العبرة بالمعاني لا بالمباني فقد يكون المبنى واحدا وهنا هو فعل الصوم، لكن يختلف معناه بالنية بين أن يكون عبادة أو عادة، فإن كان موجَّهاً لرضا الله تعالى بتسليم تام له سبحانه كان عبادة، وإلا كان عادة، وهو كمن يقصد تحقيق غرض دنيوي كالحمية وهي حماية الجسم من الأمراض، وتنظيم الوقت: وقتاً للأكل ووقتاً لعدمه.


فالنية هي انبعاث النفس إلى موافقة الشرع إخلاصاً لله سبحانه وتعالى، ومحلها القلب، فهي روح الأعمال وجوهرها وبدونها تصبح جوفاء، لذلك يكون الجزاء عليها، فقد أخرج مسلم في (صحيحه) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ.


فالأساس القلب ثم يأتي العمل، فبالنية يصح العمل أو يسقم، وعلى أساس دوامها خُلِّد المتقون في النعيم، والمجرمون في الجحيم مع انقطاع الأعمال.
إن الصيام الظاهري وهو صيام الجسد عن المفطرات الحلال عن الأكل والشرب والجماع، يؤدي إلى ضبط السلوك الظاهر، وبتقليل الطعام والشراب والجماع يوفر الصحة الجسدية، لكن الهدف لا يتوقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى الكف عن محارم الله سبحانه وتعالى عن جميع المحارم، وتطهير القلب من أفعاله البواطن.


فإن الطعام الحلال إذا كثُر أصبح ضاراً، والدواء إذا كثر عن القصد صار ضاراً بصاحبه.
لكن الجوهر الأسمى والروح الأعلى والغاية المثلى من تشريع الصيام إنما هو تحقيق العبد للتقوى، لا إصابته بالخوى.
من هذا المنطلق لم يكن الصوم مقبولاً دون صيام الجوارح وهو كفها عن المحارم.


حيث يصوم اللسان عن القول الحرام كاللغو والرفث والغيبة، ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ فَلْتَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ. رواه الإمام الربيع بن حبيب " .


وتصوم العين عن النظر الحرام، كالنظر إلى العورات، ومنه وجب غض البصر، فإن في عدم الغض أضرار جسيمة، فهو يشتِّت القلب فكل شيء يعجبه، ويُتعِب النفس بفقد ما نظر إليه وأعجبه، ويُذهِب حلاوة العبادة، ويورث ذنباً عظيمة لأنه معصية.


وفي الغض فوائد منها أنه طاعة لله ذات ثواب عظيم وفيه سلامة القلب، وتفتحه للتقوى وللعلم، ويُبعِد عن الفتن، وهو فرقان بين ما جاز وما لا يجوز النظر إليه.
وتصوم الأذن عن سماع الخنا والكذب والفحش والبذاء واللغو، والغناء، قال الله تعالى في وصف اليهود: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) سورة المائدة:42 ، وتصوم البطن عن الأكل الحرام المعنوي، نحو أكل أموال الناس بالباطل، وأكل الربا وأكل السحت وأكل مال اليتيم والرشوة والكهانة.


ويصوم الفرج عن مباشرة الحرام كالزنا وغيرها، ويؤدي صيام الجوارح إلى تربية سلوكية شاملة.
وإن كان الجسد يتبع القلب، وهداية القلب هي أساس هداية الجسد فوجب تطهيره بإمساكه عن الكبائر الباطنة.


فعلى الصائم أن يجعل قلبه وعاءً نظيفاً طاهراً لتلقي الهداية الربانية التي أساسها قبول الفرد لدين الله سبحانه وتعالى، ولن يقبل الفردُ دين الله تعالى إلا بشرح الله قلبه للدين، قال الله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) سورة الأنعام:125 ، فصوم القلب يؤدي إلى تهذيب الباطن، والذي يثمر تهذيباً شاملاً للسلوك الظاهري.


صائم العادة يجوِّع جسده، فهي عملية لا تتعدى نطاق الجسد، دون أن تتأثر بصومه الروح، ولا تحقق التقوى، وإذا كانت غاية الصوم لا تتحقق، فمعناه أن العمل خائب لا يُتقبِّل، قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)(المائدة:27)، والصوم جنة عن المحارم، وغايته تربية شاملة للجسد والقلب والجوارح عند الصائم، لتستقيم حياته على منهج الله تعالى وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وهذه هي الثمرة المطلوبة والمرجوة، أما بدونها فكمن يزرع حنظلاً يتعب نفسه ويسقيه ثم لا يجد ثمراً إلا حنظلاً مراً.


إذاً لا يكتمل الصوم إلا بصيام الجسد والقلب والجوارح، وبالتالي يتحول إلى تربية منهجية شاملة جميع نواحي الحياة تستمر مع الصائم حتى بعد رمضان الفضيل -بإذن الله تعالى-.