في بداية التسعينيات وبينما كنت ما أزال طالبًا في الجامعة، وفي الوقت نفسه مستمعًا جيّدًا للإذاعة، ظهرتْ لدي هواية تسجيل البرامج الثقافية في أشرطة كاسيت عبر جهاز تسجيل كبير. وكان أحد هذه البرامج المحببة إلى قلبي، والتي أنتظرها يوميًّا على أثير إذاعة سلطنة عُمان لأسجلها، برنامج «إن من الشعر لحكمة» للدكتور أحمد درويش، المقيم في عُمان في تلك الفترة، والذي سرد فيه عبر ما يقارب مائة حلقة حكاية شاعر العربية الكبير أبي الطيب المتنبي وأشعاره بشكل مشوق ومحبب. سأعرف بعد ذلك بسنوات أنه كان من التمكن بحيث يستطيع تسجيل عشر حلقات كاملة (مدة كل منها نحو عشر دقائق) في جلسة واحدة، بشكل أقرب إلى ارتجالي، دون أن يَلْحَن في اللغة، أو يتلعثم في النطق، رغم أنه لم تكن في الأوراق التي أمامه على طاولة الاستوديو سوى رؤوس أقلام صغيرة.

مرت السنوات وغادر أحمد درويش عُمان في مطلع الألفية الجديدة بعد أن قضى فيها سنين طويلة من العمل الثقافي، أستاذًا للأدب العربي في كلية الآداب بجامعة السلطان قابوس، وعميدًا لها بين عامَي 1996 و1999، ثم مستشارًا لرئيس الجامعة للشؤون الثقافية والإعلامية من 1999 حتى 2001. وأثناء ذلك خصّ الأدب في عُمان، قديمه وحديثه، بعدد من كتبه النقدية، ومنها «ابن دريد رائد فن القصة القصيرة»، و«مدخل إلى دراسة الأدب في عمان»، و«تطور الأدب في عُمان»، إضافة إلى مشاركته في الكثير من اللجان العلمية، ومنها اللجنة التي أصدرت ترجمة موسوعة «تاريخ الخليج» بجامعة السلطان قابوس، واللجنة العلمية لموسوعة أرض عُمان.

وإذا كان من يشرب من مياه النيل سيعود إلى مصر حتمًا، كما يخبرنا المثل المصري، فإن من يرتشف القهوة في «السبلة» العُمانية لا بد أن يعود إليها كذلك، ولذا؛ لم تنقطع زيارات درويش لسلطنة عُمان، وفي إحداها -وكانت في عام 2008 - أجريتُ معه حوارًا إذاعيًّا حول مسيرته الأكاديمية والنقدية بدا فيه في كامل حيويته الفكرية وصفائه الذهني، إذ تحدث عن البدايات الأولى لعلاقته باللغة العربية، التي تشكّلت في طفولته في إحدى القرى المصرية، حين كان «الكُتّاب» بوابته الأولى إلى عالم القراءة والمعرفة. أخبرني أنه لم يبلغ العاشرة من عمره بعدُ عندما أنهى القرآن حفظًا، فاستقام لسانه منذ تلك الفترة المبكرة، وصُقِلتْ أذنه اللغوية، وتكوّن حسه الجمالي تجاه النص العربي، وهو ما رافقه لاحقًا في دراسته الجامعية بكلية دار العلوم في القاهرة، ثم في رحلته العلمية إلى جامعة السوربون في باريس حيث حصل على الدكتوراه في الأدب المقارن، بدراسته لشاعر القطرين خليل مطران الذي رأى فيه نموذجًا للتفاعل بين الثقافتين العربية والفرنسية، فدرس جذور تجربته الشعرية في الرومانسية الفرنسية، متتبعًا أثرها في تشكيل رؤيته الجمالية واللغوية. كما تحدث عن كتابه «الاستشراق الفرنسي والأدب العربي»، مبينًا أن النظر إلى الاستشراق لا ينبغي أن يقوم على أحكام عامة أو مواقف مسبقة، لأن بين المستشرقين من قدّم خدمات جليلة للتراث العربي، من خلال جمع المخطوطات وتحقيق النصوص وإرساء مناهج علمية لدراسة الأدب العربي، مستشهدًا بجهود المستشرق الألماني كارل بروكلمان في كتابه «تاريخ الأدب العربي».

وأذكر أنني شاكستُه بسؤال عن «النقاد الأكاديميين» الذين يتهمهم المبدعون بأنهم يحفظون القواعد والتنظيرات لكنهم غير قادرين على مواكبة الإبداع والكتابات الجديدة، فكانت إجابته أن بعض شباب المبدعين يتعجلون أن يَلتفت إليهم النقدُ وأن يضع أعمالهم تحت المجهر قبل أن تنضج تجاربهم، وأن النقد في كل آداب العالم يتكوّن أساسًا من قراءة الإبداع الناضج، وقواعده ليست جامدة، لكنها لا تتغير كل يوم مع كل نص جديد. وذكّرني بأن كتبه النقدية، مثل «الكلمة والمجهر» و«متعة تذوق الشعر» و«تقنيات الفن القصصي»، قامت أساسًا على قراءة تطبيقية لأعمال معاصرة لكتاب كبار، وصولًا إلى بعض الأصوات الجديدة. لكنه أشار أيضًا إلى أن المشكلة أن كثيرًا من المبدعين يريدون النقد سريعًا، ويريدونه في الوقت نفسه مؤيدًا لهم، بينما النقد الحقيقي حوار طويل يقوم على الأخذ والرد حتى تستقر التجارب وتدخل «غرفة الدراسة»، على حد تعبيره.

وكان من الطبيعي أن أسأله عن تجربته الطويلة في سلطنة عُمان فأجابني أن السنوات التي قضاها هنا كانت من أكثر الفترات تأثيرًا في حياته العلمية والثقافية، لأنها أتاحت له الاقتراب من المجتمع العماني وثقافته، وهو ما يتجلى في الكتب التي ذكرتُها قبل قليل، وفي برامجه الإذاعية والتلفزيونية. إذْ قدّم على مدار سنوات عددًا كبيرًا من البرامج الثقافية في الإذاعة والتلفزيون، منها عدا «إن من الشعر لحكمة» الذي تحدثتُ عنه في بداية هذا المقال - «إن من البيان لسحرًا»، و«من كنوز الثقافة الإسلامية»، و«روائع الأدب»، و«قرأت لك»، وهي برامج امتدت إلى مئات الحلقات، إضافة إلى برنامجيه في تلفزيون سلطنة عُمان: «شعاع الحضارة» و«في رحاب المكتبة». وكان يقول وهو يستعيد تلك المرحلة بامتنان: «هذه الحلقات كنت أصنعها وأنا في قلب عمان، لكنني عندما انتهيت منها أصبحتْ عُمان في قلبي».

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني