يُـنذِر الهجوم الجوي على إيران الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل بفترة من العنف غير المنضبط، وغير القانوني، والتعسفي الذي سيكون احتواؤه أمرا بالغ الصعوبة.
ينبغي للأمريكيين وأصدقائهم الاعتباريين على الساحة العالمية أن ينظروا إلى ما وراء الأهداف غير الشعبية الكامنة وراء العنف الحالي، وأن يتساءلوا عن الكيفية التي قد يُـطَبَّق بها هذا العنف في المستقبل. في ظل رئيس لا يشعر بأي التزام بالحقائق أو القانون، فإن الإجابة غير مريحة: العنف من جانب الدول من الممكن استخدامه ليس فقط في المجال الدولي، وليس فقط ضد الأنظمة الاستبدادية، ولكن أيضا في الداخل، ضد أولئك الذين يُـعَدّون «أعداء» محليين.
توضح مصادفة غريبة مدى جسامة هذا الخطر: في ذات اليوم الذي بدأت فيه القنابل تتساقط على طهران، ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن البيت الأبيض قد يصدر قريبا أمرا تنفيذيا أحاديا يؤكد سلطته في التحكم في كيفية وموعد تصويت الناس في انتخابات التجديد النصفي المقبلة في نوفمبر. يستشهد الأمر التنفيذي، حسب ما ورد، بالأمن القومي ــ التدخل الصيني المفترض ــ كأساس لفرض قيود جديدة على حق الأمريكيين في التصويت. ولا شك أن البيت الأبيض والجمهوريين في الكونجرس يتوقعون أن تسهل إصلاحاتهم الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.
رفض ترامب الإفصاح عن اعتزامه إصدار مثل هذا الأمر ــ لكنه أخفى أيضا نواياه بشأن إيران عن الرأي العام الأمريكي خلال خطابه عن حالة الاتحاد قبل ثلاثة أيام. ويجب تقييم احتمالات إصدار مثل هذا الأمر التنفيذي في ضوء استطلاعات الرأي الحالية، التي تظهر تقدم الديمقراطيين بنحو ست نقاط مئوية.
علاوة على ذلك، توقفت فجأة مبادرة ترامب لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في منتصف الدورة، والتي تهدف إلى الحفاظ على السيطرة على مجلس النواب، عندما واجهت محاولة الجمهوريين لتعديل الدوائر الانتخابية في تكساس هجوما مضادا قويا من جانب الديمقراطيين في كاليفورنيا، ورفضت ولاية إنديانا ذات الأغلبية الجمهورية بشدة محاولة تعديل الدوائر الانتخابية في مدنها، وإلى جانب احتمال حدوث تصحيح في سوق الأسهم في الأشهر المقبلة، تُفرَض على البيت الأبيض ضغوط متزايدة لدفعه إلى محاولة تحقيق معجزة انتخابية.
لكن الرؤساء لا يملكون أي سلطة سواء بموجب الدستور الأمريكي أو القوانين الفيدرالية لاتخاذ أي من الخطوات التي ذكرتها صحيفة واشنطن بوست، مثل حظر التصويت بالبريد وإلزام الناخبين بإبراز بطاقات هويتهم. تمنح المادة الأولى من الدستور الولايات الأمريكية سلطة وضع قواعد الانتخابات البرلمانية، مع إمكانية تجاوزها من قبل الكونجرس. ورغم أن الجمهوريين في مجلس النواب أقروا ما يسمى قانون SAVE، الذي يتضمن شرط إبراز بطاقة الهوية عند التصويت، فإنه لم يصبح قانونا بعد.
أحد الأسباب وراء القلق الحقيقي هو أن الرئاسة الأمريكية، كما تُظهِر الهجمات على إيران، مقيدة بدرجة ضعيفة بشكل خاص بالقانون عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي، وهو الأساس المزعوم للقرار التنفيذي. لم يمنع غياب السلطة القانونية شن الضربات على إيران، التي تعتبر غير قانونية بموجب الدستور الأمريكي، الذي يمنح الكونجرس وحده سلطة بدء النزاعات الدولية، وبموجب المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
بالإضافة إلى هذا، كانت المبررات التي ساقها ترامب للهجمات هي، على حد تعبير صحيفة نيويورك تايمز، «غير مدعومة ومُبالَغ فيها». من الأنسب أن نقول ببساطة إن الرئيس يعتقد أنه قادر على الكذب والإفلات من العقاب على إطلاق شرارة أعمال عسكرية كارثية محتملة على حساب مئات أو آلاف الأرواح.
ينطبق هذا على الداخل أيضا. فقد أظهرت الإدارة براعة غير عادية في تحويل ادعاءاتها بأنها تتمتع بسلطة قانونية واسعة في التعامل مع الدول الأجنبية إلى ادعاءات بأنها تتمتع بسلطة مماثلة ضد مواطني الولايات المتحدة. في ثلاث مناسبات على الأقل، أُعيدت صياغة الادعاء بالتصرف خارجيا باسم الأمن القومي ليتحول إلى تأكيد على سلطة التصرف داخليا.
بعد فترة وجيزة من عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي، أمر ترامب المدعية العامة بام بوندي بتحدي قانون استنه الكونجرس ــ من عجيب المفارقات أن ذلك القانون جاء بناء على توجيهات ترامب نفسه ــ بحظر تطبيق TikTok. وقد نجحت في ذلك، بمجرد التذرع الغامض بحجة «السلطات الرئاسية الأساسية في مجال الأمن القومي والشؤون الخارجية». وقد تمثل تأثير هذا الادعاء في تغيير نطاق خيارات وسائط التواصل الاجتماعي المتاحة داخل الولايات المتحدة بشكل جذري ــ وإرساء الأساس لشراء تطبيق تيك توك من قِـبَل محاسيب الرئيس السياسيين.
أو لنتأمل هنا سلطة الرئيس في حظر المنظمات الإرهابية. هذه السلطة ممنوحة بموجب القانون الفيدرالي ــ التي تقع على نحو دال ضمن أحكام الهجرة الواردة في القانون، فيما يتصل بالمنظمات «الأجنبية» فقط. ومع ذلك، في سبتمبر من العام الماضي، أصدر ترامب أمرا تنفيذيا يقضي بحظر المنظمات المحلية «المناهضة للفاشية». منذ ذلك الحين، سارع مسؤولون في الحكومة، مثل وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، إلى إطلاق وصف «الإرهابيين المحليين» على المتظاهرين المدنيين.
أخيرا، تجسد العمليات التي قُتل فيها اثنان من هؤلاء المتظاهرين، رينيه جود وأليكس بريتي، أيضا توطينا لسلطة خارجية. تاريخيا، كان إنفاذ قوانين الهجرة يركز بدرجة كبيرة على الحدود. من خلال إغراق المدن والولايات التي يقودها ديمقراطيون بوكلاء إنفاذ معسكرين ويتسمون بالعنف، حوّل ترامب فعليا سلطة الرئيس القسرية الموجهة للخارج إلى أداة قوية للقمع السياسي الداخلي.
تتوفر إذن أسباب كافية تحملنا على الاعتقاد بأن إدارة ترامب قادرة على تحويل صلاحيات الأمن القومي التي تتمتع بها الرئاسة إلى أداة لنشر الفوضى والانفلات في الداخل. والأمر التنفيذي المقترح بشأن الانتخابات ليس سوى أحدث مثال على هذا النوع من التداعيات السلبية.
إن قدرة ترامب على استخدام سلطة الأمن القومي بمثل هذا القدر من التجاهل الوقح للحقائق والقانون ضد إيران لن تؤدي إلا إلى زيادة جرأته على استخدام هذه السلطات مرة أخرى. وإذا استمر الصراع مع إيران ــ كما يبدو مرجحا ــ فيمكننا أن نتوقع أن يستخدم البيت الأبيض خلفية التفجيرات والأعمال الانتقامية كمبرر لسياسات داخلية جديدة.
لم يتمكن الكونجرس ولا المحاكم من منع هذا النوع من إعادة توظيف سلطة السياسة الخارجية عندما يتعلق الأمر بتطبيق TikTok، أو تصنيف الإرهابيين، أو نشر عملاء إنفاذ القانون الفيدراليين. ويظل من غير الواضح ما إذا كانت أفرع أخرى لتعارض أمرا تنفيذيا بشأن الانتخابات.
في القرار الأخير الصادر عن المحكمة العليا بشأن التعريفات الجمركية، رفض رئيس المحكمة جون روبرتس صراحة الحجة القائلة بأن سلطة الرئيس في فرض الرسوم الجمركية لا تخضع للمراجعة القضائية ببساطة لأنها سلطة «مرتبطة بشؤون خارجية». لكن المحكمة كانت أقل قلقا بشأن حقوق التصويت مقارنة بما أبدته من اهتمام بالأسس البنيوية التي تقوم عليها النيوليبرالية الاقتصادية، مثل التجارة الحرة واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي.