مارك كانال نوغير، ونيك ليونغ، وكريس برادليز
ترجمة - فاخرة الراشدي -
تتوالى الأزمات الجيوسياسية والبيئية على واجهة المشهد العالمي، مما يغذي شعور التشاؤم حيال الواقع الإنساني، إلا أن استحضار مسار القرن الماضي يرسم صورة مغايرة تمامًا، التي تظُهر تقدمًا غير مسبوق، فقد شهد القرن الماضي تحولات اقتصادية كبرى أسهمت في رفع مستويات الدخل، وإطالة متوسط الأعمار وتمكين ملايين البشر لتحسين ظروفهم المعيشية. وبالتطلع للمستقبل، يبدو أن تحقيق عالم ينعم فيه الجميع بالأمن والرخاء، لا العيش على الكفاف فحسب، هدف يمكن تحقيقه، غير أن بلوغ هذا المستوى من الازدهار والرخاء يتطلب استمرار نمو الاقتصادات الناشئة وتوسعها بوتيرة مستدامة.
وقبل مائة عام، كانت الحياة محفوفة بالمخاطر وتفتقر للاستقرار؛ حيث لم يتجاوز متوسط العمر 30-40 عامًا، وواحد من كل 3 أطفال يموت قبل بلوغ سن الخامسة، كما أن نحو 60% من سكان العالم يعيشون في فقر مدقع، ولم يكن أكثر من ثلث البشر قادرين على القراءة والكتابة.
تغيرت هذه الصورة اليوم، إذ ارتفع متوسط العمر المتوقع عالميًا ليصل إلى 73 عامًا، وتراجعت نسبة الفقر إلى أقل من 10% وأصبح قرابة 90% من سكان العالم يجيدون القراءة والكتابة. فبعد قرون من الركود، تضاعف متوسط دخل الفرد في القرن التاسع عشر، ثم ارتفع ستة أضعاف منذ عام 1925 حتى اليوم.
لكن ماذا لو قيس التقدم بالقدرة على العيش بأمان وبخيارات متنوعة، بدلًا من من مجرد العيش بكفاف؟ في هذه الحالة، لا يزال الطريق طويلًا لتحقيق الرخاء، إذ يعيش نحو 4.7 مليار نسمة تحت ما نسميه «خط التمكين». باختصار، لقد حقق العالم تقدمًا مذهلًا، إلا أننا نحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك.
يقدم كتاب مثل «قرن من الوفرة: قصة للأجيال القادمة رؤية طموحة حيث سيتمكن أفقر سكان العالم من العيش بمستوى جيد يضاهي ما يعيشه سكان سويسرا اليوم بحلول عام 2100؛ حيث تعد سويسرا بدخلها المرتفع ومتوسط العمر المديد لمواطنيها، والتعليم الممتاز، والدعم الاجتماعي متين، مثالًا وحيدًا لدولة تتمتع بـ«الوفرة».
قد يبدو من وضع سويسرا الحد الأدنى للمعيار العالمي أمرًا جذريًا لكنه ليس كذلك، فلتحقيق ذلك، يتعين أن ينمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.6% سنويًا، وهي زيادة بسيطة مقارنة بمتوسط النمو البالغ 2.3 خلال الربع الأخير من القرن الماضي. وفي عالم الوفرة الذي نتخيله يصل عدد سكان العالم 12 مليار نسمة مع تعافي بعض الدول من معدلات الخصوبة المتدنية ويكون حجم الاقتصاد العالمي أكبر بنحو 8.5 من حجمه اليوم.
الطريق إلى الوفرة
ومع تقدم الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرائدة الأخرى، وزيادة عدد المتعلمين، فإن هذه النتيجة قابلة للتحقيق، غير أن التقدم لا يعتمد على الابتكار وحده، إذ يُتوقع أن من الاقتصادات الناشئة المساهمة بشكل كبير في النمو المنشود، والتي يمكنها قطع أشواط في تقليص الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة عبر الاستثمار في التكنولوجيا والبنية الأساسية القائمة.
وبعيدًا عن استراتيجيات تعزيز الإنتاجية، فإن تحقيق القفزة الاقتصادية يتطلب إرساء اللبنات الأساسية اللازمة، وتظل الطاقة هي العنصر الجوهري الأكبر من بينها. فمن أجل توسيع نطاق الفرص الاقتصادية، نحن بحاجة إلى نظام طاقة خال من الكربون، إذ تشير الحسابات إلى ضرورة مضاعفة توليد الطاقة العالمي بمعدل 2 إلى 3 أضعاف من مستواه الراهن، في حين يجب أن يرتفع إنتاج الكهرباء النظيفة إلى نحو 30 ضعفًا عما عليه هو اليوم.
يمكن تحقيق ذلك من خلال بناء ونشر التقنيات الحالية على نطاق أوسع مع استمرار الابتكار فيها، وبالطبع نهجًا كهذا سيكون محفوفًا بالتحديات، لكنه ليس أمرًا جديدًا، فقد ضاعفت الصين إنتاجها المشترك من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية عشر مرات خلال العقد الماضي، وهو معدل أسرع بكثير من الوتيرة التي يتطلبها الوصول إلى عالم الوفرة. وفي الولايات المتحدة، لم يكن للغاز الصخري وجود يُذكر كمصدر للطاقة قبل عقدين من الزمن، أما الآن فهو مساهم في إنتاج الطاقة في البلاد بأكثر مما يساهم به النفط والغاز التقليديان مجتمعين. وبالعودة إلى الوراء أكثر، نجد أن فرنسا نجحت في بناء نظام كهربائي يعتمد على الطاقة النووية في السبعينيات.
يُعد الغذاء وقودًا مهمًا أيضًا، وإن كان وقودًا للبشر. بإمكان التعداد السكاني الذي يمكن أن يصل إلى 12 مليار نسمة بحلول 2100 اتباع نظام غني بالبروتين دون الحاجة إلى مساحات إضافية من الأراضي الزراعية، مع زيادة متواضعة في المحاصيل الزراعية مقارنة بما تحقق في ستينيات القرن الماضي.
كما أن وفرة الغذاء في القرن الحالي لا يحدّها التركيب الجيولوجي، فالأرض تمتلك موارد طبيعية كافية لدعم هذا التوسع. على سبيل المثال، نقدّر أن تحقيق الوفرة في عام 2100 سيتطلب 134 طنا من الصلب، وفي المقابل يبلغ إجمالي المصادر المعروفة لمستوى الحديد القابل للاستخدام (المكون الأساسي لصناعة الصلب) بحوالي 230 مليار طن حاليًا، منها 88 مليار طن أي ثلثي الكمية المطلوبة بالفعل تُصنف كاحتياطيات قابلة للاستخراج اقتصاديا. وقد نمت هذه الاحتياطيات بنسبة 1% سنويا على مدار ثلاثين عاما، مما يعوض الفارق وأكثر.
ينطبق الأمر نفسه على المواد الأساسية الأخرى، إذ لن يحتاج أي منها إلى تجاوز معدلات النمو التاريخية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع. كما أن تقديراتنا متحفظة، فمن المرجح تطوير مواد وتقنيات جديد خلال هذه الفترة.
النمو كقوة جامعة
ويجادل البعض بأن الكوكب لا يمكنه احتمال «الآثار الخارجية الناجمة عن نمو بهذا الحجم، لا سيما فيما يتعلق بانبعاثات الغازات الدفيئة، بيد أننا نتبنى رؤية مغايرة، فالعالم الذي ينعم بالوفرة سيكون أقدر على مجابهة التغير المناخي والمشكلات البيئية الأخرى، كتلوث الهواء، لأن النمو يحفز الاستثمارات الحيوية في التحول للطاقة النظيفة مثل الشبكات الذكية، والطاقة المتجددة، والبطاريات، وتقنيات التكيف مثل أنظمة التكييف والري المتطورة، فضلًا عن مجالات البحث والتطوير. وطالما وُظفت ثمار هذا النمو لتسريع عملية «الفصل» بين الانبعاثات والناتج المحلي الإجمالي، وهو النهج الذي يسلكه معظم العالم حاليًا، فمن الممكن حصر الاحتباس الحراري عند حدود درجتين مئويتين بالتوازي مع الارتقاء بمستوى المعيشة لملايين البشر.
خلاصة القول: لا توجد عوائق مادية تحول دون تحقيق الوصول للرخاء العالمي، ومع ذلك لا ندّعي بأن رؤيتنا «لعالم الوفرة» ستكون سهلة التحقيق، فالعقبات قد تكون سياسية واجتماعية وتكمن في النفوس والعقول. ومن المثير للاهتمام أن الكثير في الاقتصادات المتقدمة لم يعودوا يؤمنون بالتقدم المادي، ففي استطلاع رأي حديث أُجري في فرنسا، تبين أن 9% من الناس فقط يرون بأن الجيل القادم سيكون أفضل حالًا، وبشكل عام لم تزد نسبة من يرى هذه النظرة المتفائلة أكثر من 30% في أي دولة باستثناء سنغافورة. وهو ما يستدعي صياغة سردية إنسانية جديدة تتحرر من قيود المعادلة الصفرية التي توهمنا بأن ربح طرف لا يتحقق إلا بخسارة الطرف الآخر.
وهكذا يبقى الأمل ممكنًا ما دمنا نعيد صياغة نظرتنا إلى النمو بوصفه قوة جامعة لا مُقسّمة، فلم يكن التقدم يومًا خصمًا للإنسان، بل كان أداته لرفع مستوى العيش وإطالة العمر، وتوسيع الفرص لملايين البشر. والمستقبل الذي يزدهر فيه الجميع ليس حلمًا بعيد المنال، بل خيارًا نصنعه بإرادتنا ورؤيتنا المشتركة. فطالما نركز على دفع عجلة التقدم الاقتصادية وتسخير ثماره لصالح الإنسان، فإن عالم الوفرة الذي نتطلع إليه يمكن أن يصبح واقعًا نعيشه، لا مجرد تصور نكتبه.
مارك كانال نوغير زميل أول في معهد ماكنزي العالمي
نيك ليونغ شريك أول في شركة ماكنزي وشركاه، ومدير في معهد ماكنزي العالمي
كريس برادلي شريك أول في شركة ماكنزي وشركاه، ومدير في معهد ماكنزي العالمي