في تغريدة لوزير الخارجيّة العماني السيد بدر بن حمد البوسعيدي في صفحته على (x) قال فيها: «لكلّ من يرغب بالعودة إلى دياره من دول الخليج، تعمل الحكومة العمانيّة بالتّنسيق مع حكوماتكم وشركات الطيّران الدّوليّة لتنظيم رحلات جويّة لإعادتكم إلى الوطن. نعني بذلك الجميع، بغضّ النّظر عن جواز سفركم. فمواطنو جميع الدّول لهم الحقّ الإنسانيّ في الأمن والسّلامة، الإنسان هو الأهم. فلنوقف الحرب الآن».
هذه التّغريدة على قلّة عدد كلماتها؛ لكنّها تحمل أبعادًا إنسانيّة، عندما يغرّد بذلك أيضا من يشغل منصبًا رفيعًا في الدّولة، ويكون منطلقه وتفكيره إنسانيًا، وليس مجتمعيًا مغلقًا.
وهذا ما يبشر بخير بمثل هذه الخطابات الإنسانيّة؛ خصوصا وأنّ الخطاب جاء في فترة عصيبة من آثار الحرب الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، امتدّت شرارتها إلى دولنا الخليجيّة ككل بلا استثناء، على تفاوت بينها في مقدار الأضرار؛ ومن أكبر هذه الأضرار توقف خطوط الطّيران، فضلا عن الأضرار الّتي لحقت ببعض المطارات الخليجية وتعطيلها عن العمل كليًا أو جزئيًا، وبالتّالي تأخير أو تعطيل الرّحلات الجويّة، وتغيّر مسارات خطوط الطّيران، وارتفاع أسعار الرحلات، وكثرة التشديدات الأمنية لضمان أمن الرحلات وسلامة الركاب.
عُمان تتميز بموقع جغرافي مهم ومنفتح على العديد من الخطوط الجويّة، كما أنّ عُمان بطبيعتها المسالمة والحياديّة جعلتها في موضع أكثر أمانا ـ والحمد لله ـ، هذا الوضع لم يجعلها تحمل الأنا والانغلاق على الذّات، بل أدركت أنّها جزء من المجتمع العالميّ الّذي ينشد السّلم، ويدعو إلى الوحدة الإنسانيّة، وإلى التّضامن الإنسانيّ فيما يحقّق الكرامة الإنسانيّة، ويدعو إلى المساواة والعدالة بين البشر.
هذا الأمر وإن كان أمرًا طبيعيًا وقت السّلم والرّخاء، بيد أنّه ينبغي أن يكون ضروريّا وجوده وقت الحرب والجوائح والشّدائد.
يتمثل ما أقوله في مصاديق عديدة، وليس مجرّد كلام إنشائيّ نتغنّى به؛ ففي جائحة كورونا مثلا عُمان ألغت المخالفات المترتبة على المقيمين المخالفين في تجديد الإقامة، وفتحت لهم المجال للرّجوع إلى أوطانهم بكلّ سهولة.
كما أنّ عُمان حاولت أن تنأى عن الحروب القريبة والبعيدة، لم تشارك بأسلحتها، ولكن إن استدعى الأمر أن تكون عنصر سلام وحوار كانت في المقدّمة، وهذا ظهر في المفاوضات الأمريكيّة - الإيرانيّة، ابتداء من المفاوضات السّريّة بين واشنطن وطهران في مسقط 2013م، وحتى مفاوضات 2025م، ثمّ مفاوضات 2026م. ورغم كلّ محاولات إفشالها؛ إلّا أنّ عُمان لا زالت متمسكة إلى اليوم بعنصر الحياد والسّلم العالميّ، ولم تواجه ذلك بسلبيّة غير متعقّلة في الجملة.
عودًا إلى التّغريدة السّابقة، فإنها تحمل كما أسلفت مضامين إنسانيّة، منها قوله: «نعني بذلك الجميع، بغضّ النّظر عن جواز سفركم»، وهي لفتة إنسانيّة في المساواة بين الجميع، وهي الأصل في الرّخاء للانفتاح على العالم، وأنّ العالم أصبح قرية إنسانيّة واحدة، إلّا أنّه يجب أن يكون حالة طبيعيّة في الشّدّة أيضا، حيث الجميع كذات إنسانيّة لا ينبغي التّمييز بينهم.
ثم لابد من التّفريق بين الشعوب وسياسات البلدان، فالشّعوب مهما كانت أعراقهم ودياناتهم ومذاهبهم وتوجهاتهم لا ذنب لهم في ما يصدر من بعض سياسات بلدانهم التي ينتمون إليها،
فالشعوب في ذاتها واحدة، والسياسات يتعامل معها بقدرما يماثلها من سياسات. ومن المؤسف جدّا هذا الخلط الّذي نراه ونسمعه من جرّاء هذه الحروب، وإدخال الثّنائيّات العرقيّة والدّينيّة والمذهبيّة فيها، وتعميم ذلك في خطابات وبيانات شعبويّة، منطلقها انغلاق الذّات عرقيّا أو لاهوتيّا، وغايتها الفرقة والصّراع بين الشّعوب والأمم عن إدراك أو غير إدراك.
ومنها قوله: «فمواطنو جميع الدّول لهم الحقّ الإنساني في الأمن والسّلامة»، وهذا مبنيّ على ما سبق، وهو إدراك أنّ الذّات الإنسانيّة واحدة، والدّول القطريّة حالة إجرائيّة، والمواطنة ارتباطها بهذه الدّولة كجانب إجرائيّ مبنيّ على المساواة والعدالة، إلّا أنّ الانتساب إلى هذه الدّولة لا يخلق تمايزا في الكرامة الإنسانيّة، فهذه مرتبطة بالذّات لا بالإجراء والانتماء، وارتباطها بالذّات يجعل كلّ ذات إنسانيّة واحدة، وأمّا الانتماءات الّتي ينتمون إليها كسبًا بسبب ولادة في رقعة جغرافيّة معينة ينتمون إليها وطنها، ويكسبون فيها لغتهم ودينهم ومذهبهم وفكرهم وثقافتهم، ويرتبطون بها لونًا وعرقًا، أو الّتي ينتمون إليها تنقلّا كالتّجنّس وكسب ثقافة جديدة، أو قناعة كدين أو مذهب أو فكر، هذا جميعه لا يرفع الكرامة الإنسانيّة، بل يسعى إلى تحقيقها، وما يرتبط بها من مساواة في الأمن والسّلامة، كان في الرّخاء أم في الشّدّة، كلاهما سيّان.
ومنها قوله: «الإنسان هو الأهم. فلنوقف الحرب الآن»، الحصيف هو من يدرك أنّ الإنسان قبل كلّ شيء، وأنّ البشر حالة وجوديّة واحدة، من يصل إلى مرتبة ذلك يتساقط من وجدانه كلّ انتماءات تقوده إلى العنف وخلق الشّرّ بين البشر، فهو يصل إلى أنّ الرّحمة تكون بين العالمين كذات واحدة متساوية، لهذا يكون دائما أذن خير بين النّاس، يقودهم إلى الرّحمة وليس الصّراع، وإلى السّلم وليس الحرب، والبناء وليس الهدم، وإلى الوحدة وليس الفرقة، وإلى الحاضر وليس الماضي، إلى تعميق ذاتيّة الإنسان، وليس إلى إشعال الحروب في الأرض، فهو يسعى إلى إطفائها بلسانه وبقلمه وبعلاقاته ومنصبه، وإطفاء كلّ ما يؤدّي إليها.
شتّان بين هذا وبين من يهيّج هذا على ذاك، ومن يمايز بين البشر، ومن يقف مع القويّ مقابل ظلمه للضّعيف لاعتبارات منفعيّة قاصرة.
هذا الخطاب الإنسانيّ الرّفيع من وزير الخارجيّة العمانيّ هي حالة نعتزّ بها، لكن يؤسفني في الوقت ذاته ما أسمعه من أحاديث تتداول عن استغلال البعض سيّارات الأجرة، أو الشّركات السّياحيّة، أو الفنادق والنّزل، من رفع بعض الأسعار للمتضرّرين القادمين إلى هذه الأرض الطّيبة، واستغلال حاجة الإنسان في الشّدائد، وهي وإن كانت حالات فرديّة في جملتها، لكن لا ينبغي السّكوت عنها، فاللّطف إن لم يكن في الشّدائد ظهوره، سنأكل بعضنا يومًا ما، وما لم يتهذّب بالأصل الإنسانيّ المطبوع على الرّحمة بين البشر؛ يتهذّب بالقانون، عندما يكون حاضرًا ومراقبًا، فالرّحمة حقّ رفيع يظهر أثرها في الشّدائد قبل الرّخاء.