كانت الولايات المتحدة تطلق على دول (إيران، وكوريا الشمالية، والعراق أيام صدام حسين) محور الشر، غير أن الوقت أثبت أن هناك شيطانا أكبر، يجوب هذا العالم، فيما كانت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة عمانية، تسير بشكل جيد، وكانت البدايات مبشّرة، وكان هناك أمل في اتفاق، كان ذلك الشيطان يقوم بجولات مكوكية يسابق فيها الزمن، ويوسوس للرئيس الأمريكي، يدعوه لضرب إيران؛ لأنها تقترب من امتلاك سلاح نووي، ورسم له سيناريو محملا بالورود، وأن الوقت قد حان لضربة استباقية، وأن إيران في أضعف حالاتها، ولم تكن شخصية «ترامب» قادرة على مقاومة هذا الإنجاز التاريخي الذي سيحسب له، ولا أحد تخفى عليه شخصية الرئيس الأمريكي المزاجية، والتي تعتمد على الحلول العسكرية، والتهديدات اليومية التي لم يسلم منها حتى أقرب حلفائه، ولكن الأمر عند الكيان الإسرائيلي مختلف، فهو لا يرد له طلبا، ولا يقبل فيه عتبا، فوسوس له الشيطان «نتنياهو» لبدء حرب إقليمية، نعرف من بدأها، ولكن لا نعرف من سينهيها. 

في الجانب الآخر، خرجت إيران عن تحفظها الذي اعتادت عليه، خاصة بعد مقتل أربعين من قادتها في الضربة الأمريكية الإسرائيلية الأولى، وعلى رأسهم المرشد الأعلى، وتحولت إلى أسد جريح يبحث عن كبريائه المكلوم، فأخذ يضرب دول الخليج بصواريخه، ومسيراته، معللة ذلك بأنها تضرب المصالح الأمريكية، وليس تلك الدول!!، وتحولت الدول النفطية المسالمة فجأة إلى ساحة صراع مرير، تدفع ثمنه من أمنها واستقرارها، ووقعت بين نيران دول تحاول أن تفرض إرادتها، وسطوتها، وأصبحت دول الخليج عبئا على الولايات المتحدة التي طالما عقدت معها صفقات الأسلحة المليارية، ووعدت بحمايتها من أي اعتداء خارجي، غير أن همها الأكبر تحول إلى حماية إسرائيل، وتُركت هذه الدول لتواجه مصيرها، رغم أنها فرصة أخرى لن يفرط بها تاجر مثل (ترامب) لبيع أسلحته، وتمويل حربه المتهورة على إيران. 

كل هذا الحريق الكبير الذي اشتعل فجأة، جاء لطمأنة الكيان الغاصب، وإرضاء لغرور الرئيس الأمريكي، ولتشغيل مصانع الأسلحة الأمريكية، وإبقاء القواعد العسكرية، وابتزاز دول الخليج تحت ذريعة حمايتها، وكذلك لضمان الهيمنة الإسرائيلية، وتمرير المخطط الصهيوني للسيطرة على الشرق الأوسط، ولا شك أن (نتنياهو) أدرك أنه إذا لم يتم هذا الأمر في عهد ترامب، فلن يتم في عهد غيره، لذلك لم يهدر هذه الفرصة، وتلاعب بالرئيس الأمريكي الذي ادّعى يوما أنه رجل السلام، فإذا هو يشعل الأزمات في كل بقعة من الكرة الأرضية. 

إن الخاسر الأكبر ـ اقتصاديا، وأمنيا، وتجاريا ـ من هذه الحرب الفوضوية هي دول الخليج، والتي وقعت بين مطرقة الولايات المتحدة، وسندان إيران، وستدفع هذه الدول أثمانا باهظة من أمنها واستقرارها، وحتى من قرارها السيادي، وهو ما يدعوها أكثر من أي وقت مضى، إلى تبنّي الواقعية السياسية، والاعتماد على قدراتها البشرية، ومواردها وثرواتها الهائلة، وأن تسرّع وتيرة تعاونها المشترك، وأن لا تنخرط في مغامرات خارج أرضها لا ناقة لها فيها ولا جمل، وأن تقف وقفة حازمة ضد كل من تسوّل له نفسه المساس بمكتسباتها، فهذه المنطقة الجغرافية التي حباها الله ثروات هائلة، بحاجة إلى إدارة سياسية ومالية حكيمة، ولعل التاريخ علمنا أن مصالح الدول الكبرى تنتهي بنهاية المصالح، لذلك حان وقت الاعتماد على النفس، والابتعاد عن التبعية التي لن تجلب إلا الدمار لدولنا. 

حفظ الله سلطنة عمان وشعبها، وحفظ دول الخليج من شر هذه الحرب، وتداعياتها. 

مسعود الحمداني كاتب وشاعر عُماني