خطت سلطنة عُمان خطوة متقدمة حين طرحت أمام الاجتماع الوزاري العربي ما قد يشكل أساسا لاتفاق بين دول الإقليم يتضمن «عدم الاعتداء». هذا الطرح يستحق أن يُقرأ الآن بالذات بوصفه فكرة سياسية عملية، لا مجرد دعوة أخلاقية إلى التهدئة. وقيمته أنه ينطلق من واقع المنطقة كما هو، لا كما يُفترض أن يكون. فالشرق الأوسط لا يعاني نقصا في موازين القوة، بقدر ما يعاني من غياب القواعد التي تضبط استخدامها. وهذا هو الفراغ الذي أنتج الحروب المتكررة، وليس غياب الردع وحده كما يعتقد البعض.

عاش الإقليم طوال العقود الماضية في توازنات هشة ومتبدلة، تراوحت بين الاستناد إلى القوى الكبرى واعتماد كل طرف على إضعاف الطرف الآخر بوصفه صيغة للأمن. لكن ما لم يتشكل في كل هذه الفترة هو الحد الأدنى الضروري لأي نظام إقليمي: اتفاق، ضمني أو صريح، على أن الخلاف، مهما اتسع، لا يبرر تحويل المنطقة كلها إلى ساحة حرب مفتوحة. لذلك بقي الاستقرار مؤقتا، وبقيت كل هدنة قابلة للانهيار مع أول تغير في ميزان القوة أو أول خطأ في الحساب.

من هذه الزاوية، تبدو فكرة عدم الاعتداء مدخلا إلى إعادة تعريف الأمن الإقليمي نفسه. ليس المطلوب إلغاء التنافس، ولا تجاوز التناقضات العميقة بين دول المنطقة، وهذا غير واقعي. المطلوب هو نقل هذه التناقضات من المجال العسكري المفتوح إلى المجال السياسي المنظم. أي وضع قاعدة حاسمة: يمكن للدول أن تختلف وتتنافس وتتنازع على النفوذ، لكن من دون انتهاك السيادة، أو استهداف البنى الأساسية، أو استخدام أراضي الغير في حروب متبادلة، أو تحميل الإقليم كله كلفة صراعات تخص طرفا واحدا.

قد يبدو الحديث عن اتفاق عدم اعتداء في لحظة حرب واسعة نوعا من المثالية المتأخرة. لكن الصحيح هو العكس. مثل هذه الأفكار تكتسب ضرورتها القصوى في لحظات الانكشاف، لا في أوقات الاستقرار. وقد أثبتت الحرب الجارية مرة أخرى أن أمن المنطقة لم يعد قابلا للتجزئة. الممرات البحرية، والطاقة، والأسواق، والطيران، والاستثمارات، وحتى الاستقرار الداخلي في دول بعيدة عن خط النار، باتت جميعها رهينة لأي مواجهة تتجاوز حدودها الأولى. وهذا يعني أن بقاء الإقليم بلا قواعد متفق عليها يتجاوز القصور السياسي إلى العبء الاستراتيجي الذي ينهك الجميع.

لقد اعتاد الشرق الأوسط أن يتعامل مع لحظات التحول الكبرى بوصفها فرصا لتوسيع النفوذ، لا لإعادة بناء النظام. وكانت النتيجة أن كل تغير كبير انتهى إلى فراغ جديد. جوهر ما تقترحه سلطنة عُمان هو كسر هذه الحلقة: النظر إلى السيولة الحالية باعتبارها فرصة لوضع قواعد تنظم الإقليم، لا مناسبة جديدة لإعادة إنتاج منطق الغلبة.

لكن نجاح الفكرة مشروط بإخراجها من العموميات. لا يكفي الحديث عن السلام. المطلوب إطار واضح: احترام السيادة، والامتناع عن التهديد أو استخدام القوة، وتحييد الممرات والمنشآت الحيوية، وإنشاء قنوات اتصال دائمة، وربط أي تصعيد بمسار وساطة إقليمي سابق عليه. عندها فقط يغدو عدم الاعتداء مشروعا سياسيا قابلا للحياة، لا مجرد نية حسنة.

المنطقة اليوم في أمسّ الحاجة إلى مراجعة فكرتها عن الأمن بعد أن كشفت الحرب هشاشتها. والجغرافيا نفسها تقول إن الاستقرار هنا لا يمكن أن يقوم على الإنهاك المتبادل. وهذه ليست فكرة نظرية تُطرح بعيدا عن نيران الحرب.. إنها، في هذه اللحظة بالذات، أكثر الأفكار واقعية في إقليم استنفدته الواقعية الخشنة.