بيروت- وفاء عواد
وفي اليوم السابع، لم تسترح الحرب الإسرائيلية على لبنان، بل بلغت، باتساع دائرتها وتشابك جبهاتها، درجة الغليان، إذْ حوّلت الآلة الحربيّة أرض الضاحية الجنوبية لبيروت التي خلت من ساكنيها، ومعها محافظات الجنوب والبقاع، إلى حقل تجارب فوق الأجساد والأرواح والممتلكات.
وبين جولات وموجات الغارات الإسرائيلية المتصاعدة والمتنقلة بين الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وما يعلنه "حزب الله" عن إطلاق صليات صاروخية في اتجاه إسرائيل، إستقرّ المشهد السياسي الداخلي على أعلى درجات سلّم الميدان، وخصوصاً أن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، وجّه تهديداً مباشراً الى رئيس الجمهورية والحكومة، داعياً أياهما الى المباشرة بنزع سلاح "حزب الله" قبل أن تفعل إسرائيل المزيد.
أما من تصعيد الميدان وتطوّراته، فلم يتمّ الحديث سوى عن مبادرة "يتيمة"، هي المبادرة الفرنسيّة التي عرضها الرئيس إيمانويل ماكرون على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، تقوم على مبدأ وقف الأعمال العدائية بين الطرفيْن، إسرائيل و"حزب الله"، مقابل أن تتعهّد الحكومة اللبنانية باتخاذ إجراءات عمليّة سريعة لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. إلا أن المسعى الفرنسي المستمرّ، وبحسب ما يتردّد، لم يلقَ صداه إسرائيلياً حتى الآن.
وفيما عدّاد العدوان الإسرائيلي على لبنان سجّل سقوط 394 شخصاً، بينهم 83 طفلاً، بالإضافة الى 1130 جريحاً، وفق إعلان وزير الصحّة العامّة ركان ناصر الدين، فإنّ ثمّة أجواءً سياسية تشير الى أن الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي شهدت أوسع عمليّة تفريغ سكّاني فرضتها إسرائيل، ليست سوى الفصل الأول في حرب أكثر تعقيداً، تُرسم ملامحها على إيقاع طويل، فيما الضغوط الإسرائيليّة على لبنان، سياسياً وعسكرياً، لا تستهدف فقط تحجيم "حزب الله" وإنهاء دوره، كما يتردّد، بل تتجاوز ذلك الى محاولة فرض تحوّل جذري في هويّة لبنان نفسه ودوره في المنطقة. ولعلّ أشدّ ما أثار القلق، مع طيّ الحرب الأخيرة أسبوعها الأول اليوم، أن طريق إستقراء الإحتمالات والتقديرات والسيناريوات الأكثر واقعية بدا شبه مقفل، لأنّ الجولة الأولى من هذه الحرب، ووفق القراءات المتعدّدة، تنذر بجولات مفتوحة من دون قدرة على التحكم بأيّ أفق تقريبي لطبيعة نهايتها وموعدها.
أما على المقلب الآخر من الصورة، فكلامٌ عن أن الإحتمالات باتت مفتوحة على أكثر من مسار، وذلك بدءاً من حرب قصيرة تُفرض فيها تسوية سريعة، مروراً باستنزاف طويل يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية، ووصولاً الى فصل مسارات الجبهات بين إيران ولبنان، في حال نضوج تسوية ما في الكواليس الدولية.
وما بين المشهديْن، حيث طوى العدوان الإسرائيلي على لبنان يومه السابع، اليوم، بمزيد من التوسّع والتدمير والمجازر، فإن لسان حال اللبنانيين لم يعد يردّد سوى سؤال "يتيم"، ومفاده: كم ستطول الحرب بين لبنان وإسرائيل؟
"هدنة".. أم "معركة كسْر عظم"؟
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، لفت رئيس الوفد المفاوض على تطبيق القرار 1701، اللواء الركن المتقاعد د.عبد الرحمن شحيتلي الى أن تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخير، والذي تضمّن طلباً من الحكومة اللبنانية بالإسراع في نزع سلاح "حزب الله" يعني "أننا ربما نكون ذاهبين الى هدنة"، و"لكنْ، هل هذه الهدنة على غرار الهدنة التي كانت تُعطى لأهل غزّة، بغية التحضير لمرحلة أخرى؟"، يسأل شحيتلي، خاتماً: "لننتظر ونرى".
من جهته، أشار الخبير العسكري والإستراتيجي، العميد الركن د.حسن جوني، الى ضرورة استبدال السؤال الآنف الذكر، بسؤال أكثر شموليّة، ومفاده: كم ستطول الحرب في الشرق الأوسط؟ عازياً السبب الى كون الحرب الإسرائيلية على لبنان إندلعت في سياقٍ متماهٍ مع الحرب المشتعلة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية. ولذلك، وبحسب قوله لـ"عُمان"، يجب رصد الشكل الذي ستنتهي فيه الحرب المفصليّة في الشرق الأوسط، وأيّ نتائج ستترتّب على نهايتها، وعليه "يُفهم ماذا سيحصل في لبنان". ذلك أن فصل قضية لبنان عن قضية إيران تعني، بحسب تعبيره، أن "إسرائيل تخوض الآن حرباً حاسمة في لبنان، هدفها الأساسي القضاء على حزب الله"، فيما الأخير"سيقاتل في هذه المعركة الوجوديّة حتى الرمق الأخير"، مع ما يعنيه الأمر من أن الواقع يشير الى "معركة كسْر عظم"، وفق تعبيره. وبالتالي، فإن حسْم هكذا معركة "غير تقليديّة"، ومع "منظمة غير دولاتيّة (أي حزب الله)"، يبدو "صعباً"، إلا إذا حصل اجتياح إسرائيلي ساحق لمعظم المناطق اللبنانية، مع مطاردة عناصر "حزب الله" وتفتيش المواقع كافّة، و"عندها، تنتهي الحرب بهذا الشكل".
أما في حال لم يحصل هذا السيناريو، وأبقت إسرائيل على ضرباتها الجويّة، فإن "حزب الله" لن ينتهي، وسيبقى يشكّل تهديداً لإسرائيل، والأخيرة لن تقبل، وبالتالي "لن تنتهي الحرب"، و"المواجهة ستبقى مفتوحة" لأجل غير مسمّى، إلا في حال رست المواجهة بين إيران وإسرائيل على تسوية ما، حيث "لا بدّ أن تشمل لبنان" بمفاعيلها.
وما بين حدّي "الهدنة" المتوقعة، و"معركة كسر العظم"، باتت المجازر التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي، والتي تتكشف صورها تباعاً، الى جانب موجات النزوح التي تجاوزت النصف مليون شخص، أحد أبرز ملامح الحرب الدائرة في لبنان. وعليه، يؤكد العميد الركن المتقاعد بسام ياسين أن لا أحد يستطيع التكهّن بمدى استمرار الحرب بين لبنان وإسرائيل، لأن الموضوع متعلّق، بالدرجة الأولى، بـ"قدرة حزب الله على الصمود، وتحقيق أهدافه بمنع إسرائيل من القيام باجتياح برّي"، كما بـ"طول أمد الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران"، متوقعاً استمرارها شهراً إضافياً على الأقلّ، وذلك الى حين أن تقول إيران أو إسرائيل "كفى".
وفي الإنتظار، فإن ثمّة معطيات تشير الى أن "حزب الله" لن يناقش وقف عملياته العسكريّة قبل أن يلمس أن إسرائيل بدأت تدفع الثمن غالياً في الميدان. وعندها فقط، سيكون مستعدّاً لفرض معادلة تفاوض مباشر معه، مع ما يعنيه الأمر، وفق أوساط مقرّبة منه، من كون الحرب تبدو مرشحة لأن تكون طويلة، وخصوصاً أن الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، ربط صراحةً نهاية انخراط الحزب في القتال بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، واضعاً سقفاً واضحاً للمعركة الدائرة حالياً.