استطلاع - مريم البلوشي
في مشهد رياضي غير تقليدي يتشكل بهدوء وثبات، تواصل لاعبات هوكي الجليد في سلطنة عمان رسم ملامح تجربة نسائية مختلفة في واحدة من أسرع وأقوى الألعاب الجماعية في العالم، لعبة تقوم على السرعة، والمهارة، والاحتكاك، والجاهزية الذهنية العالية، ورغم أن هذه الرياضة ما تزال حديثة نسبيًا على الساحة المحلية، مقارنةً بالرياضات الأخرى، فإن حضورها يتعزز عامًا بعد آخر بفضل إصرار اللاعبات، وروح الفريق التي تجمعهن، والطموح الذي يتجاوز حدود الإمكانات الحالية.
وتحت مظلة اللجنة العمانية لرياضات التزلج، يتشكل فريق نسائي يسعى إلى تثبيت مكانته على المستويين المحلي والإقليمي، مع تطلع واضح إلى خوض منافسات دولية ورفع علم سلطنة عمان في المحافل الخارجية، فبين تحديات البنية الأساسية، ومحدودية ساعات التدريب، والحاجة إلى دعم أوسع، تبرز قصة فريق لا يكتفي بالمشاركة، بل يطمح إلى المنافسة وتحقيق الإنجاز، وفي هذا الاستطلاع، تفتح اللاعبات صفحات تجربتهن للحديث عن البدايات، والصعوبات، والمشاركات الخارجية، وحجم الدعم، إلى جانب رؤية فنية تسلط الضوء على واقع اللعبة وخطط تطويرها.
استمرار رغم التحديات
استرجعت اللاعبة زينة الجابري بداياتها مع هوكي الجليد بكثير من الصراحة، مؤكدة أن الطريق لم يكن سهلًا في مراحله الأولى، إذ واجهت رفضًا أسريًا بسبب طبيعة اللعبة القوية، وما تتطلبه من سرعة ومهارات عالية في التوازن والتحكم، وتوضح أن هذا الرفض لم يكن اعتراضًا على مبدأ الرياضة، بل هو خوف من رياضة غير مألوفة للفتيات في المجتمع.
وأشارت إلى أن التزامها المستمر بالحضور، وحرصها على إثبات الجدية والانضباط، ساهما في تغيير النظرة تدريجيًا، حتى أصبح الدعم الأسري عنصرًا أساسيًا في مسيرتها، وتؤكد أن تجاوز تلك المرحلة منحها قوة نفسية كبيرة، وعزز ثقتها في قدرتها على الاستمرار رغم التحديات.
وعن مستوى التدريب، ترى زينة أن الحصص الحالية ذات مستوى عالٍ، حيث يتم التركيز في كل تدريب على اكتساب مهارات جديدة، سواء في سرعة التزلج، وفهم التمركز داخل الملعب، إضافة إلى تطوير الانسجام بين اللاعبات، لكنها تشدد على أن عدد الحصص الأسبوعية لا يزال محدودًا، وأن زيادة الجرعة التدريبية ستسهم بشكل مباشر في تحسين اللياقة البدنية وتعزيز الجاهزية للمنافسات الخارجية.
وحول المشاركات الخارجية، أوضحت أن أول بطولة لها كانت في الكويت عام 2020 عندما لعبت مع فريق البحرين، وهي تجربة وصفتها بالمهمة؛ لأنها مثلت أول احتكاك حقيقي لها خارج سلطنة عمان، بعد ذلك، شارك الفريق في بطولة الاتحاد الإماراتي لمدة ثلاث سنوات متتالية، وكان أبرز إنجاز في عام 2025 بتحقيق المركز الثاني، وهو إنجاز تعتبره نقطة تحول معنوية وفنية للفريق، كما كانت آخر مشاركة في البحرين عام 2026، ما أتاح لهن فرصة قياس مستواهن أمام فرق ذات خبرة أطول.
وأشادت بالدعم الذي تقدمه اللجنة العُمانية لرياضات التزلج من خلال توفير المدربين والحصص الأسبوعية والسعي لتطوير الفريق، مؤكدة أن هذا الدعم يشكل ركيزة مهمة للاستمرارية، لكنها ترى أن الاهتمام باللعبة لا يزال دون المستوى المطلوب، نظرًا لقلة معرفة المجتمع بهذه الرياضة، مما يستدعي تعزيز دور الإعلام في التعريف باللعبة.
وختمت حديثها بطموح واضح يتمثل في الوصول إلى مستوى متقدم لتكون من أفضل اللاعبات، مؤكدة أن إنشاء صالة مخصصة لهوكي الجليد في سلطنة عمان سيحدث نقلة نوعية كبيرة في مستوى الفريق.
مسؤولية مضاعفة
بدأت اللاعبة فاطمة الحجري حديثها بالإشارة إلى أن علاقتها بالرياضة انطلقت من حبها للتزلج، حيث كانت لاعبة في صفوف الفريق قبل أن تكتشف أن مركز حارس المرمى يناسب قدراتها بشكل أكبر، وتوضح أن الانتقال إلى هذا المركز لم يكن قرارًا عابرًا، بل جاء بعد قناعة بأن شخصيتها تميل إلى تحمل المسؤولية المباشرة عن حماية المرمى.
وأكدت أن التحدي الأكبر كان في التأقلم مع طبيعة الدور الجديد، فحارس المرمى يحتاج إلى تركيز عالٍ وسرعة بديهة وقدرة على قراءة تحركات الخصم، إضافة إلى تحمل الضغط النفسي أثناء المباريات، ووصفت المرحلة الأولى بأنها كانت مليئة بالتعلم، لكنها ممتعة وأسهمت في صقل شخصيتها داخل الملعب.
وترى فاطمة أن مستوى التدريب والإعداد الفني ممتاز من حيث تنوع التمارين وتوفر التجهيزات والدعم الفني، مشيرة إلى أن البيئة التدريبية مشجعة وتساعد أي لاعبة على التطور، لكنها تؤكد أن العنصر الحاسم في أي تقدم هو الاجتهاد الشخصي خارج أوقات التدريب، سواء في اللياقة أو متابعة الجوانب الفنية.
وأشارت إلى مشاركتها في دورة مدرب حراس مرمى في تايلند، إضافة إلى عملها مدربة لفريق LTP في سلطنة عمان، وهي تجربة ترى أنها عززت فهمها الفني للعبة.
وأكدت أن الدعم من اللجنة العمانية لرياضات التزلج قوي سواء في التدريب أو توفير فرص المشاركة، لكنها ترى أن الاهتمام باللعبة في سلطنة عمان لا يزال أقل مقارنة ببعض الدول، بسبب حداثة اللعبة ونظرة المجتمع لبعض الرياضات النسائية، وطموحها يتمثل في نشر اللعبة وجعلها أكثر احترافية، مع تحقيق إنجازات جديدة ترفع اسم الوطن عاليًا.
صناعة حضور نسائي
أوضحت اللاعبة ليال العجمي أن دخولها عالم هوكي الجليد جاء بدافع شغف حقيقي بتجربة رياضة جماعية مختلفة عن الرياضات التقليدية السائدة، وتشير إلى أنها كانت تبحث عن تحدٍ جديد يخرجها من الإطار المعتاد، ويمنحها فرصة خوض تجربة تتطلب الجرأة والالتزام والعمل بروح الفريق، وترى أن هوكي الجليد رياضة تجمع بين السرعة والقوة والتركيز، وهو ما جذبها إليها منذ البداية.
وأكدت ليال أن خطواتها الأولى في هذه الرياضة لم تكن سهلة، إذ واجهت تحديات واضحة في مسألة التوازن على الجليد، خاصة أن الحركة تكون سريعة ومتغيرة الاتجاهات بشكل مستمر، ما يتطلب تحكمًا عاليًا بالجسم، كما أن التعامل مع العصا أثناء الانطلاق بسرعة ومحاولة السيطرة على القرص في الوقت ذاته كان من الأمور التي احتاجت إلى تدريب متواصل وجهد مضاعف، وتضيف أن محدودية الملاعب المتخصصة شكلت تحديًا إضافيًا، إذ إن توفر بيئة تدريب مناسبة عنصر أساسي في تطوير المهارات وصقلها بالشكل المطلوب.
وترى أن مستوى التدريب في سلطنة عمان يشهد تطورًا تدريجيًا، لا سيما في جانب اللياقة البدنية والانضباط الفني داخل الملعب، حيث أصبح التركيز أكبر على التنظيم والتمركز والعمل الجماعي، لكنها في الوقت ذاته تشدد على أهمية إقامة معسكرات خارجية منتظمة وزيادة فرص الاحتكاك الدولي، مؤكدة أن مواجهة فرق ذات خبرة أطول تسهم في تسريع عملية التعلم واكتساب خبرات متنوعة خلال فترة زمنية أقصر.
وأشارت ليال إلى أن من أبرز إنجازات الفريق حتى الآن هو إثبات قدرة المرأة العمانية على خوض رياضة غير تقليدية والمنافسة فيها بروح عالية وأداء مشرف، معتبرة أن هذا الحضور بحد ذاته يحمل بعدًا معنويًا مهمًا، إلى جانب النتائج الإيجابية التي تحققت في المشاركات الخارجية.
قاعدة قوية للمستقبل
جاء حضور اللاعبة دلال أمبوسعيدي في هوكي الجليد بدافع أعمق يتمثل في الإسهام الفعلي في تأسيس فريق نسائي متماسك يمتلك مقومات المنافسة والاستمرارية، فقد رأت في هذه الرياضة مساحة لصناعة تجربة مختلفة، تسهم في ترسيخ وجود المرأة العمانية في لعبة تتطلب قدرًا عاليًا من الجاهزية البدنية والذهنية، ومنذ انضمامها للفريق، وضعت نصب عينيها هدفًا يتجاوز حدود الأداء الفردي، ليصل إلى بناء قاعدة قوية يمكن أن تشكل مستقبل اللعبة على المدى البعيد.
وأكدت دلال أن امتلاكها لخلفية سابقة في رياضة التزلج منذ سن مبكرة منحها أساسًا مهاريًا مهمًا، ساعدها على التأقلم مع طبيعة الجليد ومتطلبات الحركة السريعة، ومع ذلك، لم تخلُ التجربة من تحديات واضحة، كان أبرزها التكيف مع نسق اللعب المرتفع، وسرعة اتخاذ القرار داخل الملعب، إضافة إلى أهمية الانسجام والعمل الجماعي في لعبة تعتمد بشكل كبير على التنسيق بين الخطوط، فضلاً عن الاحتكاك البدني الذي يشكل جزءًا أساسيًا من هوكي الجليد، وهذه الجوانب تطلبت منها جهدًا مضاعفًا لتطوير قدراتها البدنية والفنية.
وترى دلال أن البرامج التدريبية تشهد تطورًا مستمرًا بجهود اللجنة العمانية لرياضات التزلج، سواء من حيث تنظيم الحصص أو التركيز على الجوانب التكتيكية واللياقية، إلا أن طموحها لا يقف عند هذا الحد، إذ تؤكد أهمية إقامة معسكرات خارجية منتظمة، واستقطاب مدربين متخصصين يمتلكون خبرات دولية، بما يسهم في تسريع وتيرة التطوير ورفع مستوى الأداء الفني للفريق، كما تشير إلى مشاركاتها في دورات تحكيم وتدريب أقيمت في أوزبكستان وتايلاند وأبوظبي، معتبرة أن هذه التجارب منحتها أبعادًا فنية أوسع، وأسهمت في صقل رؤيتها للعبة، ونقل المعرفة المكتسبة إلى زميلاتها داخل الفريق.
أما على صعيد الطموح، فتتطلع دلال إلى رؤية الفريق النسائي ينافس بثقة في البطولات الآسيوية والدولية، مدعومًا بقاعدة أوسع من اللاعبات، وبروز بطولات محلية منتظمة تضمن استمرارية الاحتكاك وصناعة جيل جديد قادر على تمثيل سلطنة عمان بصورة مشرفة في المحافل الخارجية.
المنشأة المتكاملة
وأكدت اللاعبة خديجة الريامي أن بدايتها في اللعبة واجهت تحديات في إقناع الأسرة، إضافة إلى ضعف المستوى في المراحل الأولى، لكنها استطاعت بالإصرار أن تثبت جديتها، وترى أن التدريب جيد وممتع، لكنها تؤكد الحاجة إلى مدربة نسائية لما لذلك من أثر إيجابي في تشجيع الفتيات وتوفير راحة أكبر.
واستعرضت خديجة إنجاز المركز الثاني في بطولة "الاتحاد كلاسيك" التي أقيمت في مدينة العين بدولة الإمارات العربية المتحدة في العام الماضي كواحد من أبرز محطات الفريق، معتبرة أن ذلك الإنجاز عزز ثقة اللاعبات بقدراتهن.
وأشارت إلى أن الدعم المؤسسي لا يزال محدودًا، حيث تتحمل اللاعبات جزءًا من التكاليف، ما يشكل عبئًا ماليًا، خصوصًا أن الرياضة تتطلب معدات وتجهيزات مكلفة، كما تؤكد الحاجة إلى صالة أكبر وأكثر تطورًا، وغرف تبديل خاصة، وزيادة عدد ساعات التدريب التي لا تتجاوز ساعة ونصف أسبوعيًا.
محدودية الحصص
المدرب أحمد اللواتي، الذي أكمل عامين في تدريب الفريق، أوضح أن الإعداد الفني يتم على مراحل؛ نظرًا لاعتماد اللعبة على مهارات متعددة تشمل التزلج والتحكم بالقرص والتمركز والجانب البدني والفكري، مؤكدًا أنها من أسرع الألعاب الجماعية.
وأشاد اللواتي بروح الفريق العالية ورغبته في التطور، لكنه يشير إلى أن محدودية عدد الحصص الأسبوعية تؤثر في اللياقة البدنية، ويستعرض إنجازات الفريق، ومنها المركز الثاني في بطولة العين العالمية بمشاركة فرق من روسيا والفلبين والهند والإمارات، إضافة إلى المركز الثالث في بطولة البحرين الخليجية 2025.
ويؤكد أن اللجنة العمانية لرياضات التزلج تبادر بدعم قوي في التدريبات والسفر وأدوات الحماية، غير أن التحدي الأكبر يتمثل في عدم توفر صالة مخصصة، حيث يتدرب الفريق في صالة "فن زون" باعتباره مركزا ترفيهيا عاما، وفي الساعة السابعة صباحًا يوم الجمعة، وهو ما يعكس شغف اللاعبات وإصرارهن.
ويختتم اللواتي حديثه بطموح واضح يتمثل في الفوز ببطولة العين العالمية، ثم الوصول إلى كأس العالم للنساء والأولمبياد الشتوية، داعيًا القطاع الخاص إلى دعم اللعبة لما تحمله من فرص حقيقية لتحقيق مراكز متقدمة دوليًا.
خلاصة المشهد
بين الشغف والإمكانات، يقف فريق هوكي الجليد النسائي في سلطنة عمان أمام مرحلة مفصلية، فمع تعزيز البنية الأساسية، وزيادة ساعات التدريب، وتوسيع قاعدة الدعم الإعلامي والمجتمعي، يمكن لهذه التجربة أن تتحول من مشروع ناشئ إلى قصة نجاح رياضي تضع سلطنة عمان على خارطة رياضات التزلج إقليميًا ودوليًا.