عهود بنت سلمان القاسمي

يوم بعد آخر يثبت لنا الذكاء الاصطناعي -بما لا يدعو للشك- بأنه أداة «سهلة» لتزييف الحقائق؛ إذ أصبح من الصعب جدًا التفرقة بين المحتوى المزيف والمنشور باستخدام تقنيات التزييف العميق والمحتوى الحقيقي والأصلي، خاصة وقت الأزمات.

وفي وقت الحروب، يبحث الناس عن المعلومة التي يريدون معرفتها من أماكن متفرقة، لكنهم لا يتريثون قليلًا قبل نشر الأخبار التي تصلهم بحجة أنهم يريدون المعرفة بالشيء لا أكثر من ذلك، أما التحقق من صدق المعلومة أو زيفها فهذا شأن آخر.

وهذا الأمر أوجد حالة من الجدل الواسع ما بين شخص «مصدق» لما يراه ويسمعه، و«مكذب» عندما يتأكد من عدم مصداقية ما وصل إليه، سواء كان عبارة عن مقطع مرئي أو سمعي.

حبال العاطفة البشرية لا تنقطع بسهولة، بل تظل جزءًا معلقًا بالأمل الكاذب المتدلي من سقف السماء، لذا لا تتعجب أبدًا عندما تكتشف أن البعض يستميت في دفاعه عن أشياء واهية وصلت إليه، ويجزم بأنها الحقيقة الكاملة ولا يتقبل فكرة أن ثمة غشًا إلكترونيًا عبث في تفاصيل الحكاية الأصلية، وأصبح أمامه سيناريو معدل.

البشر -باختلاف ثقافاتهم وانتماءاتهم واتجاهاتهم- يميلون إلى تصديق ما يمكنهم رؤيته وسماعه، حتى وإن كان ذلك مجرد أوهام، فتقبل مخالفة الآراء هو نهج يأخذ صفة متنحية وليس سائدًا.

لقد تم استغلال الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن على حسابات غير التي وُجد من أجلها، بمعنى أوضح أن كل مقطع مصور يخدم غرضًا مختلفًا عن الآخر.

ورغم التهافت العالمي على استخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أن الأحداث المتتالية التي يشهدها العالم تدل على أن ثمة وجهًا آخر خفيًا يبدو أكثر بشاعة من الصورة التي نراها متجلية أمامنا عندما نتابع مقطعًا مضحكًا.

ترى، لماذا يكره البعض هذه الثورة التكنولوجية الحديثة؟

في كثير من الأحيان، ينبع سلوك الرفض والكراهية من القلق أو الخوف من المجهول، وربما يكون نتيجة خيبة أمل واكتشاف الأمور على حقيقتها، حتى وإن فات الأوان. فالتلاعب بالحقائق والتظليل المتعمد لواقع الأمور يمثل أمرًا مخزيًا؛ لأنه يخالف التوقعات ويبدد الأمنيات، ويترك الإنسان في مواجهة صدمة الواقع بعكس ما تصوره أو توقع.

في السابق، كانت الجرائم التقليدية واضحة في جميع زواياها، أما اليوم، ومع انتشار التزييف باستخدام الذكاء الاصطناعي، أصبح اكتشاف الأمور أكثر صعوبة، لذلك أدرك الناس أن نقل معلومات كاذبة باستخدام مقاطع مزيفة يمثل خطرًا واسع المدى على استقرار الأوطان والمجتمعات، ويجعل المتلقي يغرق في بحر لا يعرف له قرارًا.

أجمع المختصون على أن «الذكاء الاصطناعي» انحرف كثيرًا عن هدفه الأسمى والأجمل، وأصبح أداة جرم ودمار لا يأمن من عاقبته أحد. فتجسد تقنيات «التزييف العميق» المعنى الحرفي لمفهوم أن الذكاء الاصطناعي هو «سلاح ذو حدين». كيف ذلك؟

من خلال خصائص وامتيازات الذكاء الاصطناعي، استطاع «المخربون» استخدام نوع من البناء التقني في إيجاد بعض التصورات الخيالية، سواء كانت «مضحكة أو ممتعة»؛ لجذب أنظار الناس، خاصة في البرامج المسلية وغيرها. إلا أن الوجه القبيح ظهر على يد أعداء البشرية الذين يحاولون بشتى الطرق زعزعة روح الاستقرار وبث الرعب في قلوب الآمنين.

تفاصيل كثيرة تنتشر عبر المواقع الإلكترونية تخبرك بشيء تصدقه في الوهلة الأولى، ثم سرعان ما تكتشف المفاجأة بعد إجراء عملية «تمحيص وتدقيق» بأن ما شاهدته هو «سراب وتظليل مفتعل» ولا أساس له على أرض الواقع.

وهناك نماذج كثيرة حول هذه النقطة، خاصة في أوقات الحروب والأزمات، حيث يتم استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره هدفًا مباشرًا يخترق أذهان الناس ويشغلهم بأشياء ليست حقيقية.

لقد استطاع الذكاء الاصطناعي، من خلال أدواته «التخريبية»، أن يؤثر على عقلية البشر ويوجههم بعيدًا عن الواقع.

وربما الشيء اللافت للنظر هو مدى الدقة والكفاءة التي يقدمها هذا العلم في رسم القصص الخيالية وربطها بالواقع.