في اليوم الرابع لتجدّد الحرب الإسرائيلية على لبنان، بدا المشهد أكثر قتامةً، ربطاً بما يجري على الأرض بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إذْ شهدت الساعات الماضية تصعيداً عسكرياً هو الأعنف، حيث انتقلت الإستهدافات الإسرائيلية من القرى الحدوديّة إلى العمق والشرق، ما خلّف أضراراً مادية واسعة وأجبر الكثيرين على مغادرة قراهم، مؤقتاً أو نهائياً، بحثاً عن مناطق أكثر أمناً. وذلك، وسط استمرار سياسة الإغتيالات الجويّة والمجازر التي تطال المدنيّين في منازلهم، في ظلّ تحليق مكثف لا يغادر الأجواء، فيما أرقام النزوح تتصاعد، وخطر انفلات الأمور على المستوى الأهلي يتفاقم.
وتحت سماء باتت طريقاً مفتوحاً للتهديد، ووسط اتّساع رقعة انعدام الأمان، بحيث لم يعد التمييز بين منطقة "آمنة" وأخرى "مهدّدة" ذا معنى فعلي في نظر كثيرين، فإن على المقلب الآخر من الصورة بلداً مهدّداً باجتياح برّي كبير، يكرّر تجربة العاميْن 1978 و1982، لا سيّما بعد دعوة الجيش الإسرائيلي أهل الجنوب لإخلاء منطقة جنوب الليطاني والتوجّه شمالاً. ذلك أن إسرائيل، ووفق القراءات المتعدّدة، تريد تنفيذ عملية عسكرية بريّة تمتدّ إلى عمق نحو 15 كلم، والسيطرة عليها وجعلها "منطقة عازلة"، في مشهد يحاكي عودة إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الفائت، مع إصرارها على فرض شروط سياسية كاملة عليه توصله إلى "اتفاق سلام" بشروطها.
وفي مؤشر على أن التهجير الذي يريده الإسرائيليون لا يقتصر على الجنوب، بل يطال الضاحية الجنوبية لبيروت أيضاً، ما يهدّد لبنان بأكمله ويمسّ بتوازناته، وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي "إنذاراً عاجلاً" لسكان الضاحية الجنوبية لبيروت، ومفاده: "أنقذوا حياتكم، وقوموا بإخلاء بيوتكم فوراً".
وقد شمل الإنذار أحياء برج البراجنة والحدث وحارة حريك والشياح، ما شكّل تصعيداً جديداً في العدوان الإسرائيلي على لبنان، لناحية شموله "سكّان الضاحية جميعاً"، كما ورد في البيان، ما يعني، بحسب قول مصادر متابعة لـ"عُمان"، أن إسرائيل توجّه رسالة مباشرة أنها ستضرب في الضاحية في المرحلة المقبلة، ومن دون إنذارات مسبقة. مع الإشارة هنا الى أن الحدود المهدّدة، وبحسب الخريطة المرفقة بالإنذار العاجل، تعني تهجير نحو مليون لبناني من الضاحية الجنوبية لبيروت دفعة واحدة. علماً أن وزير الماليّة الإسرائيلي، بتسلإيل سموتريش، واكب هذا التصعيد غير المسبوق بالقول: "قريباً، سترون الضاحية الجنوبيّة في بيروت كما خان يونس في غزّة"!
وهذه الصورة القاتمة إرتسمت منذ إعلان الجيش الإسرائيلي، رسمياً، بدء تنفيذ عملية توغّل برّي جنوب لبنان، لإنشاء "منطقة دفاعية" إضافية تحت عنوان "الدفاع الأمامي عن قرى الشمال"، والتي بدأت ميدانياً من بلدة الخيام فـ"ميس الجبل" ثم "حولا" و"يارون" و"تلّ نحاس". وذلك، في موازاة رفع وتيرة التصعيد الميداني وإطار نطاقه الجغرافي بغارات توزّعت جنوباً وبقاعاً نحو بعلبك وزحلة وعلى الضاحية الجنوبية لبيروت وصولاً إلى الحازمية- بعبدا.
المنطقة العازلة
وكان اليومان الأخيران من هذه الحرب "المفتوحة" على شتّى الإحتمالات قد اكتسبا أخطر دلالاتهما الإستراتيجية والميدانية والإنسانية، إذْ شهدا شروع الجيش الإسرائيلي، عمليّاً، بخطواته المتدرّجة لإحداث ما يبدو "شريطاً حدودياً" محدّثاً جديداً في عمق الأراضي اللبنانية الجنوبية التي يتوسّع في احتلالها، ما عزّر، بحسب تأكيد مصادر عسكريّة لبنانية لـ"عُمان"، سيناريو إعادة فرض إسرائيل واقعاً إحتلالياً مديداً من خلال ما تسمّيه "منطقة دفاعية" أو "منطقة عازلة".
ووفق المعطيات الميدانية الأكثر تداولاً، سيشكّل هذا السيناريو إستعادةً لفرض الشريط الحدودي الذي أقيم غداة "عملية الليطاني" في 1978، فيما المؤشرات تتكثّف حيال شريط بعمق يتراوح ما بين 10 إلى 15 كيلومتراً، بما يثير الخشية الكبيرة على مصير عشرات البلدات والقرى المهدّدة بتهجير طويل الأمد، في حال مضيّ إسرائيل في اعتماد سياسة "المناطق المنزوعة من أهلها" حتى نزع آخر قطعة سلاح لدى "حزب الله".
وفيما تستكمل إسرائيل كلّ استعداداتها، وتواصل حشد المزيد من قوّاتها لبدء الإجتياح البرّي، تردّدت معلومات مفادها أن هذا الإجتياح، إنْ حصل، سيكون عبر محوريْن: الأوّل من جهة جبل الشيخ مروراً بأطراف منطقة شبعا وقرى في قضاء حاصبيا- مرجعيون ووصولاً الى جسر الخردلي الذي يربط مناطق الجنوب ببعضها. وذلك، بالتزامن مع تحرّك من مرصد جبل الشيخ شمالاً عبر الحدود السوريّة وصولاً الى نقطة المصنع الحدوديّة، بما يفصل لبنان عن سوريا بالكامل ويقطع أيّ تواصل بين البقاع والجنوب.
أما المحور الثاني، فيقضي بالتحرّك مباشرةً من الجنوب، أي من المرتفعات الـ5 التي تحتلّها إسرائيل، وتحديداً تلك الموجودة في القطاع الأوسط، في اتجاه القرى الواقعة في جنوب نهر الليطاني، على أن يتمّ التوسّع من هناك عبر متفرّعين باتجاه القطاعين الشرقي والغربي.
وفي السياق، تجدر الإشارة الى أن إسرائيل، ومنذ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، أصرّت على الإحتفاظ بخمسة مرتفعات استراتيجيّة حاكمة بين منطقتَي الناقورة وشبعا، ومنتشرة من القطاع الغربي الى القطاعين الأوسط والشرقي، ويُراوح بُعد كلّ منها عن حدود لبنان بين مئات الأمتار غرباً وكيلومترين الى ثلاثة أو أكثر وسطاً وشرقاً.
التحرّك الإسرائيلي من المحوريْن
وفي المعلومات أيضاً، فإن التحرّك الإسرائيلي من المحوريْن قد يترافق مع وجود البوارج في البحر. وذلك، في سياق مخطّط هادف الى تقسيم الجنوب الى 3 مناطق عسكريّة: منطقة جنوب الليطاني، منطقة ما بين ضفّتيْه الجنوبية والشمالية، ومنطقة على تخوم إقليم التفاح وجبل الريحان.. وبالتالي، ماذا سيحصل إنْ نجحت إسرائيل بتنفيذ هذه العملية؟
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، فإنّ ثمّة من يرى أن إسرائيل ستعمل على فرض منطقة عازلة في الجنوب، وبعدها تستدرج الدولة اللبنانية إلى مفاوضات سياسية مباشرة، وتفرض "إتفاق سلام" وفق شروطها، فيما يرى آخرون أن التحرّك البرّي الإسرائيلي المرتقب يتجاوز في أهدافه "العملية المحدودة"، ليطاول قلب الموازين الميدانية في الجنوب والبقاع معاً، وخصوصاً أن التوغل المرتقب سيصل إلى عمق نحو 15 كلم، في سياق استراتيجية تهدف إلى عزل الجنوب عن البقاع جغرافياً وعسكرياً.
وأبعد من ذلك، فإن إسرائيل طرحت سابقاً أن يكون لها الحق في إعطاء أذونات دخول وخروج للّبنانيين الذين يريدون الإقامة في المنطقة التي تريدها "أمنيّة"، وتسمّيها الولايات المتحدة بـ"المنطقة الإقتصادية"، وصولاً إلى جعل القرى الحدوديّة مناطق غير قابلة للحياة، أو قابلة للحياة بشروط أمنيّة مفروضة إسرائيليّاً.
"