في كتاب "موجز تاريخ الجنون" للمؤرخ البريطاني روي بورتر الصادر عن هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة) بترجمة المترجم الأردني ناصر مصطفى، مقاربة تاريخية وسرد ممتع لتاريخ الجنون في الثقافة الغربية عبر 250 صفحة، تنوعت في فصولها ومواضيعها.


يفتتح روي بورتر مقدمته بمقولة لبولونيوس، وهو إحدى شخصيات شكسبير في مسرحية هاملت بقوله:" أليس تعريف الجنون، الجنون بذاته؟!"، ثم يكمل بورتر: "أصاب شيخ شكسبير المتحذلق كبد الحقيقة المرة، أفليس الجنون لغز الألغاز؟!".
انطلاقا من هذه المقدمة وهذا التعريف المقتضب للجنون، ينطلق مؤلف الكتاب في سرد تاريخي للجنون عبر عصوره المتعاقبة.
ينقسم الكتاب إلى سبعة فصول إلى جانب المقدمة والخاتمة، ومن خلال هذه الفصول السبعة يذهب بنا الكاتب في رحلة علمية تاريخية عن كيفية تعامل البشر مع هذه الظاهرة المرضية عبر العصور، بدءاً من التفسيرات الأسطورية وصعودا إلى ما توصلت إليه العلوم الحديثة في سيرورتها وتعاقبها الزمني.


الآلهة والشياطين
في الفصل الأول من هذا الكتاب والذي حمل عنوان "الآلهة والشياطين"، قدم بورتر استهلالا يختزل النظرة الأسطورية القديمة لهذه الظاهرة، ظاهرة الجنون، فقد كانت المجتمعات القديمة تنظر إلى الجنون بوصفه عقابا إلهيا، وقد مهد لهذا الفصل بمقولة للشاعر والمسرحي اليوناني يوربيدس:"إن أولئك الذين تدمرهم الآلهة، تجعلهم، في البداية مجانين"، وهنا يظهر الجنون بوصفه قدرا أو عقابا إلهيا.

وقد استخرج علماء الآثار، كما يشير الكاتب، جماجم ثقبت بآلات صخرية وذلك لاعتقادهم أن هذه الثقوب تساعد على خروج الشياطين من الجسد الذي تلبسته. وتخبر الكتب المقدسة القديمة عن العديد من الأشخاص الذين تلبستهم الشياطين فأحالتهم إلى الجنون البوهيمي شكلا من أشكال العقاب الإلهي، وقد كان كل ظاهرة من ظواهر الاضطراب السلوكي أو الكلامي يعزى إلى قوى ما فوق طبيعية. ففي الديانة الهندوسية شيطانة أنثى تنسب إليها التشنجات الصرعية، وعند سكان بلاد ما بين النهرين أن الاضطرابات منشؤها روح شريرة وشيطان يدعى "ميغتو"، في حين جاء الطب اليوناني مفارقا لما تعتقده الشعوب السابقة، إذ يذهب أبقراط في رسالته "المرض المقدس" إلى أن لا وجود لما هو فوق الطبيعي في هذا المرض، فالصرع أو الجنون مرض دماغي، واعتقاد الناس بألوهيته نابع من جهلهم وحيرتهم.

لكن هذه الفكرة الأبقراطية تراجعت مع الدولة الرومانية بعد ما أصبحت المسيحية الديانة الرسمية للدولة وأخذت شكلا آخر تبعا للاهوت المسيحي، فهناك صراع الروح القدس والشيطان لامتلاك روح الفرد، ويظهر هذا الصراع على شكل اضطراب عقلي، فظهر ما سمي بالجنون المقدس أو الجنون الحميد. وتظهر شخصية الشيطان بوصفها مسببة للأسى والانتحار والخبل العقلي، وتكون معالجة هذه الأرواح الشريرة بالوسائل الروحانية من خلال إقامة القداسات وإعداد الرقى وزيارات مقامات القديسين، وأصبحت الأماكن الدينية مأوى للعناية بالمجانين وطرد الأرواح الشريرة الضالة.
عقلنة الجنون
في الفصل الثاني "عقلنة الجنون" يعالج بورتر مسألة اجتماعية، حينما يتحول الجنون إلى صفة اجتماعية يوصف بها الأشخاص الذين لا يجدون قبولا اجتماعيا في المجتمع دون أن يكون لهذا الوصف تعليل سريري دقيق، سوى التعارضات الثنائية بين الأفراد والتي قد تتعلق بالمظهر واللباس الخارجي كما في الحكايات الشعبية أو صورة الفنان والكاتب. وقد عزز المهرجون والممثلون هذه الصور النمطية، ومن ذلك صورة الشاعر المجنون والذي يعد إطراء، فالعقول العظيمة، كما يقول الشاعر الإنجليزي جون درايدن، هي بلا شك حليفة الجنون، أو كما سماه آخر الجنون اللطيف.


ويرى بورتر أن الكآبة والكرب تلهب مخيلة الشاعر للتأمل في حقيقة الإنسان ووضاعة الزمان وسخفه، فتغيرات الحياة تقود إلى الحزن والتوحد والسوداوية، ويدلل على ذلك بفناني عصر النهضة ومؤلفاتهم ككتاب "في الثناء على الحمق" للفيلسوف الهولندي إيرازموس، و"دون كخوته" لسرفانتس وبطله الذي يحارب فرسان طواحين الهواء.


الحمقى والحمق
يناقش بورتر في هذا الفصل علاقة الجنون بالعبقرية في أواخر القرن التاسع عشر عند كتاب هذا القرن، ويذكر أن فلوبير وبودلير وفيرلين ورامبو يرون أن الفن الحقيقي ينبع مما هو مرضي لا من الذائقة السليمة، فالمرض والمناعة يشعلان الروح ويحررانها. ويذهب الكاتب الإيطالي سيزر لومبروسو إلى نفس الفكرة، أن الفنانين والكتاب مضطربون عقليا، وكذلك جـ.ف.نيسبت في كتابه "جنون العبقرية" في معرض حديثه عن رجال الأدب كـ: شيلي، وغولدسميث، وروسو، وباسكال، وإدجار ألن بو وغيرهم.


ولا يذهب فرويد بعيدا في تكريسه لذات الفكرة، وصمة الجنون لدى المبدعين، حيث عد الفن (طفل العصاب)، وهذا ما سنراه لاحقا من حالات الانهيار العصبي والانتحار لدى المبدعين من أمثال أرتو، وفرجينيا وولف، وسيلفا بلاث، وآن سيكستون. ويعد كتاب "الممسوس بالنار: المرض الاكتئابي الهوسي والمزاج النفسي الأدبي" لكاي وردفيلد، من الكتب الحديثة (صدر في 1998) التي تناولت هذه الظاهرة، وهو عبارة عن تأملات طبيبة عقلية مصابة بالاكتئاب الهوسي.
يختم بورتر هذا الفصل بمقولة للكاتب المسرحي نتانيل نيل حين أودع في مستشفى بدلام بلندن:" وصفوني بالجنون وقلت لهم إنهم مجانين. ولكن عليهم اللعنة، لقد تغلبوا علي بأكثرية الأصوات".


حجز المجانين في أماكن مغلقة
كتب أفلاطون:"إذا كان المرء مجنونا، فلا ينبغي أن يترك له الحبل على الغارب، فيتجول في المدينة كيف يشاء، بل يتوجب على عائلته أن تتعهده، وتتحفظ عليه بشتى السبل"، وهذا ما حدا بالكثير من الأسر التي مثّل الجنون عارا عليها وعلى سلالتها، إلى حبس أبنائها في المنازل، فأصبح الجنون مسؤولية عائلية. عمدت الكثير من العوائل إلى حبس أبنائها المختلين من ذوي الحالات المتقدمة في المنازل، بينما كان يسمح لبعضهم وهم الأقل تطرفا بالتجوال والتطواف في الطرقات وبين البيوت رغم تحاشي الناس لهم. وفي أواخر العصور الوسطى حبس المجانين في أبراج وأقبية قبل أن تتولى الكنيسة في لندن ممثلة بالرهبان والراهبات تعهد رعايتهم.


قرن التحليل النفسي
مع ظهور الطب العقلي، سعى الأطباء إلى امتلاك معرفة علمية للمرض العقلي والبحث عن طرق شفاء للمرضى العقليين. ففي أواخر القرن التاسع عشر قام الأطباء بتأسيس مبحثهم المعرفي القادر على اتخاذ مكانه الملائم في مملكة العلوم البيولوجية إلى جانب علم الأعصاب وعلم الأمراض والبحث عن قاعدة علمية سليمة وطرح نفايات اللاوعي التي علقت بالطب العقلي.


مع سيجموند فرويد ويوجين بلويلر وكارل يونج بدأت مدرسة التحليل النفسي في طرح نظرياتها حول الأوهام والهلوسات والفكر المضطرب، ومعها دخل العلم مرحلة جديدة في معركته مع الطب العقلي والنفسي.
بعد اكتشاف البنسلين ظهرت معجزة المضادات الحيوية والعقاقير النفسية التي صارت تستخدم لمعالجة حالات الاكتئاب الهوسي وشرعت مختبرات الأبحاث وشركات الأدوية في تطوير مركبات مضادات الاكتئاب ومضادات الذهان، وقد مكنت هذه العقاقير الكثير من المرضى من ممارسة حياتهم في العالم الخارجي، بعيدا عن عالم المستشفيات والمصحات العقلية، كما منحت شعورا بالأمان والتحسن والرضا.