(1)
ولد في البصرة عام 223هـ/837م في عائلة من أبناء مالك بن فهم تشتغل بالتجارة المتنقلة بين عمان وجنوب العراق، ثم رحل إلى وطنه عمان سنة 257 هـ وقضى فيها اثني عشر عاما مؤثرا ومتأثراً؛ حيث رثى من قُتل من الأزد في وقعة الروضة في عهد راشد بن النظر. وحرّض قومه من الأزد على القيام بأمرهم بأخذ الثأر إلى أن جمعت اليحمد، وبنو مالك، والعتيك جموعها وسارت إلى دار الإمامة بنزوى، فأسروا راشد بن النظر بعد أن هزموا أعوانه، وفضوا عساكره، وعزلوه عن الإمامة، ووقع اختيار الجميع على عزان بن تميم الخروصي.
ثم عاد إلى البصرة، ومنها ارتحل إلى فارس سنة 295 بدعوة من ابن ميكال ليكون معلماً لولده. وقد اعتنى في هذه المرحلة بتأديب أبي العباس الميكالي وتفقيهه في اللغة حيث أملى عليه الجمهرة، ونظم فيه وفي والده المقصورة (مقصورة ابن دريد الشهيرة).
يمثّل أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي العماني البصري ظاهرة ثقافية فريدة كوّنتها معرفة علمية وأدبية فاعلة، ومؤثرة في حركة الزمان والمكان. قال عنه المسعودي: "كان ابن دريد ممن برع في زماننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، وقام مقام الخليل بن أحمد، وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدمين، كما يذهب في الشعر كل مذهب؛ فطورا يجزل، وطورا يرق" كما نوه أبو الطيب اللغوي بمكانة ابن دريد فقال: " ابن دريد الذي انتهت إليه لغة البصريين كان أحفظ الناس، وأوسعهم علما، أقدرهم على شعر، وما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر ابن دريد".
ترك لنا ثروة ضخمة من المؤلفات أوصلها بعضهم إلى خمسة وعشرين كتابا منها: "الاشتقاق" و"الملاحن" و"الخيل الكبير" و"الخيل الصغير" و"الأمالي" و"المقصور والممدود" و"الأنواء"، وأشهرها على الإطلاق كتاب " الجمهرة في اللغة " وغيرها من المؤلفات. وتخرج على يديه أكثر من خمسين عالما مشهورا في اللغة والأدب، ومن تلامذته أبو علي القالي وأبو الفرج الأصفهاني والمسعودي والزجاجي والآمدي وابن خالويه. وتوفي عام 321هـ.
(2)
كان يقال عنه: «ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء»؛ لفرادته بين العلماء بالشاعرية وتميزه بين الشعراء بالعلمية. فقد اختار ابن دريد لتصريف علميته اللغوية في أسلوبية شعره، وتمكن لسعة دائرته العلمية والتعليمية من أن يوجد آصرةً إبداعية بين “معجمه اللغوي” وإلهامه الشعري؛ فطّوع المعجم إلى صياغة فنية تتماهى فيه حرفيّة اللغوي وفنيّة الشاعر. وصفه عبد السلام هارون بالقول: “كان عالما، وطبيعة العلم في معظم الأمر تعارض طبيعة الشعر... لذلك كان من النادر أن يجتمع العلم والشعر في صدر واحد، لكن الأقدمين شهدوا لابن دريد بالشعر -وحفظ التاريخ لنا أقوال كثير من العلماء في ذلك-".
وأول خاصية لابن دريد الشعرية هي (اختيار المركب الصعب) في بناء القصيدة، وتلك خاصية كان الشاعر ابن دريد يستعين عليها بالعالم ابن دريد، فيمدّه بمخزون ثقافي ثرّ وحصيلة لغوية كبيرة مكنته من مركب القوافي الصعبة مثل قافية الثاء، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، فمثلا وضع نصا على قافية الثاء من اثنين وتسعين بيتاً، فلم يُبق في “جمهرة اللغة” ثاء إلا جاء به في أعقد صوغ فني وأمتن أسلوب. ومن ذلك تفرده في نظم “المثلثة” و”المربعة”، وهما عمل فني هندسي محكم لم يشع في الشعر العربي القديم، ولم يُعرف لأحد من الشعراء قبل ابن دريد هذا الضرب من ضروب النظم المتسم بموسيقى خاصة، على أنه في المثلثة “اختار” عالم الحكمة مصوغاً في قالب موسيقى طريف، يقول ابن دريد في مثلثته التي اتخذ الحكمة موضوعاً لها:
لكل ناع ذات يوم ناعي//وإنما السعي بقدر الساعي
قد يهلك المرعيَّ عتبُ الراعي
ومن أشهر ما ذاع من قصائد المعاني لابن دريد المقصورة، وهي من أقدم المقصورات الرجزية، واحتوت بالإضافة إلى المدح على أغراض أخرى كالغزل ووصف الرحلة وذكر التجارب الشخصية وسرد الأحداث التاريخية، وبذلك كانت نموذجا لشعراء المقصورات الذين نظموا في هذا الفن بعد ابن دريد. وتأتى له فيها إتقانٌ ومتانة، ورأى بعض الأدباء القدامى ضرورة استظهارها حتى تكمل للأديب ثقافته. ويدل على مكانتها ازدحام العلماء والأدباء عليها بالشرح، حتى جاوز عددُ شراحها الثلاثين من جهابذة العلماء وترجمت إلى اللاتينية والتركية ومطلعها
يا ظَبيَةً أَشبَه شَيءٍ بِالمَها//تَرعى الخُزامى بَينَ أَشجارِ النَقا
(3)
يقول الدكتور شبر الموسوي: "تعود نشأة فن المقامة إلى القرن الرابع الهجري حيث كان أول ظهوره على يد ابن دريد (أبو بكر محمد بن الحسن) المتوفى في سنه 321هـ، إلا أن المقامة لم تأخذ شكلها الفني إلا على يد بديع الزمان الهمذاني المتوفى 398هـ والذي يعد مبتكر ورائد هذا الفن ". ومما يؤكد هذا الرأي أن الدكتور زكي مبارك يقول: "إن بديع الزمان عارض بمقاماته أربعين حديثا أنشأها ابن دريد، والمعارضات كانت تقارب دائما في الكمية "، ومن هذه الأقوال نكتشف أن بداية فن المقامة كانت على يد ابن دريد الأزدي على الرغم من "أن أحاديث ابن دريد لم تكن إلا أحاديث تعليمية صرفة مليئة بالغريب من الألفاظ، وهي في بعض الأحيان قصيدة شعرية، وأحيانا تكون قولا منثورا، ولا نجد فيها العناصر الضرورية للقصة إلا نادرا ". أما الدكتور أحمد درويش فله كتاب بعنوان "ابن دريد رائد فن القصة العربية" يرى فيه أن فن القصة جذوره الحقيقة تمتد إلى التراث الأدبي العربي الواسع الثراء متعدية فن المقامة إلى أحاديث ابن دريد أستاذ بديع الزمان الهمذاني.
(4)
أما أعظم انجازات ابن دريد فهو كتاب (الجمهرة) في اللغة، يقول ابن دريد في مقدمة كتابه معللا سبب تسميته بالجمهرة: "وإنما أعرناه هذا الاسم لأنا اخترنا له الجمهور من كلام العرب، وأرجأناه الوحشي والمستنكر". وقد ذكر ابن دريد في معجمه اللفظ الشائع وليس الغريب النادر؛ حيث أفرد للنوادر من الألفاظ أبوابا ملحقة في آخر الجمهرة. ومنهج ابن دريد في الجهمرة يختلف عن منهج الخليل في كتاب العين -برغم تأثير كتاب العين في المعاجم التي ألفت بعده - فقد استعمل ابن دريد النظام الألفبائي أساسا لترتيب ألفاظ معجمه، وراعى ابن دريد أن يبدأ كل باب بالكلمة التي تبدأ بالحرف المعقود له الباب، يليه الحرف الذي بعده في الترتيب الألفبائي، فباب الباء يتصدره الباء مع التاء، وباب التاء مع الثاء، وكذلك -مثلا- عندما يبلغ باب الراء يذكر الأصول التي تبدأ بالراء فزاي. وعرف ابن دريد بعنايته بإيراد لهجات العرب ولغاتها، وباهتمامه بالدخيل والمعرب. كما يمتاز كتاب الجمهرة بأنه أصل راسخ من الأصول التي اعتمد عليها مؤلفو المعاجم بعده.
والخلاصة أدخل ابن دريد على منهج العين تغييراتٍ عديدةً محاولةً منه تيسير طريقته المعقّدة، وجاءت تغييراته حين قسّم الكتاب إلى أبنية من الثنائي المضاعف والثلاثي والرباعي والخماسي وما يلحق بهما. وقسم تلك الأبنية إلى حروف بالترتيب الألفبائيّ. وقد بدأ كلّ بابٍ بالحرف المعقود له مع ما يليه في الترتيب الألفبائيّ، كما أتبع كل هذه الأبواب بأبواب للّفيف والنوادر. قلّب الألفاظ التي تقع تحت كل حرف على الصور المستعملة في العربية.

**media[3313136]**