لا تعتقد يومًا أن البشر جميعهم متشابهون في كل شيء، فالوجوه التي تراها ضاحكة باسمة ربما تخفي بداخلها ملامح أخرى غائبة عن مجالات تفكيرك، وليس من السهولة بمكان معرفة ما تحجبه من أشياء لا يمكن معرفتها بمجرد النظر أو التخمين.
ما يعنينا كثيرًا هو أن بعض الوجوه التي تبدو أمامنا بخير قد تخبئ وراءها ألمًا وحزنًا عميقًا، وأحيانًا بعض الوجوه اللطيفة تخفي بداخلها خبثًا ومنظرًا قبيحًا.
فهناك بشر يتقمصون باحترافية شديدة أدوارهم التراجيدية وأدوارًا ليست أدوارهم الأصلية، كمثل الذي يقدم نفسه للآخرين على أنه "الضحية" دائمًا، فكل تقاسيم وجهه مكسوة بالحزن، لكن هذا الوجه لا يتطابق مع الواقع، بل هو ستار يخفي وراءه أشياء أخرى ذميمة.
كثرة المفاجآت والصدمات تفقدنا بعضًا من التوازن النفسي وتسبب لنا الحيرة غير المبررة، وتدخلنا أحيانًا في متاهة الاحتمالات والتوقعات، ومع ذلك تكون أحكامنا غير عادلة، لأن اختلاط الزيت بالماء لا يدع لنا مجالًا لرؤية صفاء الماء الذي نعرفه، ولا الماء يجعلنا ندرك بأن الزيت خالص نقي!
لقد استوقفتني مقولة انتشرت كثيرًا بين المدونين والكتاب تقول: "ما أجمل أن نعيش على طبيعتنا، فلا نرهق غيرنا باكتشاف اختلافنا، ولا نرهق أنفسنا بإخفاء حقيقتنا".
والمعنى أننا مطالبون كبشر أن نتخلى عن فعل التكلف والتصنع، بل إظهار الواقع كما هو دون "رتوش أو تزييف أو تجمل"، لأن اكتشاف الآخر لنا بعكس ما نبدو في ظاهرنا قد يسبب له شيئًا من الغيظ والألم والمفاجأة.
البشر خلقهم الله تعالى ولهم وجوه ظاهرة وأخرى مخفية، فالحقائق تظهر أحيانًا في أوقات متفرقة، ولهذا نصاب بحالة من الذهول جراء هذا التحول المضطرد ما بين "السكون والضجيج" الذي هو جزء من التكوين الداخلي للكائن البشري، ولهذا أحيانًا لا نفرق بين شخص صادق وآخر يتلون حسب المكان الذي يوجد فيه.
في مجالات تعاملاتنا اليومية، تدعونا الحاجة إلى الحرص على حسن المعاملة مع الجميع وليس جنسًا دون آخر، ولهذا يمنحنا المثل العربي القديم شيئًا من التمهل: "اتق شر الحليم إذا غضب"، وهذا يعني أن الشخص الحليم، أي الذي تجده متجلدًا متصالحًا مع نفسه والآخرين، والذي يمتلك قدرة عجيبة على التحكم في انفعالاته النفسية، قد تتحول طباعه الهادئة إلى عكس ما يظهر عليه "عندما ينفد صبره عن المعقول"، فيصبح غضبه قويًا وشديدًا لأنه لم يكن ضعفًا بل اختيارًا ذاتيًا تمسك به لوقت طويل، لهذا تكون ردة فعله التالية مدمرة للمستفز الذي حاول إخراج الوجه الآخر المخفي عنه.
بالمختصر، "الحلم ليس ضعفًا إنسانيًا" هي حقيقة متفق عليها بين الكثير من الناس، وليس كما يظنها البعض "انهزامًا وخوفًا"، بل الحلم قوة مضبوطة وليس ضعفًا، فالشخص الحليم يختار الصفح والتسامح لأنه يرى فيه سموًا وكرامة يجب أن تسود في المجتمع، لكنه يخرج عن طوره عندما لا يجد المكانة التي يستحقها من الآخرين.
أما وإن كان "الصبر له حدود ونطاق معين"، فهذا يعني بأن لكل إنسان على وجه الأرض طاقة وقدرة على الاحتمال، والحليم ليس معصومًا من أن يبلغ صبره حد النفاد فيصبح ذو وجه غاضب قد لا يُرى طيلة سنوات طويلة، لكن هذا الظهور أصبح حتميًا.
فهذا الغضب الذي نراه للمرة الأولى يكون عبارة عن "قوة متراكمة" كانت كنار خامدة تحت الرماد، وعندما يشتعل قلب الحليم يكون أشد وأقوى من أي غضب عادي يمكن أن نراه يوميًا في بعض الأماكن التي نرتادها.
عندما تظهر الوجوه المخفية عند البعض تكون العواقب وخيمة، لأن استفزاز القلوب يوصل البعض إلى مرحلة الغضب الجامح، عندها يواجه المستفزون له قوة تصدر من الشخص الذي أمامهم لا يتوقعونها.
لذلك من الضروري أن نعي بأن البشر الذين نقابلهم وتبدو عليهم علامات اللطف والطيبة يجب أن نكون حذرين من بعثرة مشاعرهم أو الاستهانة بهم، لأن صبرهم ليس ضعفًا، بل هو قدرة على التحمل تبلغ في النهاية حدًا لا يمكن تجاوزه.