"عُمان": لا يمكن قراءة الحرب الجارية على إيران في سياق عسكري خالص. فمنذ الأيام الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية، بدا أن كثافة الضربات وسعة الأهداف تخفيان سؤالا أكثر خطورة من سؤال النجاح الميداني: ما الذي يُراد تحقيقه سياسيا بعد كل هذا التدمير؟ قد يكون من السهل قصف القواعد، واغتيال القيادات العسكرية والأمنية، وشل شبكات الاتصال الداخلية والخارجية.. لكن الأصعب هو أن تشرح واشنطن، بوضوح وانضباط، كيف سيبدو اليوم التالي إذا كانت المعضلة الأصلية التي بررت الحرب هي منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي. وهنا تتكشف الأزمة الحقيقية في المقاربة الأمريكية، حيث تستخدم القوة من دون فكرة سياسية متماسكة.
ما يمنح هذا السؤال ثقله أن البرنامج النووي الإيراني كان، على مدى سنوات طويلة، جوهر الخطاب الأمريكي ومركز التبرير السياسي لأي تصعيد محتمل. ومع ذلك، فإن تسلسل الأهداف في الحرب حتى يومها التاسع يوحي بشيء مختلف. فقد انصب التركيز أولا على القيادة السياسية والعسكرية، ثم على البنية الصاروخية والبحرية والأمنية، فيما ظل الملف النووي، بمعناه التقني الدقيق، معلقا بين التصريحات والاحتمالات. وهذا التباين بين المبرر المعلن ومسار العمليات يكشف اضطرابا في تعريف الهدف نفسه. فإذا كانت القنبلة هي الخطر الأعلى، فإن أي حملة لا تجعل تعطيل الطريق إليها أولوية عملية واضحة تكون قد بدأت من مكان آخر، مهما ارتفعت نبرة الحديث عنها.
من هنا لا يبدو النقاش اليوم منصبا على ما إذا كانت إيران قد ضُربت بقوة، فهذا بات واضحا، إنما على ما إذا كانت الحرب قد ضيقت فعلا المسافة بينها وبين الخيار النووي أم وسعتها. صحيح أن الضربات السابقة ألحقت أضرارا بالبرنامج الإيراني، كما تؤكد واشنطن، لكنها لم تغلق المسألة نهائيا. ما زالت هناك مواد مخصبة، وما زالت هناك معرفة تقنية، وما زالت هناك قدرة كامنة على إعادة البناء، أو على الأقل على تقليص الزمن اللازم للوصول إلى مستوى أكثر خطورة. ولذلك فإن الحرب، على شدتها، لم تنتج حتى الآن حلا سياسيا أو أمنيا نهائيا للمسألة التي قيل إنها سببها الأول.
الأخطر من ذلك أن الحرب قد تكون أعادت تشكيل الحسابات الإيرانية بطريقة معاكسة تماما للغرض المعلن منها. فعندما تشعر الأنظمة أن خطرا وجوديا يحيط بها، فإنها تعيد تعريف معنى الردع. وما تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل يرسل رسالة تتجاوز استهداف القدرات إلى استهداف بنية النظام نفسه. وفي مثل هذه اللحظات، قد لا تستنتج النخب التي بقيت داخل دوائر القرار أن عليها التراجع، بل أن عليها امتلاك الضمانة الأخيرة للبقاء. هذه هي المفارقة التي لم تفارق تاريخ الانتشار النووي؛ فالحرب التي تبدأ بذريعة منع القنبلة قد تنتهي إلى جعل القنبلة أكثر إغراء في نظر الطرف الذي يتعرض للتهديد.
لهذا لا يمكن النظر إلى الحرب باعتبارها وسيلة تلقائية لتقليص الخطر. ففي غياب الرؤية السياسية، قد تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاجه بشروط أكثر حدة. فإذا كانت القيادة الإيرانية قد رأت أن شبكة الردع التقليدي لم تمنع استهداف رأس النظام، وأن التفاوض لم يعد يوفر غطاء كافيا، فإن بعض مراكز القوة داخلها قد تصل إلى هذا الاستنتاج القاسي: إن امتلاك قدرة نووية رادعة صار جزءا من منطق البقاء. وعند هذه النقطة، تصنع الحرب مشكلتها الجديدة، إنها تدفع الملف النووي إلى الأمام على نحو يجعل احتواءه لاحقا أكثر صعوبة
ما يضاعف خطورة هذا الاحتمال أن فرضية إسقاط النظام نفسه لا تبدو واقعية؛ فإيران ليست دولة هشة يمكن أن يؤدي استهداف مرشدها أو بعض مراكزها القيادية إلى انهيار بقية أركانها خلال أيام. إيران دولة كبيرة وعميقة البنية، وتتعدد فيها مراكز النفوذ، ومشبعة بعقيدة أمنية تراكمت خلال عقود من الحصار والتهديد والصراع. ولهذا فإن أي رهان على سقوط سريع للنظام بفعل الضربات الجوية وحدها يبدو أقرب إلى الأمنية منه إلى الاستراتيجية. وإذا لم يسقط النظام، وكانت الحرب قد دفعت مراكزه الأساسية إلى الاقتناع بأن البقاء يستدعي قفزة نووية، فإن النتيجة تصبح أن الحرب أحدثت تدميرا كبيرا ولكنها لم تستطع حسم المشكلة التي شنت من أجلها.
وهنا تتكشف الفجوة بين الحرب بوصفها فعلا عسكريا والحرب بوصفها استراتيجية. فالاستراتيجية لا تكتفي بتحديد ما الذي يجب تدميره، بل تحدد أيضا ما الذي يجب أن ينشأ بعد التدمير. أما حين تُترك هذه المرحلة ضبابية، فإن القوة تتحول من أداة حل إلى أداة تأجيل، وربما إلى أداة تفاقم. وفي الحالة الإيرانية، يزداد الأمر تعقيدا لأننا لا نتحدث عن منشآت معزولة فقط، بل عن دولة تملك موادا شديدة الحساسية، ومعرفة تقنية متراكمة، وبنية مؤسسية يمكن أن تعيد التكيف حتى تحت الضغط. وهذا ما يجعل الحديث السهل عن "اليوم التالي" أقرب إلى الشعار منه إلى الخطة.
وكان يمكن لهذا الارتباك أن يبدو أقل حدة لو أن المسار السياسي قد استنفد نفسه تماما. لكن ما سبق الحرب مباشرة يروي قصة مختلفة. فقد بقيت المفاوضات مفتوحة، وبدا أن هناك مساحة لم تنغلق كليا بعد، رغم عمق الشكوك. لكن مجرد وجود مسار سياسي قائم كان يعني أن البديل العسكري لم يكن حتمية مطلقة. والضربة التي تلت ذلك جعلت السياسة تبدو كأنها لم تُمنح وقتها الأخير، وجعلت الحرب تبدو، في أحد وجوهها، انتقالا من عملية غير مكتملة إلى أخرى أكثر خطرا وأقل وضوحا.
من هنا يبدو المأزق الأمريكي أكثر تعقيدا مما توحي به كثافة الضربات. فواشنطن لم تحسم أمرها بعد: هل تريد صفقة قسرية مع إيران؟ أم تريد شللا طويل الأمد؟ أم تراهن على إنهاك النظام تمهيدا لانهياره؟ أم أن الأمر لا يتجاوز إظهار القوة وفرض وقائع جديدة عبر التصعيد العسكري؟ وسط هذه الأهداف المتزاحمة، يغيب المسار المنطقي الذي يربط الوسيلة بالغاية. ولهذا تتكاثر الأثمان، وتتضخم الشكوك، ويبقى معيار النجاح نفسه غامضا.
وإذا بقي البرنامج النووي هو الهدف الأهم للحرب، فإن هذا المستوى من التوسع في الاستهداف العسكري، من دون تصور سياسي منضبط لليوم التالي، قد ينعكس سلبا على الهدف المعلن نفسه. فالمشكلة لا تعود فقط في أن الضربات لم تُنهِ خطر الانتشار، بل في أنها قد تعيد تشكيله على نحو أشد تعقيدا. ذلك أن انهيار الدولة، لو حدث، لا يضمن السيطرة على المواد الحساسة أو على المعرفة المرتبطة بها، بل قد يفتح الباب أمام نسخة شديدة الفوضى وأقل قابلية للاحتواء من الخطر القائم.
لهذا كله، فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس أن تفشل في إنهاء المشكلة التي انطلقت بسببها، ولكن أنها قد تعيد تعريفها على نحو أكثر قسوة. فبدلا من أن يصبح السلاح النووي عبئا سياسيا على الدولة الإيرانية، قد يصبح، تحت وقع الحرب واتساع الاستهداف، جزءا من منطق البقاء نفسه. وعندها لا تكون الحرب قد أغلقت الباب على الخطر، بل تكون قد دفعت إليه. وهذه هي المعضلة التي تجد واشنطن نفسها أمامها الآن، فهي لا تملك تصورا سياسيا يمنع ما بعد الضربات من أن يكون أكثر خطرا من كل ما سبقها.