أكثر ما يختفي في لحظات الحروب هو الوضوح. تبدأ الحرب بهدف معلن، ثم تتناسل الأهداف: حديث عن الردع، ثم عن العقاب، ثم عن إعادة تشكيل التوازنات، وأحيانًا عن تغيير الأنظمة. ومع كل مرحلة يبتعد الصراع أكثر عن النقطة التي بدأ منها. ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يحمل ملامح هذا المسار بدقة مقلقة.

المفارقة أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران اندلعت في لحظة كانت فيها قنوات التفاوض ما تزال تعمل. وهذه الحقيقة وحدها تثير سؤالا لا يمكن تجاهله؛ فالحروب- في العادة- تُقدَّم باعتبارها الخيار الأخير عندما تستنفد السياسة أدواتها. أما عندما تبدأ الحرب بينما لا تزال الدبلوماسية تتحرك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يصبح واضحًا: ما الهدف الحقيقي من هذه الحرب؟

لكن الحروب، بطبيعتها، لا تبقى داخل الحدود التي تُرسم لها في البداية. الرد الإيراني الذي شمل استهداف مواقع في دول أخرى في المنطقة يوضح كيف يمكن للصراع أن يتمدد سريعا خارج ساحته الأصلية. وعندما يحدث ذلك، تتحول الأزمة من مواجهة بين أطراف محددين إلى تهديد يطول بنية كاملة من الأمن الإقليمي.

دول الخليج، التي تقع في قلب هذا التوتر الخطير، ليست مجرد جغرافيا مجاورة، إنها جزء من شبكة الطاقة والتجارة العالمية. ما يجري فيها لا يبقى داخل حدودها، بل يمتد أثره مباشرة إلى أسواق النفط وإلى خطوط الإمداد وإلى الاقتصاد العالمي بأسره.

في هذا السياق جاءت كلمة سلطنة عُمان أمام الاجتماع الوزاري العربي محاولة لإعادة وضع الأزمة في إطارها الأوسع. فالمسألة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختبار لقدرة المنطقة على منع الحرب من التحول إلى واقع دائم يترسخ في بنيتها السياسية والأمنية.

لم ينشغل الموقف العماني في هذه الحرب بلغة الاتهامات المتبادلة، وسعى إلى رسم حدود واضحة للصراع. فالهجمات على إيران وُصفت بأنها حرب غير قانونية، والرد الإيراني الذي طال دولا عربية هو أيضا اعتداء على سيادة تلك الدول. وهذه المقاربة لا تقوم على الحياد بين الأطراف بقدر ما تقوم على مبدأ واحد يتمثل في رفض توسيع الحرب، أيا كان مصدرها.

ويعكس هذا الموقف قراءة أعمق لتجربة المنطقة مع الحروب خلال العقود الماضية. فكثيرا ما تبدأ الحروب في الشرق الأوسط باعتقاد راسخ أن القوة قادرة على فرض ترتيب جديد. لكن التجربة أثبتت مرارا أن الحروب قد تغيّر الوقائع العسكرية بسرعة، لكنها أبطأ بكثير في بناء نظام سياسي قادر على الاستمرار بعد توقف القتال. وغالبا ما تترك وراءها فراغات سياسية وأمنية تفتح الباب لصراعات جديدة.

من هنا تبدو الدعوة التي أشار إليها وزير الخارجية معالي السيد بدر البوسعيدي لاتفاق إقليمي لعدم الاعتداء محاولة جادة للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء قواعد تمنعها. فالأمن الإقليمي لا يمكن أن يستمر قائمًا على توازن الخوف وحده. يحتاج إلى ترتيبات سياسية تعترف بالمصالح المتبادلة وتضع حدودًا واضحة لاستخدام القوة.

والتاريخ يعلم أن الحروب تبدأ عادة بسهولة أكبر بكثير مما تنتهي به. وما يواجهه الشرق الأوسط اليوم هو خطر الانزلاق إلى صراع قد تتسع حدوده بسرعة تفوق قدرة أي طرف على السيطرة عليه. في مثل هذه اللحظات لا يكون دور السياسة الاستغراق في ضجيج الحرب، دور السياسة الحقيقي هنا هو إعادة التذكير بأن الدبلوماسية -رغم بطئها وصعوبتها- تظل الطريق الوحيد القادر على منع الحروب من التحول إلى قدر دائم للمنطقة.