت في تأجيج الصراعات الإقليمية والحروب في دول العالم والقيام بالاغتيالات -آخرها ما حدث في إيران- وتنصيب من تراه ينتمي لسياساتها ويخدم مصالحها القومية.

ولعل التاريخ يسجل عليها بأن الحروب التي أشعلتها أو مولتها في فيتنام وأفغانستان والعراق وفلسطين وسوريا -البعض منها لحماية الكيان الصهيوني- خرجت منها دون تحقيق مكاسب حقيقية؛ لأنها دولة مفلسة أخلاقيا وسياسيا وهذا ما تبين من تحليل التداعيات الإنسانية والاقتصادية للحرب على إيران.