- ما صحة حديث «زمزم لما شرب له» وهل خاصية ماء زمزم في مكة فقط، وهل إذا طلع من مكة فقد خاصيته؟
نعم، حديث صحيح، وهو مشهور، واختلف في معانيه، أي لما يمكن أن يكون الماء سببًا لشفائه وزوال بأسه من الجوانب المادية أو المعنوية، ولا ريب أن لليقين والإخلاص والعوامل الأخرى أثرًا، فقد يكون الشارب من ماء زمزم منغصًا لشربه من ماء زمزم بما تقترفه يداه، عياذًا بالله، مما يسخط الله تبارك وتعالى، فتذهب عنه بركة هذا الماء، كما هو الشأن في الدعاء، قد يدعو ويلح، لكنه غير موقن، أو أنه مخل بشيء من الشروط التي يترتب عليها أثر الدعاء.
فعلى المسلم أن يحسن ظنه بربه تبارك وتعالى، وأن يحسن نواياه، وأن يجعل ما شرعه الله تبارك وتعالى له محل اختبار، هو عليه أن يلج في عبوديته لله تبارك وتعالى في هذه الأبواب والمنافذ والبركات والرحمات التي أودعها الله عز وجل في هذا الدين، وأن يعول على الإخلاص واليقين وحسن النية، والنتائج بيد الله تبارك وتعالى، قد تحصل له في دنياه، قد يؤجل الله تبارك وتعالى له الاستجابة، قد يختار له ربه تبارك وتعالى ما هو خير له، وخيرة الله عز وجل للإنسان خير من اختياره لنفسه، وقد يدخر له ذلك أجرًا وثوابًا في الحياة الآخرة، قد يدفع عنه سوءًا هو لا يعلمه، قد يطلب الشفاء من علة ما، ويجعل الله تبارك وتعالى بسبب نيته تلك وشربه من ماء زمزم دفعًا لبلاء وعلة أعظم مما هو مبتلى به، فعليه أن يحسن ظنه بربه تبارك وتعالى، والله عز وجل يقول: «فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ»، والله تعالى أعلم.
- في قوله تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ» ماذا تفيد هذه الآية، وهل هذا الرزق شامل لكل شيء من علم وصحة وغير ذلك؟
نعم، الآية واضحة في دلالتها: « وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» هو أسلوب حصر، لكن اختلف هل هذا القصر حقيقي أو إضافي، بمعنى: هل كل الحكمة والغاية من خلق الجن والإنس منحصرة في العبادة فقط، أو أن الله تبارك وتعالى خلقهم لغايات أخرى؟ هذا معنى أن يكون القصر حقيقيًا أو إضافيًا.
فمنهم من يقول إن هذا القصر إضافي، بمعنى أن المقصود في هذه الآية الكريمة: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني وحدي، ولا يعبدوا معي أحدًا، ردًا على مزاعم المشركين الذين اتخذوا شركاء وشفعاء في زعمهم يتقربون بهم زلفى إلى الله تبارك وتعالى، وهذا يؤكده ما جاء في الآيات بعد هذه الآية الكريمة: « مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ»، وهذا المعنى حسن مقبول واضح.
وقيل إن القصر هنا حقيقي، فالله عز وجل لم يخلق العباد إلا لأجل عبادته، إذ كل ما في هذه الحياة الدنيا مما يقوم به العباد داخل في معنى العبودية لله تبارك وتعالى، فهم بين شكر وصبر، بين أداء لمفروض أو كف عن ممنوع، أو تقرب إلى الله سبحانه وتعالى بشيء من المباحات مع إخلاصهم وقصدهم ونيتهم لله عز وجل، « أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ»، قال: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ».
فلا تناقض بين كون الحصر هنا حقيقيًا أو إضافيًا، أي أن تكون الغاية من خلق العباد الجن والإنس العبادة، أو أن يكون المقصود عبادة الله وحده تبارك وتعالى، أن يكون القصر إضافيًا ويقال: قصر الموصوف على الصفة، لأن المؤدى واحد.
- ما الذي جعل بعض العلماء يقولون إن الجن والإنس خلقوا لغايات أخرى؟ ما هي هذه الغايات؟
هم ذكروا غاية التقوى، لما يأتي ربنا تبارك وتعالى ويأتي في آيات الصيام على سبيل المثال ويقول في آخرها: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، إذاً أي لكي تتقوا، إذا الغاية من هذه العبادة التقوى، حينما يأمر عباده بقوله: «وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ» إذا الغاية من خلقهم التقوى، فيأتي السؤال هنا: هل التقوى شيء غير العبادة، إذاً هي داخلة في معنى العبادة، إذاً العبادة وصف جامع شامل لكل مفردات هذا الدين، فسواء قلنا بأن الحصر حقيقي أو إضافي، المؤدى واحد.
وتكرر القول في هذا البرنامج بأن آيات كتاب الله عز وجل تحمل على اتساع المعاني، فكل هذه المعاني مقبولة حسنة لأنها غير متعارضة، وكلها مقبولة، وكلها يحتملها السياق، فلا حاجة لنا إلى ترجيح أحد الوجهين على الآخر.
بقيت هنا لطيفة أيضًا، ذكر بعض أهل العلم: لماذا قدمت الجن؟ قال: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»، قالوا لأن الجن عند أهل الجاهلية، وفي كثير من المعتقدات، يعظمون ويتقرب إليهم ويتزلف إليهم، فصدروا لبيان أنهم مخلوقون لله تبارك وتعالى لنفس الغاية التي خلق من أجلها الإنس.
وقيل بأن تقديم ذكر الجن لأن الكفر فيهم أكثر، هذا مما ذكره أيضًا المفسرون، وقيل بأن التقديم هنا إنما هو للتوطئة، بمعنى أن هذه الغاية لم تجعل للإنس فقط، بل الجن كذلك، فحتى لا يتعجب المخاطبون في المقام الأول من كشف هذه الحقيقة وبيان هذا المعنى، فإنه صدر لهم، وطئت نفوسهم ببيان أن هناك من الثقلين أيضًا، هناك الجن كلفوا بما كلف به الإنس كذلك، هذه معانٍ أيضًا مقبولة مستحسنة، والسياق كما قلت واضح، والله تعالى أعلم.
- لدي عاملة غير مسلمة في منزلي، بعض الأحيان هذه العاملة تقوم بأخذ المصحف ونقله من مكان إلى آخر للتنظيف، ما حكم لمسها للمصحف؟
في هذه الصورة اتفاق بين أهل العلم أن أهل الشرك لا يصح أن يمسوا المصحف الشريف، يكاد الإجماع حكي في أكثر من كتاب من كتب أهل العلم، هناك خلاف في أهل الأحداث الصغرى من المسلمين، أما من المشركين فأقول: يكاد يكون إجماع أو لنقل اتفاق كلمة الفقهاء على أنهم ممنوعون.
استثنيت بعض الصور من ذلك: تفسير أو ترجمة لمعاني القرآن الكريم، أو أن يرجى دخوله في الدين مع احترامه لكتاب الله عز وجل، ودليلهم، أي دليل أهل العلم في منع المشركين من مس المصحف ومن باب أولى في حمله ونقله من موضع إلى آخر، قول الله تبارك وتعالى: «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» ، وهناك من قال بأن الآية الكريمة إنما هي في الكتاب المكنون في اللوح المحفوظ، لكن نفس السياق في الآيات الكريمة، ربنا تبارك وتعالى يقول: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»، ولذلك فإن الإمام النووي قال: هذا يرد على من يزعم بأن المقصود هو الكتاب في اللوح المحفوظ، لأنه قال: «وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، والتنزيل إنما هو لهذا الكتاب الذي أوحي به، للقرآن الذي أوحي به إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نزل من بيت العزة إلى قلب نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نزل به الروح الأمين.
وهناك أيضًا رواية من أدلتهم، رواية من طريق الكتاب المعروف الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو بن حزم، وفيه: «ألا يمس المصحف إلا طاهر».
وابن عبد البر في التمهيد يقول بأن شهرة هذا الكتاب وانتشاره تغني عن البحث في أسانيده، فمن أجل ذلك لنقل إن المذهب، القول الأسد الأوفق في مثل هذه الصور في هذه المسألة، هو منع غير المسلمين من مس المصحف، وعلى هذا فيلزم رب المنزل أن يقوم هو أو أفراد أسرته بالعناية بكتاب الله عز وجل ونقله والاهتمام به، وأن لا يتركوا عمالهم الكفرة المشركين يمسون كتاب الله عز وجل.
والحقيقة أنه لا يؤمن اليوم، نجد أن هناك توجهًا لقدر كبير من التعصب ضد الإسلام والمسلمين في بلدان كثيرة في القارة الأوروبية، في آسيا، في كثير من البلدان التي لم يعهد عليها فيما مضى هذا القدر من التعصب، فالحذر والاحتياط أولى وأسلم من أن يتعرضوا لكتاب الله عز وجل بشيء من الامتهان أو مما لا يليق به.
وهذه المسألة بالمناسبة، حتى لا يعترض أحد أيضًا، ينظر إليها الفقهاء في كثير من الأحيان استقلالًا عن مسألة نجاسة المشركين: هل هي نجاسة حسية ومعنوية أو أنها معنوية فقط، فحتى الذين يقولون بأن نجاستهم نجاسة معنوية فقط فإنهم أيضًا يقولون في هذه المسألة بأنهم يمنعون من مس المصحف وحمله، وإنما استثنى المعاصرون كما قلت الصورة التي ذكرتها في رجاء دخول أحد منهم إلى هذا الدين، ونحن نتحدث عن المصحف، لا نتحدث عن ترجمة لمعاني القرآن الكريم أو كتاب يكون الأغلب مما فيه هو غير القرآن، غير المصحف، هذا مما يتساهل فيه، والله تعالى أعلم.