أبو عبدالله محمـد بـن أبي سفيان محبـوب بـن الرحيـل بـن القرشي المخزومي، لم تحدد المصادر تاريخ ميلاده، واختلفت في تحديد مكان مولده، فبعـض المصادر ذكرت أن مولده في مكة المكرمة، وبعضهـا حـددته في صحار، وثالثة جعلته في البصرة، وذلك أقرب؛ لأن والده الإمام محبوب بن الرحيل كـان ربيبـا للإمـام الربيـع بـن حـبـيـب الفراهـيـدي، إلا أن المصـادر تتفق عـلى أن أصـل عائلتـه مـن مـكـة المكرمة.


عدة مؤثرات أثرت في شخصية محمد بن محبوب: أولها السلالة؛ فقد عـاش العلامـة ابـن محبـوب في كنف عائلـة رقعـت لـواء العلـم، فـأبـوه العلامة أبو سفيان محبـوب بـن الرحيـل كـان مـن أبرز عـلـماء المذهب الإباضي مشرقا ومغربـا، بل كان مرجعا معتمدا، فنهل محمد من تلك البيئة العلمية الحماسة والوعي.


ثانيها: جغرافية المكان؛ فقد عـاش ابـن محبـوب مرحلة الطفولة في عـمان، وتلقـى العـلـم عـلى يـد حمـلـة الـعـلـم الـذيـن تتلمذوا في البصرة وعـادوا إلى عـمان مـن مثـل: العلامـة محـمـد بـن المعـلا الكـنـدي، والعلامـة المنـير بـن النير الجعلاني، والعلامة بشـير بـن المنـذر، والعلامة موسى بـن عـلي الأزكـوي (الـذي زوجـه ابنتـه) وغيرهـم، فنهل من علمهم، وتأثر بشخصياتهم في تعامله وعزيمته. ولا غرو أن يكون له دور سياسي واجتماعي مؤثر خاصة في صحار التي عاش فيها بعد طـلبـه للعلـم في نـزوى، ليؤسس فيها مدرسة لها منهجها ورؤيتها، حتى أصبحت مدرسـة محـمـد بـن محبـوب في صـحـار تنافـس نزوى في استقطاب طلبـة الـعلـم.


ونلمس هنا أثر صحار؛ فقد كان التنوّع الديني في صحار التي كانت محطة مهمة في التجارة الدولية، فتعددت الأعراق والأديان وخاصة من الهنود، فاستغل وجود هؤلاء لدعوتهم للدين الحق، فكان سببا لإسلام عدد كبير منهم. ونحن نتصوّره متكلما بارعا، ومحاورا مؤثرا، وصاحب حجة منطقية قادرة على الإقناع والتحدي.


تروي كتب الأثر أن له طريقـة خاصـة في إدخـال المشركين للإسـلام، ويذكر تلميـذه أبـو المـؤثر: "إن محمـد بـن محبـوب كـان يـدخل أهـل الهـنـد المشركين في الإسـلام، وأنـا حـاضر، يقـول لهــم: "قـل: أشـهد أن لا إلـه إلا الله، اذهبـوا وصـلـوا وقولــوا: ســـــبحان الله في قيــامكـم وركوعكم وسجودكم حتى تتعلموا".


ونرى دوره الإداري حين كـلفـه الإمـام الـصـلـت بـن مـالـك بـتـولي منصـب القضاء في صحار عـام ٢٥١ للهجـرة، وكـان لـه مـنهج في القضاء؛ إذ لا يحكـم إلا بـما يـصرح به المتخاصمان، ولا يقبـل أن يزيـد الفقيـه ولا الحـاكـم شـيـئـا مـن عـنـده. وقـد كـان الـوالي عليهـا حينهـا محمـد بـن الأزهـر الـعـبري، ثـم عـيـن بعـده غـدانـه بـن محمـد.


(2)
ترك العلامة ابن محبوب عـددا مـن المؤلفـات فقد الكثير منها، ويمكننا تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الكتب ولعل أبرزها کتـاب محمـد بـن محبـوب، وهـو مـوسـوعة فقهيـة، قيل: إنها تقع في تقـع في سبعين مجلـدا، وقيل: إن كتابه "أبواب من السنة مختصرة" هي اختصار لهذه الموسوعة المفقودة، وفيه يتناول موضوعات مختلفة كالنكاح والطلاق وملك اليمين والعتق والرهن والوديعة والعارية والكفالة والهبة والشفعَة والوكالة. وقد اعتنى به الحاج سليمان الوارجلاني، ونشرته وزارة التراث والثقافة.


أما القسم الثاني فهي السير، ومنها سيرته إلى أهـل المغـرب، وسيرته إلى أهـل حضرمـوت، وسيرته إلى المهنـا بـن جيـفـر، وسيرته إلى أبي زياد خلف بن عزرة، وهي نصائح وتوجيهـات ورسـائل، وجوابـات لبعـض المسائل الفقهيـة.
أما القسم الثالث فهو العهود والرسائل الديوانية، ومنها عهـده إلى قـادة الأسطول العـمـاني المتجـه إلى تحريـر سقطرى، وقـد كان العهـد بلسـان الصـلـت بـن مـالـك يوصيهـم فيـه بتقوى الله، ويوضـح لهـم الأحـكام في القتـال، ويقـع في سـت عـشـرة صفحـة. ومنها عهده إلى غسان بن خليد حين بعثه واليا على هجار باسم الصلت بن مالك في عشر صفحات تقريبا.


(3)
تلك السير والمؤلفات والفتاوي تجلي لنا شخصية ابن محبوب بحق. تقول كتب التراث: إن العلامة ابن محبوب بلغ الاجتهاد المطلق ورئاسة العلماء في عصره، وكان عليه المدار في نصب الأئمة، وما كانوا يقطعون أمرا إلا بمشورته: فلم بلغ ذلك المقام؟ هل بعلمه فقط؟


لا والله، ولكن بشخصيته الفذة، فجمع مع العلم سمو الخلق وذكاء واعيا، وألفة وتفكيرا، وفصاحة لسان، كما كان زاهدا كريما صـادق القـول سريـع البديهـة. لـه قـدرة فائقـة عـلى النقـد والتفنيـد؛ يتكلم بالأدلـة الـصريحة، ويقنـع بالحجـة الواضحة. وكـان وقـورا، مهيبـا في مظهـره ومخـبره. ولعل مؤلفاته السابقة تبرز لنا جانبا مشرقا من شخصيته التي تتجلّى لنا بعض سماتها ومنها: أولا: تواضـعـه الـشديد رغـم بلـوغـه الغايـة في العلـم والفقـه؛ فنراه مثلا يقـول في مسألة مـن مـسائل الـدماء: "أمـر الـدماء عظيم لا يميـزه إلا العلماء الكبار، ولسنا منهم". كما نلاحظ تواضعه في قبـول الحـق، والرجـوع إلى الصواب، بل ينزل على رأي حتى طلابه، فنراه يخضع لـرأي تلميـذه أبي المؤثر عنـدما أراد هـو ومـن كـان يـبـرأ مـن الإمام المهنـا في كتابة رسالة في إظهار البراءة من الأحداث التي كانت منه.


أمر ثان مع حسن الخلق كان ذكيا، وقـاد الذكاء مع سرعة البديهة، ويثبت ذلك حسن تصرفه في الأمور واستشارات الأئمة له؛ فكان يرفض العمل بشيء من الدين بلا دليل، ويحث على النظر في الدليل والعمل به، وعدم التقليـد مهـا كـان صـاحبه الذي صدر منه.
أما الأمر الثالث فهو مزجه الشدة مع اللين، فكان في فتاويه ميسرا مستحـضـرا قـول إمامـه وائـل بـن أيـوب: "ليس العـالم مـن يفتي الناس بورعه، ولكن العالم من يفتي الناس بما يسعهم". لكنه في إقامـة العـدل كان حازما، فيقضي بحكـم الله في البغـاة الـذين خرجوا في إفساد الحـرث والنسل، فيحكم -مثلا- بإباحـة دم خـثعم العـوفي بالـسنينة مـن الظـاهرة؛ لفساده في الأرض بغير حق". كما نجد شجاعته في سيرته إلى الإمام المهنا بن جيفر.


كما نجده - من أحرص الناس على وحدة الأمة، ورأب الصدع، ورتـق الـفـتـق، وقطـع كـل مـا يـوهـم المخالفة، يقول أبـو المؤثر: "كنا في المشورة لمـا مـات المهنا، فوقـع في ثـوبي دم. قـال: فـذهبت أغـسله، فرجعـت وقـد بـايعوا، فسألني أبـو عبـد الله: أيـن كـنـت؟ أو مـا أخـرجـك مـن الناس؟ فقلت: وقع في ثـوبي دم، فذهبت أغـسله؛ فاستتابني". وذلك ما يرد في مقدمـة كثـير مـن جواباتـه ومراسلاته سـواء إلى أهـل حـضرموت أو إلى أهـل المغـرب، أو إلى أصحابه، ككتابـه إلى محمـد بـن عـلي؛ إذ ينصحه بقوله: "ومـا بقـي بينـك وبـيـن أحـد مـن إخوانـك حـجـاب ولـو غـزل عنكبـوت فـلا تهتكـه بـالظن؛ فـإن شـتـم المـؤمن أو لعنـه كقتله" كمـا يـدعو إلى الوحـدة ونبذ الخلاف، فإنّـه يحـافظ أيـضـا عليهـا، ويقطـع دابـر الفتنـة وكـل مـا يـوصـل إلى الفرقـة، فحين حاول رجل أن يظهر البراءة من الإمام المهنا بن جيفر أمام ابن محبوب؛ لعلمه بانتقاده له زجره ابن محبوب، وأبعده من مجلسه.


وأخيرا كان مع علمه واجتهاده يعتني بحياته الروحية، ويتسم بالشفافية الربانية، ونلمح في جواباته وعهوده تلك النزعة الروحية؛ إذ تصطبغ معظـم رسـائله بالوعظ والإرشاد، والنهي والزجر، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. وتشتد لهجتـه أحيانـا عـنـد استياء الأمر؛ فتراه يستعمل في خطابه أساليب متعددة في مخاطبة العقل والفطرة والعاطفة، ويكثـر مـن الأدلـة، وينـوع في ذكرها دون سأم أو ملل، فيبدأ بالآيات، ثم الأحاديث، ثم يذكر سير الصالحين والأئمة العدول؛ فلا تكاد تجد رسالة تخلو من ذلك.


غير أنه كان ينظر ابن محبوب إلى الحياة نظرة كليـة لا جزئية، ويرى الدين وحدة متكاملة في جميع النواحي الروحية والسياسية والاجتماعية، فـلا يـتم إيمـان المرء إلا باجتماعها جميعا، تمثلا بحياة خير البشر محمد ﷺ العلمية والعملية، لذلك لم يقبل التصوف السلبي الذي يدفع الطاقات البشرية نحو حصرها في الجانب الروحي فقط بعيدا عن الجوانب الحيوية الأخرى، وهذه الصورة تتمثل في سيرته إلى أهل حضرموت؛ إذ يقول للإمام أحمد بن سليمان: "وقد بلغنـا أنـه حـدث في بـلادك أقـوام يتعبـدون بلبـاس الـصـوف في الصيف، ويشكون في قتـال أهـل البغـي بالسيف، وهـل قـمـع رسـول الله ﷺ الكـفـر والحيف إلا بالسيف؟!".