من عظم العبادات، أنها تجمعنا معا أندادا متساوين، وتبدو واضحة في العبادات التي تؤدّى بشكل جماعيّ، كالصّلاة والصّيام والحجّ، وهي تشكّل أركان هذا الدين الحنيف، والذي تتجلى فيه الوجودية الإنسانية الملتزمة كأبدع ما يكون.
في حياتنا، منظومة كاملة للعيش العاديّ بما يلبي احتياجات النفس والجسد، لكنّ ذلك لا يكتمل بدون تلبية الحاجات الروحية، وعليه، ففي شهر رمضان المبارك، يتحقّق الاكتمال، كما من يحظى بتلبية الدعوة للحجّ.
والصيام، الذي كُتب علينا كما كُتب على الذي قبلنا، سلوك جسد ونفس وروح، فكما تتضامن عناصر الإنسان في شخصه، من حيث التصالح والسلام والاكتمال والسموّ، فإن تحقّقه في الإنسان الواحد فعلا سيكون مجالا ليتحقّق في المجموع، وهنا يكمن سرّ عبقرية تفاعل المادة مع الروح، بحيث يكون ذلك ضمانة حقيقية لسلامة المجتمع وصفائه وإشاعة المحبة بين الأفراد، ويمكن أن تنتقل الثمار إلى الآخرين من خارج المجتمع.
لذلك، فإن ممارستنا لهذه العبادات تخلق فينا جميعا، في حالة الإخلاص، طاقات هائلة للنفس والجسد والروح، يشعر بها فعلا من يخلص بها، وهي تتجلى في الوجوه المشرقة.
وهكذا، في ظل الحياة بما فيها من أدبيات متنوعة، تتجلى في أشكال التواصل وأجناس الآداب والفنون، يمكن الانسجام مع هذه العبقرية المدهشة، والتي هي من رحمة الله بنا، ولعلي أقصد بحديثي هنا هو فتح مجال في هذا الشهر الفضيل للبحث في الأسس الأدبية والفنية والتربوية، والتي تشكّل الناحية الروحية فيها عمودها والذي بدونه فإننا عبثا سنستطيع بناء البيت.
لقد سبقنا الأوائل، وتجلّى في أعمالهم وإبداعاتهم الناحية الروحية، وما زال مثلا الفنّ الإسلاميّ شاهدا حتى الآن، بل والغريب أنه يتم تعليمه ودراسته أكثر وبتوسّع في خارج بلادنا الإسلامية. وهكذا فإنه باستقصاء الأعمال الأدبية والفنية، بما فيها الغناء والموسيقى، فإننا سنجد أن أكثر تلك الأعمال هي من أخذت من نور الروح، والتي بذلك ضمنت البقاء والخلود، وليست تلك التي اعتمدت على الجانب الماديّ والحسيّ فقط. يرتقي الإنسان ليس بما لديه من فكر وعلم عن هذه الحياة فقط، بل بما يتجاوزها، بالاستفادة من الأساس الروحيّ، لذلك فإنّ جزءا من التاريخ الإنساني تعلق بهذا الجانب، ولم تستطع تكنولوجيا العصر المتقدمة النيل منها، برغم أن البشر بالطبع يتأثرون إيجابا وسلبا بالتحولات، لكنهم يستعيدون إنسانيتهم أخيرا، وما الإنسانية إلا أحد تجليات الطاقة الروحية التي أودعها الله عزّ وجلّ داخل النفس.
والحياة المادية مهما تنوعت وازدهرت، فإنها بنفسها فقط لا تكتمل، هي فقط تشبع جوانب في حياتنا، لكنها ليست بقادرة على إشباع حاجاتنا كلها.
والأدب والفن، بما فيهما من شفافية وإنسانية، فهما قادران على التأثير فينا؛ فالمشاعر النبيلة إنما هي ثمرة من ثمار أرواحنا تلك التي تسمو إلى السّماء؛ فما السموّ الّا الارتقاء؛ فإن تجاوز الإنسان نفسه إلى الآخرين ليتضامن معهم من خلال الالتزام الإنساني الوجوديّ، فهو يحلّق بالروح فعلا. لذلك لم يكن من الصدفة بدء فاتحة الكتاب بـ"الحمد لله ربّ العالمين".
كنت فتى قرويّا أقوم بالأعمال الزراعية ذات نهار في يوم عرفة، وكنت أسمع أغنية أم كلثوم "القلب يعشق كل جميل"، وحين وصلت إلى: "يـاريـت حــبـايـنـا يـنـولـوا مــــا نـلـنا يــارب تــوعــدهـم"، فهمت نبل المعنى، بأنه في ظلّ سعادة تأدية مناسك الحجّ، والتي ينسى الإنسان فيها الدنيا فعلا، فإنه يتذكّر الأحباب متمنيا لهم هذا الفرح.
بعد عقدين وأكثر، وحين قمت بتأدية مناسك الحج فرحا مشرق الوجه مثل الحجيج، تمنيت للأحباء أن ينعم الله عليهم بمثل هذه الفرحة، ووقتها تذكرت أغنية "القلب يعشق كل جميل" التي كتبها الشاعر بيرم التونسي، ولحنّها رياض السنباطي في عام 1972، لأعرف بعدها أن بيرم التونسيّ كتبها متأثراً بأجواء الحج عام 1961. رحمهم الله أجمعين.
تلك هي ثمار الدين الحنيف، بتوازنه ما بين عناصر الكون والإنسان والحياة، والتي فعلا تضمن الخير والسلام الشخصيّ والاجتماعيّ والوطنيّ والقوميّ والعالميّ؛ فحين بعث الله سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم إلينا جميعا، إنما أرسله الله الرحمن الرحيم رحمة، "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، الأنبياء: 107؛ فالآية الكريمة تؤكد أن رسالته ونبوته رحمة شاملة، حيث أخرجه الله للناس ليخرجهم من الظلمات إلى الّنور.
فهم الأوائل ذلك وقدروه، كما فهمه كلّ من أدرك معنى ارتقاء الإنسان من علاقة روحيّة منزّهة، ولعل إطلالة على كنوز التراث والكنوز التي ما زالت تظهر، توضّح لنا هذا الأثر العميق، والذي كان مفتاح ازدهار العلم والفلسفة والأدب والفنون في حضارتنا العربية الإسلامية، والتي استفادت منها الحضارات الحديثة، بل وبنت على إنجازاتها، وهي من ثمارها، وهذا ما يذكره كلّ من هو موضوعيّ في الحضارة الغربية، والتي تدين بالكثير لحضارتنا المستندة للناحية الروحية، ولم تكتمل الحضارة الغربية فعلا لتركيزها على الناحية الماديّة، فكانت الحروب والكراهية ثمارها منذ بدأت حتى اليوم، بل وإن دولها الكبيرة عادت إلينا لتحتل بلادنا وتؤذينا بدل شكرنا على ما قدمنا لهم من معرفة وعلم.
ولعل أختتم بما يتعلق بنا من رسالة علم ومعرفة وأدب وفن وتربية وتعليم، بالدعوة الحقيقية لمنتجي الأدبيات في بلادنا، بضرورة الانتباه لا لتضمين الناحية الروحية فقط، بل لجعلها أساسا، حيث سيكون لها دور في نهضتنا من جوانبها جميعا.
ولعلّ البداية يجب أن تبدأ من الأسرة والمدرسة، لضمان بناء مجتمع راقّ ينعم بالسلام والتضامن الذي يتحقّق بالعبادات والمعرفة. إن مفتاح الازدهار العربي هو امتلاك أسباب العلم، في الوقت الذي يكون مطمئنا إلى تلبية حاجات الإنسان جميعها جسديا ونفسيا وروحيا. وهكذا فإنها دعوة لها تصل للمثقفين العرب وغيرهم وللتربويين والمبدعين إلى الانتباه الدائم للطاقة الروحية في ديننا الحنيف، تلك الطاقة المتجددة دوما ولا تنضب.
Ytahseen2001@yahoo.com