أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل، كانت ولادته في العقد الثالث من القرن الثالث الهجريِّ، فنشأ في بيت علم وفضل، فهو ابن والده محمد بن محبوب نسبا وأخلاقا ومعرفة، فتلقّى العلم منذ صغره ومن مشايخه: عزان بن الصقر (أبو معاوية)، والصلت بن خميس (أبو المؤثر)، إلى جانب والده العلامة محمد بن محبوب.


كان واسع المعرفة، مضطلعا على فنون العلم والتشريع، عارفا بأحكام المقاصد والمآلات الشرعية، وعرف بورعه الشديد وصدحه بالحق، في حكمةٍ وترو وأناة. فحق له أن يخلف والده في منصب رئاسة العلماء، فكان إلى جانب أخيه عبد الله وأبي علي الأزهر، وأبي الحواري مفزع أهل عُمان في عهدهم لعلمهم وسيرتهم الحسنة.

لكنه لم يستمر لفترة طويلة، إذ جاءت حادثة عزل الإمام الصلت فآثر الانسحاب إلى مكة المكرمة والوقوف، مكتفيا بسيرته حول هذا الحدث، موضحا رأيه فيما قام به موسى بن موسى دون أن يصرّح بالبراءة منه، بل وصفهم بالبغاة واكتفى. ليدرك بعد ذلك الأحداث التي حصلت في عهد إمامة الإمام عزَّان بن تميم، إلا أنه توقف في الأحداث التي جرت في ذلك العصر. وآثر في آخر حياته البقاء في مكة حتى تُوفِّيَ بها في العقد التاسع من القرن الثالث. وتتراوح وفاته بين ۲۸۰ و٢٩٠هـ /۸۹۳ - ۹۰۳م).


(2)
ترك كنزا مهما من كنوز المعارف، إلا أن الكثير من ذلك وللأسف لم يصل إلينا، فمما تناقله العلماء من آثاره العلمية: (كتاب البستان)، وهو سفر مهم في باب الأصول، اجتمعت كلمة العلماء على أنه مفقود. ومنها كتاب (الخزانة) في حدود سبعين جزءا، وهو يضاهي بيان الشرع في الكم والكيف.
ولم يصلنا من كتبه إلا رسائل أو سير متفرقة، ورغم ذلك فهي من الأهمية بمكان، نظرا لتميزها في الموضوع والأسلوب.


ففي عام 2011 خرج في ألمانيا كتاب جمع ثلاث سير أو رسائل لبشير بن محمد بن محبوب، ويقع في ثمانين صفحة تقريبا، والرسالة الأولى تتسم بالبعد العقدي الممزوج بالفلسفة، وفيه بيان لأصول المذهب الإباضي، معتمدا الحجاج العقلي والنقلي، وجاءت الرسالة بعنوان : (الرضف) (أو الرصف) وتناول موضوعات مهمة: التوحيد، وأحكام القرآن، والأسماء والأحكام، والسُّنَّة، والإمامة، وأسماء الدار وأحكامها، وحدوث العالم.

وتضم هذه الرسالة سبعة أبواب: الأول في «القول في الحدوث». يقول المؤلف: "إن الناظر في الأشياء يجدها تنقسم إلى قسمين: موجود ومعدوم، ... والموجودات على ضربين: جوهر، وعرض". وهكذا يمضي في إثبات التوحيد، مستخدما هذا الدليل الذي اشتهر عند كثير من الفرق الكلامية للتدليل على حدوث الأجسام، للوصول إلى حدوث العالم، ثم استخدام هذا الدليل كمقدمة للتدليل على وجود الله. والباب الثاني: «في التوحيد».

فبعد أن يثبت حدوث العالم يعود إلى تفسير الموجودات، فيقسّمها إلى نوعين قديم ومحدث. ويُعرّف المحدث "أنه ما كان بعد إذ لم يكن، أي أنه الموجود بعد العدم. وهذا يطلق على كل موجودات العالم، فهي موجودة بعد أن كانت عدم". أما القديم فهو الله تعالى. ثم يعرض لموضوع الصفات الإلهية والأسماء. فيقسم الصفات إلى قسمين: صفات ذات وصفات أفعال. ويتحدث عن علم التوحيد، فيشير إلى أن وسائل العلم ضربان: حس، وقياس. فأما علم الحس فالأدوات الحسية لا تصلح لمعرفة التوحيد؛ ولذا وجب استخدام العلم بالقياس. فالقياس الصحيح هو ما شهد المحسوس بصحته، وجاز العقل به والتعبد به، فالمحسوس هو الشاهد الدليل على توحيد الله وحكمته، والقياس هو الاستدلال على ذلك به. ويشير المؤلف إلى أن العقل حجة الله على خلقه، إلا أنه لم يحاسب الإنسان إلا بعد أن يصل إليه هذا الدين الحق عن طريق «السمع».


والباب الثالث: «في أحكام القرآن». فيرى أن الله أنزل على عبده محمد كتابًا ناسخًا لما قبله من كتب، ولم يتنازع الناس في بيان تنزيله ومحكم تفصيله، ولكن تنازع الناس في تأويله وتصريف آياته، وأيها فيه مجاز وتشبيه. والقرآن الكريم يضم أوامر وزواجر، وإخبارا، ودلالة على أسماء الله وصفاته، ونواسخ ومنسوخات، وأسماء وأحكاما، وخاصا وعاما. فأما الأخبار فثابتة بهيئاتها، والنسخ لها غير جائز؛ لأن الله تعالى لا يخبر إلا وهو عالم بما أخبر عنه. وأما المحكم فهو ما اجتمع أهل العلم على تأويله، لأنه واضح جلي. وأما المتشابه فهو ما اختلف في معانيه. والناسخ كان في بعض الأحكام التي تدرج فيها الأمر، فلم يرد الله أن يأمر الناس ببعض الأفعال دفعة واحدة، حيث إن نفوسهم لم يتأكد فيها الإيمان بعد، فأخذهم بالتدريج في بعض الأحكام، حتى استقر بهـا الإيمان وقوي، فتغيرت هذه الأحكام ونسخت.


والباب الرابع: «في الأسماء والأحكام». إذ يرى المؤلف أن أصول التشريع والأحكام من ثلاثة مصادر الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وبهذه الثلاثة تثبت الأسماء، وتجري الأحكام. فيقسّم «السُّنَّة» الواردة عن رسول الله إلى ضربين فريضة، وفضيلة. فالفرض لازم فعله، ويخرج من الإيمان تاركه، والنفل لا يأثم تاركه ولا يلزمه فعله، فما فرض فعله فهو مأمور به وواجب النهي عن تركه بعد قيام الحجة، وعلى تاركه الإعادة.


والباب السادس: «في وجوب الإمامة». فقد ذكر الله سبحانه في محكم آياته: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ والمقصود بأولي الأمر هم الحكام، فإن الله قد فرض الطاعة من الرعية للحكام وعليهم العدل فيهم، وأمر برد ما فيه التشاجر إلى كتاب الله وسنة رسوله.
أما الباب السابع والأخير فهو: «باب القول في أسماء الدار وأحكامها». الأسماء التي تُطلق على دار الإيمان، أو دار الحرب، وقد يقصد بها أرض الإسلام، أو أرض المشركين، وغيرها من أسماء. وتسمى الدار باسم ساكنيها ونحلهم وأفعالهم.


(3)
الرسالة الثانية له بعنوان: «المحاربة»، وموضوع هذا الكتاب فريد في بابه، وموضوعه عن الحرب في الإسلام وكيف يتم الانتقال من مرحلة إلى أخرى، مبينا دور الحسبة أو ما يسمى بالأمر والنهي عن المنكر. ويشتمل كتاب "المحاربة" مقدمة، وثلاثة أبواب. فيذكر في المقدمة بإيجاز معارك النبي، فذكرا أخبار النبي في مكة ودعوته إلى توحيد الله، ثم هجرته إلى المدينة، ثم فرض عليهم الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وضوابط ذلك الجهاد، حتى وصلت دعوته إلى أقطار الأرض، حتى الأمر بقتال المشركين كافة بعد التعدي منهم على المؤمنين وبعد انتهاء العهد بينهم، واستثنى الرسول أهل الكتاب إذا دفعوا الجزية وحقنوا دماءهم وأموالهم بها، ويحدد الأصناف التي تقتل وتشن عليها الحروب، والجهاد فريضة على المسلمين، ولكن ليس بفرض على امرأة ولا عبد ولا على من لم يبلغ الحلم، ولا من لا مال له.


عنوان الباب الأول: «في التأويل من السُّنَّة»، وفي ذكر الكثير من ضوابط الحرب الواردة في السنة، فيذكر أن رسول الله من سُنَّته أن لا حرب إلا بعد دعوة»، و«نهى عن الغلول»، و«المثلة» و«عن قتل الشيخ الفاني والنساء والصبيان». وسنّ رسول الله أن يجير المسلمون أدناهم، وإذا وقع بينهم عهد وصلح فعلى المسلمين الوفاء به. وأحل الله من أهل الكتاب أكل ذبائحهم ونكاح المحصنات من نسائهم، وحرّم المجوس. ومنع استرقاق أهل الأوثان من العرب، حيث «لا رق على عربي»، أما المرتدون من أهل الإسلام فقد أجمع المسلمون على أنهم من ارتد إلى الشرك بعد الإيمان. وجرت السُّنَّة ألا يقتلوا إلا بعد الاستتابة لهم. ولا حرب إلا بعد حجـة يدعى بها المحاربون إلى ترك ما يحارب عليه. واختلف في المرتد في دار الإسلام ما لم ينصب حربًا عليهم، فقال بعضهم: قتله الحدود، يقوم به الأئمة العدل.


والباب الثاني هو: «باب القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وهذا الأمر على ضربين المنكر واجب إنكاره، والأمر بالمعروف فرض فيما فرض الله فعله. ودليل هذا الأمر موجود في القرآن والسنة، وفي إجماع الأمة، بالإضافة إلى حجة العقل. ومما ورد فيه: من سيرة أبي حمزة في صفة المسلمين، "فإن دين الله أبلج مشهور، ومعرفة أعلامه سهلة واضحة طرقه، ليس فيها اعتلال على أحد من الناس، ... و لا محاباة بالحقوق، ولا يأخذون أحدا في شبهة ولا ميلولة إلى هوى، ولا يجبون صدقة ولا صدقة حتى يكونوا حكاما ويمنعون من جبوا من الظلم والعدوان، ...ولا يسألون الناس أموالهم وهم الحكام عليهم، ... يقيمون الحدود ويضعون الأمور مواضعها، سهلة دعوتهم رفيقة سياستهم"، ومنها: "ليسوا بأهل خصومات ولا رشوات ولا طلب العتاب ولا أخذ بشبهات، ولا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، بل يحبون ما استتر عنهم من دون العباد ....ولا يلقون الناس بوجوه كّدِرة وألسنة كاذبة، وقلوب حاسدة، ولا نيات مختلفة، ولا يطعن بعضهم على بعض، ولا يقذف بعضهم بعضا بالمنكرات من الفتن، من غير يقين بلا بينة، ومنها: ولا تقطع رحما ولا تنقض عهدا...».


(4)
والرسالة الثالثة من هذا الكتاب في الحدث الواقع بعُمان، إذ كان لأبي المنذر موقف من الفتنة التي ظهرت أواخر أيام الإمام الصلت بن مالك، كما الأحداث بعد ذلك في عهد الإمام عزان بن تميم، فكان يبرأ من موسى ابن موسى وراشد بن النظر، ويقف عن الأحداث التي جرت في عهد الإمام عزان بن تميم. وقيل: إنه رجع عن البراءة إلى الوقوف.
ونحن نرى أن الرسالة الأولى عقدية فلسفية، والثانية حربية عسكرية والثالثة تاريخية دينية.