في زمن وفرة وسائل التواصل الاجتماعي بين البشر، وقدرتها على إطلاع المستخدم على أنشطة جمة وعادات مختلفة وأنماط حياتية متعددة، إلا أن بعض العادات الاجتماعية لا تزال صامدة أمام التحولات الاجتماعية والثقافية، تقاوم كل محاولات التخلي عنها أو نسيانها. ومن هذه العادات عادة «المشاهرة» في حواضر محافظة ظفار، إذ تتزامن العادة مع بدء شهر رمضان، لهذا ارتبط اسمها بشهر الصيام. وتعني المشاهرة من الشهر، مثلما تعني المياومة العمل اليومي. ولا علاقة لهذه العادة بعادة تقديم الولاء والطاعة مقابل الأجر المالي، والتي تسمى بالمشاهرة أيضًا.
تقام المشاهرة عادة في الأسبوع الأول من شهر رمضان بعد صلاة التراويح مباشرة، وتستمر أحيانًا إلى وقت السحور. هذه العادة عبارة عن زيارة الأقارب والأهل والجيران للتهنئة بقدوم الشهر الفضيل، والاطمئنان على أحوال ذوي القربى والسؤال عنهم. وتبهج عادة التزاور الأهل، وخاصة فئة كبار السن الذين تحول أوضاعهم الصحية دون الخروج من منازلهم، فتُبعد الزيارة عنهم الشعور بالوحدة وتشعرهم ببهجة الشهر الفضيل. وتتقوى أواصر أفراد المجتمع بزيارات المشاهرة، وتنبذ الخلافات، وتساهم في الترابط الأسري، وتخلق هذه الزيارات جوًّا من المحبة والمودة والألفة والتقارب بين أفراد المجتمع. وفي بعض الأحيان تقام في المجالس الأناشيد الدينية والأذكار المرحبة بقدوم الشهر. فتُقرأ قصيدة الحبيب علي بن محمد الحبشي (1843-1915):
«مرحبا شهر رمضان المعظم مقامه
مرحبا مرحبا شهر الرضا والكرامة
شهر رمضان حيا به وصل بالكرامة
فيه يا إخواننا كلين يبلغ مرامه
والمقاصد تتم في ذه ويوم القيامة
والمعونة تقع من ربنا والسلامة»
بعد قراءة الأناشيد يتم توزيع الحلوى العُمانية والقهوة على الحاضرين، ويستمر اللقاء أحيانًا إلى موعد السحور.
تدل هذه العادات على أن شهر رمضان لم يكن شهرًا طقسًا لممارسة الشعائر الدينية المعروفة كالصيام والقيام وقراءة القرآن، بل شعيرة دينية يُعظمها الناس وترتبط بها عادات اجتماعية وثقافية تسبق موعد حلول الشهر المبارك؛ إذ يبدأ الاستعداد له ماديًا ومعنويًا. ماديًا عبر توفير الأطعمة والمأكولات، ومعنويًا عن طريق تهيئة النفوس لاستقبال شهر البركات بالدعوات والتهليل وتنظيف البيوت والأغراض والأدوات. وبعد حلول الشهر تبدأ ممارسة العادات المرتبطة برمضان كالإفطار في صحون المساجد، وتبادل الأطعمة بين الجيران، وكذلك الإفطار الجماعي في الأحياء والحارات، أو الاعتكاف في المساجد في العشر الأواخر من الشهر لقراءة القرآن وصلاة الفروض والسنن كالتراويح.
آمل أن تتطور عادة المشاهرة وتُعمم على بقية محافظات سلطنة عمان، وتُتبنى من قبل المؤسسات المعنية برعاية فئة كبار السن والمرضى، فتتم زيارتهم في أماكن إقامتهم، وكذلك زيارة المرضى ممن تتحمل ظروفهم الصحية استقبال الزوار والدعاء لهم بالشفاء والتعافي. وبذلك تتم استدامة عادة اجتماعية حسنة، وإحياء سنة من سنن أسباب الدخول إلى الجنة.
إن استمرار وديمومة العادات المرتبطة بالمناسبات الدينية كالمشاهرة وغيرها يدل دلالة على تمسك العُماني بعاداته الحميدة والحفاظ عليها، وتنم عن رسوخ القيم الأصيلة والأخلاق في نفوس أصحابها. فهذه العادات المتوارثة يُكتب لها البقاء نظرًا لقيمتها الروحية والمعنوية في ذوات ممارسيها.
محمد الشحري كاتب وروائي عُماني