كارولين كيسان -
كلما طال أمد الحملة الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، تعاظمت تداعياتها على نظام الطاقة العالمي، فبينما تؤدي النزاعات القصيرة إلى حالة من التقلب في الأسواق، فإن الاضطرابات الممتدة تعيد رسم ملامح كل شيء، بدءًا من مسارات التجارة وصولًا إلى تقديرات المخاطر التي تواجه البنية الأساسية وسلوك الاستثمارات طويلة الأجل.
وربما أراد ترامب مواجهة محدودة النطاق، لكنه أشعل شرارة في قلب نظام الطاقة العالمي فمضيق هرمز -وهو أهم نقطة عبور بحرية للنفط والغاز الطبيعي المسال في العالم- يعمل الآن بقدرة تشغيلية محدودة للغاية.
وإذا لم تُستأنف عمليات تحميل الشحنات قريبًا فإن قيود التخزين ستفرض تباطؤًا في الإنتاج عبر دول الخليج، الأمر الذي سيشدّد الإمدادات العالمية، ويضيف ضغوطًا تصاعدية على أسعار النفط الخام. وعلى الرغم من التوسع في مصادر الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة، فإن الوقود الهيدروكربوني ما زال متجذرًا بعمق في الاقتصاد العالمي إذ تشكل السعودية وقطر والإمارات والكويت والعراق وإيران ركائز لسلاسل الإمداد التي تغذي الصناعة الآسيوية والتصنيع الأوروبي وقطاع النقل العالمي.
وفوق ذلك تتفاقم مخاطر الإمدادات إلى جانب مخاطر العبور؛ فقد خفض العراق بالفعل إنتاجه النفطي. كما أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال في منشآت رئيسية عقب هجمات بطائرات مسيّرة. أما السعودية فتستعد لاحتمال تعرض بنيتها الأساسية لهجمات إضافية بعد استهداف مجمع رأس تنورة الذي يضم أكبر مصفاة في المملكة بطاقة معالجة تقارب 550 ألف برميل يوميًا، ويعد محطة رئيسية لتصدير النفط الخام. ومع دخول منشآت الطاقة في الخليج ضمن «نطاق التصعيد» يزداد تركيز المنتجين على الموازنة بين الأمن واستمرار الإنتاج فيما تؤدي الإجراءات الاحترازية إلى تقليص مرونة النظام بأكمله.
ولهذا السبب ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد؛ إذ زادت بأكثر من 20% منذ بداية عام 2026. فالسوق لا تستجيب فقط لفقدان الإمدادات، بل أيضًا لتزايد عدم اليقين بشأن مدة تعرض البنية الأساسية للمخاطر. أما أسواق الغاز فتواجه قيودًا أشد. فعلى خلاف النفط تعمل تجارة الغاز الطبيعي المسال بطاقة فائضة محدودة للغاية. وإذا استمرت الاضطرابات في الخليج لأسابيع فسيتنافس المشترون على شحنات محدودة. وتبدو أوروبا في وضع أكثر هشاشة، فبعد شتاء أبرد من المتوقع دخلت القارة موسم إعادة ملء المخزونات بمستويات منخفضة وعلى الرغم من أن معظم شحنات الغاز الطبيعي المسال التي تمر عبر مضيق هرمز تتجه إلى آسيا، فإن أسواق الغاز العالمية مترابطة. وعندما تضيق الإمدادات في الخليج تشتد المنافسة. وسيصبح إعادة بناء المخزونات أكثر كلفة وحساسية سياسيًا. وإذا استمرت تدفقات الغاز الطبيعي المسال في التعطل فستواجه أوروبا وضعًا أكثر هشاشة مع اقتراب الشتاء المقبل. ولا تقتصر تداعيات النقص على أوروبا؛ فالصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم راكمت احتياطيات تقارب 1.2 مليار برميل في مخزوناتها الاستراتيجية والتجارية على اليابسة، وهو ما يكفي لتغطية أكثر من 100 يوم من صافي وارداتها بالمستويات الحالية، ويمكن لهذا المخزون أن يوفر هامشًا مهمًا من الحماية، لكنه يشتري الوقت فقط. فإذا استمرت حالة عدم الاستقرار سترتفع كلفة إعادة تكوين الاحتياطيات، وستتقلص هوامش التكرير، وترتفع تكاليف المدخلات الصناعية. كما أن ارتفاع الأسعار العالمية يعزز جاذبية النفط والغاز الروسيين المخفضي السعر؛ ففي سوق أكثر ضيقًا يصبح النفط الخاضع للعقوبات أكثر قدرة على المنافسة، مما قد يعزز عائدات الطاقة لدى الكرملين. وبالتالي فإن استمرار الاضطراب في الخليج قد يعيد تشكيل ليس فقط سلاسل الإمداد، بل أيضًا موازين النفوذ الجيوسياسي.
كارولين كيسان، نائبة عميد وأستاذة سريرية في مركز الشؤون العالمية بكلية الدراسات المهنية في جامعة نيويورك، والمديرة المؤسسة لمختبر الطاقة والمناخ والاستدامة في الجامعة.
خدمة «بروجيكت سندكيت»