نستكمل في هذه الحلقة ما بدأناه في سابقتها من الشواهد التي اخترناها من شعر أبي بكر أحمد بن سعيد الستالي (ق5-6هـ)، التي نقلها محمد بن وصّاف النزوي في شرحه لكتاب الدعائم المسمى (الحَلّ والإصابة)، مما لم يَرِد في ديوان الشاعر.

فمن شواهد ابن وصّاف من شعر الستالي أبيات متفرقة من قصيدة ميمية يظهر أنها في المديح، والممدوح هو أبو القاسم علي بن عمر بن محمد بن عمر بن نبهان، أحد ملوك بني نبهان الذين أكثَرَ الستالي من مديحهم، إذ يقول في بيتين منها، نقل ابن وصّاف الأول عنه شاهدًا في معنى «الدِّيَم: جمع دِيمة، وهو المطر يدوم مع سكون يوم ويومين»، والثاني في معنى «البُهْمَة: الفارس الذي لا يُدْرى من أين يُؤتى من شِدَّة بأسه»:


فمن كَعَلِيٍّ جمال نديٍّ ** وغيث وليٍّ يسحّ الدِّيَمْ
أبي القاسم الندب ذي الكنف الرحب ** والبأس في الحرب مُردي البهمْ
ثم جاءت أبيات أخرى شواهد في مواضع متفرقة من كتاب ابن وصّاف، هي على الأرجح من القصيدة نفسها لقرينة تطابق البحر والقافية. يقول في بيت في معنى السُّقْم:
ترائبُ بيضٌ وطرفٌ غضيضٌ ** ولحظٌ مريضٌ يداوي السقمْ
وفي معنى الأسد التي يسكنها الأَسَد:
حِسَان الطَّرَائِق عِزّ الخَلائِق ** حَامُو الحَقَائِق أُسْد الأَجَمْ
وفي معنى الأشمّ: المرتفع العالي:
تَرَى كُلّ نجدٍ عَلى الخَطْبِ جَلْدٍ ** بِعَزمٍ وَجِدٍّ كَرِيمٍ أَشَمّْ
وفي معنى الشَّبِم أي البارد، نقل عنه قوله:
تراءتْ فأبدَتْ لنا ثم صَدَّتْ ** ثنايا فأهدتْ إلينا عتمْ
وماط نقاب فلاحت عذاب ** لهن رضاب لذيذ الشَّبمْ
ومن شعره أيضًا بيتان من الطويل بقافية مقصورة يظهر أنه يمدح فيهما ثلاثة من بني نبهان، وقد جاءا شاهدًا في معنى الوَرى: الناس. يقول:


ثَلَاثَة سَادَات كِرَام لكلهم ** ثلاث الخلال: البأس والحلم والندى
مُلُوك الوَرَى أُسدُ الشَّرَى مَطرُ الثَّرَى ** بُحُور الجَدَى سُمُّ العِدَى أنجم الهُدَى
ومن شعره أيضًا ما جاء شاهدًا في معنى «أفناء الديار: ظِلُّها وجانبها، واحدها: فِنَاء، وجمعه: أَفْنِية»، وهما بيتان يظهر أنهما في مديح أحد ملوك بني نبهان أيضًا، يقول:
تَرَى النَّاسَ وُفَّادًا إِلى عَرَصَاتِهِ ** نُزُولًا إِلى حَيْثُ اللُّهَا والدَّسَائِعُ
وحَيْثُ الفِنَاء السَّهْلُ والمرتع الذي ** تصوب عَلَيْهِ الغَادِيَات الهَوَامِعُ
أما الشواهد التي نقلها ابن وصّاف في سياق اللغة وموضوعها النسيب، فيُحتَمل أنها من استهلالات الستالي التي يأتي فيها -كعادته- بالنسيب والتغني بالأطلال، ومن ذلك ما نقله في معنى «المُخلْخَل: الذي في رِجلَيه الخَلْخَال، وجمعه: خَلاخِيل، وهي البُرِين والحِجْل»، يقول الستالي:
صادتك فاتنة القلوب بحبّها ** لمّا بَدَتْ لك نظرة المتأمّلِ
بحشًى خميصٍ تحت ثديٍ ناهدٍ ** وبمَبْسِمٍ شنبٍ وطرفٍ أَكْحَلِ
ومشنفٍ ومطوقٍ ومدملجٍ ** ومسوَّرٍ ومُوشَحٍ ومُخَلْخَلِ
وفي شاهد آخر في معنى الغزل يقول ابن وصّاف: «الغَزَل والمغازلة: مُفَاكَهة النِّساء، والغَزَل: حديث الفتيان الجواري، والتغزّل: تكلّف ذلك»، ثم جاء بشاهد من شعر الستالي، ويظهر أنه مطلع قصيدة له لتطابق الرّويّ في شطري البيت الأول، وهو قوله:
وَردُ الخُدُودِ ونَرجِسُ المُقَلِ ** وبُرُوقُ كُلِّ مُفَلَّجٍ رَتَلِ
سَلَكَتْ علَى حُكْمِ المَشِيبِ بِنَا ** سُبُل الصّبَا ومَذاهب الغَزَلِ
كما جاء منها ببيت آخر في موضع آخر في معنى «النَّهْل: أوَّل الشرب»، وهو قوله:
آلَيتُ مُصْطَبِحًا وَمُغْتَبِقًا ** وَشَرِبْتُ صَفْوَ الرَّاحِ والعَلَلِ
وجاء بأبيات أخرى منها في معنى «اعْتَدَل الشيء أي إذا استقام». يقول الستالي:
إِنِّي إِذَا حَدُّ الشِّتَاءِ مَضَى ** وَالشَّمْسُ حَلَّتْ أَوَّلَ الحَمَلِ
وَأَتى الرَّبِيعُ بِطرَّتَي زَمَنٍ ** طَلْقِ الهَوَى وَالظِّلِّ مُعْتَدِلِ
وله في معنى «النَّهْل: الشرب الأوَّل، والعَلَل: بعد النهل»:
قُمْ بِنَا عَجَلًا لا تُطِلْ عَذَلًا ** وَاسْقِنِي نَهَلًا بَعْدَهُ عَلَلُ
مِن مُشَعْشَعَةٍ متضوعَةٍ ** عِند مَسْمَعَةِ صَوتهَا رَمَلُ
ومن قصيدة ميمية من الطويل نقل عنه في معنى «يَضْمَحِلُّ: أي يذهب» قوله:
وعاين آثار الحوادث مثّلًا ** بوعظٍ لآمال الغَوَايَة حاسِمِ
ألا إنه يبلى الجديد وتنقضي ** بشاشته اضمحلال ظلّ الغمائمِ
وما تنقضي اللَّذات في كل ساعة ** تمر بها إلا كأَحْلاَمِ نائمِ
وجاء بيتان من القصيدة نفسها في موضع آخر في معنى «التَّائِب: الراجع عن ذنوبه»، وفيهما يحدِّث عن توبته واستغفاره من مدح ذي الضلال وهجاء البريء المسالم. يقول:
وأستغفر الرحمن من مدح كل ذي ** ضلال ومن هجو البريء المسالمِ
أتوب إليه من ذنوبي كلها ** صغائرها والمكفرات العظائمِ
والحق أن المستدرَك من شعر الستالي مما جاء في شواهد محمد بن وصّاف النزوي أكثر مما مثّلنا به هنا بكثير، غير أننا نكتفي بهذه الأمثلة. ولعل ذلك يدفع من ينبري لإعادة تحقيق ديوانه الشعري أن يتتبع تلك الشواهد فيجمعها، ويجمع غيرها مما ورد في مصادر أخرى من التراث العُماني.