استطلاع - أحمد الكندي
تشهد عددًا من الحارات والأحياء حراكًا تنمويًا متسارعًا يتجسد في مشاريع البنية الأساسية وتحديث الخدمات والمرافق العامة؛ وبينما تمضي هذه المشاريع نحو تحسين جودة الحياة ورفع كفاءة الطرق والمرافق، فإنها تفرض في بعض الأحيان واقعًا يوميًا مختلفًا على السكان، يتمثل في تضييق بعض الشوارع الداخلية، أو ارتفاع مستويات الازدحام، أو إغلاق مسارات مؤقتة خلال فترات التنفيذ.
في ظل هذه المتغيرات، بدأ بعض الأهالي -لا سيما فئة الشباب- في البحث عن وسائل تنقل أكثر مرونة وسرعة داخل الأحياء الضيقة، فعادت الدراجة بأنواعها المختلفة؛ الهوائية والكهربائية والنارية، لتبرز كخيار عملي ينسجم مع طبيعة الأزقة القديمة ويسهّل الحركة بعيدًا عن تعقيدات المركبات الكبيرة.
ولا يقف الأمر عند حدود الحلول العملية فحسب، بل يتصل أيضًا بوعي شبابي متزايد بأهمية أنماط التنقل الخفيفة والصديقة للبيئة؛ حيث يرى البعض في استخدام الدراجات وسيلة لتقليل الازدحام والانبعاثات، وتعزيز ثقافة الحركة المستدامة داخل الأحياء السكنية. غير أن هذا التوجه يفتح في المقابل باب التساؤلات حول السلامة المرورية، وملاءمة البنية التحتية الحالية، ومدى الحاجة إلى تنظيم يضمن توازنًا بين متطلبات التنمية وراحة السكان.
فهل تمثل الدراجة اليوم استجابة ذكية لواقع عمراني متغير؟ أم أنها حل مؤقت يفرض تحديات جديدة داخل الحارات الضيقة؟ وفي المقابل، يعكس مستخدمو الدراجات أنفسهم صورة مختلفة للتنقل داخل المدينة، تقوم على القناعة الشخصية والوعي البيئي؛ ومن خلال هذا الاستطلاع نتعرّف أكثر على أهمية الدراجات في الحياة وكيف يتعايش الناس مع واقع توسّع المشاريع التنموية والبنية التحتية التي تؤدي أحيانًا إلى تضييق الشوارع أو ارتفاع الازدحام.
في البداية يقول أحمد بن سالم الإسماعيلي وهو من هواة الدراجات النارية منذ الصغر ويشارك في مسابقات وبطولات وأنشطة متنوّعة: كمستخدم للدراجة النارية داخل الحارات، أرى أنها لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت حلًا واقعيًا للتنقل اليومي في ظل الازدحام وتوسّع المشاريع التنموية التي ضيّقت بعض الشوارع الداخلية؛ فالدراجة تمنحني مرونة كبيرة في الحركة وتوفّر الوقت والجهد، خصوصًا عند قضاء المشاوير القصيرة أو التنقل داخل الأحياء المكتظة.
وقال: مع ذلك، لا يخلو الأمر من التحديات؛ فغياب المسارات المخصصة للدراجات وضيق بعض الطرق ووجود مواقف عشوائية قد يضع مستخدم الدراجة في مواقف خطرة، إضافة إلى ضعف وعي بعض قائدي المركبات بحق الدراجة في الطريق. وعلى الرغم من حرصي على ارتداء معدات السلامة والالتزام بقواعد المرور، مثل ارتداء الخوذة، يظل عامل الأمان مرتبطًا بالبنية التحتية ووعي المجتمع.
وأضاف: من وجهة نظري، فإن دعم هذا التوجه يتطلب خطوات عملية من الجهات المختصة، مثل تهيئة مسارات آمنة داخل الأحياء، وتحسين الإنارة، ووضع مطبات ولوحات تحذيرية مناسبة، وتوفير مواقف مخصصة للدراجات، مما يعزز السلامة ويجعل الدراجة جزءًا من منظومة التنقل الحضري المستدام بدل أن تبقى خيارًا فرديًا محفوفًا بالمخاطر.
أما سالم بن مسعود الرميضي فيقول: إن الدراجة النارية ليست وليدة اليوم، بل استحدثها السكان المحليون منذ القدم وبالأخص في ولاية نزوى، سواء الدراجة الهوائية أم الدراجة النارية؛ حيث كان لهذه الدراجات دور كبير في إيصال الناس عبر الأزقة الضيقة في الحارات القديمة؛ حيث كانت تعد ركيزة أساسية في كل بيت، فهي تغنيك من الوقوف في طابور الازدحام المروري وتسريع الوصول للمقصد المطلوب؛ ولكن الحقيقة سرعان ما تغير الحال لتصبح هذه الدراجات مصدر إزعاج وتصرف خاطئ من قبل الجيل الحديث من الشباب، وبالتالي يجب على الجهات المختصة تكثيف الدور التوعوي في هذا الشأن وذلك لينعم الجميع باستخدام هذه الوسيلة بكل إتقان.
ويقول يعرب بن عبدالله السيفي أحد مستخدمي الدراجات الهوائية: إنه اختار الدراجة وسيلة للتنقل لأنها صديقة للبيئة وتختصر المسافات داخل المدينة، خصوصًا في أوقات الازدحام المروري، مضيفًا إن استخدامها يمنحه مرونة في الحركة داخل الشوارع الداخلية ويجنبّه عناء البحث عن مواقف للمركبات. ويستحضر السيفي موقفًا يعدّه من أصعب التجارب التي مرّ بها، خلال رحلته بالدراجة الهوائية من ولاية نزوى إلى مكة المكرمة؛ حيث اضطر إلى الانتظار نحو 45 دقيقة لعبور أحد الشوارع السريعة في العاصمة الرياض، لعدم وجود مسار أو معبر مخصص للدراجات. ويقول إن هذه التجربة عززت قناعته بأهمية توفير بنية تحتية آمنة لمستخدمي الدراجات.
وحول شعوره بالأمان أثناء القيادة، أوضح أن السلامة متاحة متى ما توفرت مسارات مخصصة وآمنة، مشيرًا إلى أن غياب تلك المسارات يجعل راكب الدراجة عرضة للمخاطر، خاصة في ظل حركة السيارات الكثيفة. ودعا السيفي إلى تخصيص مسارات واضحة للدراجات داخل المدن، إلى جانب تطبيق أنظمة مرورية وعقوبات رادعة للمخالفين، بما يسهم في حماية مستخدمي الدراجات وتنظيم الحركة بشكل يراعي جميع فئات الطريق.
آلية تنظيم الحركة
وفي ظل ما تشهده بعض الحارات من أعمال تطوير وتحسين للبنية الأساسية، يبرز تساؤل مهم حول آلية تنظيم الحركة اليومية للأهالي خلال فترات التنفيذ، ومدى مراعاة احتياجات السكان أثناء تنفيذ المشاريع. وفي هذا السياق، يقول سليمان بن محمد السليماني أحد مطوري حارة العقر بولاية نزوى: إن مشاريع التطوير تُنفذ وفق خطط تنظيمية تهدف إلى تقليل تأثير الأعمال على حركة الأهالي قدر الإمكان، موضحًا بالقول: «نحرص قبل بدء أي مرحلة تنفيذية على دراسة مسارات الحركة داخل الحارة، ووضع حلول بديلة مؤقتة تضمن استمرار تنقل السكان بأمان، سواء من خلال فتح مسارات جانبية أو جدولة الأعمال في أوقات تقل فيها الحركة».
وأضاف: إن هناك تنسيقًا مستمرًا مع الجهات المحلية ذات العلاقة لضمان تنظيم العمل ميدانيًا، وتقليل الإزعاج والازدحام، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة الأزقة الضيقة في الحارات القديمة، مؤكدًا أن استخدام بعض الأهالي للدراجات بمختلف أنواعها يُعد خيارًا شخصيًا يسهم في تخفيف الضغط على الطرق خلال فترات التنفيذ، لكنه لا يُغني عن أهمية التخطيط المنظم للحركة داخل الأحياء.
وأشار السليماني إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تخطيطًا أكثر شمولًا يراعي طبيعة الحارات التاريخية، مؤكدًا أن إدماج مسارات آمنة للحركة الخفيفة، سواء للمشاة أو لمستخدمي الدراجات، يمكن أن يكون جزءًا من أي تطوير مستقبلي. وقال: «التنمية اليوم لم تعد تقتصر على تحسين المرافق فقط، بل تشمل أيضًا إيجاد حلول مرورية ذكية تتناسب مع هوية المكان وتخدم السكان دون أن تؤثر على طابعه العمراني».
ويختتم بالقول: إن التنسيق المسبق مع المجتمع المحلي والاستماع إلى ملاحظاتهم يسهم في تقليل التحديات، ويجعل من مشاريع التطوير عامل دعم للحياة اليومية، لا عبئًا عليها.
واقع الازدحام على الأسواق
وفي جانب آخر، ينعكس واقع الازدحام داخل الأحياء والأسواق على حركة الزبائن ونمط تسوقهم، لا سيما في المناطق التجارية الحيوية. وفي هذا السياق، يقول إبراهيم بن سالم الإسماعيلي أحد تجار سوق نزوى: إن هناك توجهًا متزايدًا لدى بعض العملاء لاستخدام الدراجات، خصوصًا خلال أوقات الذروة والمناسبات والفعاليات التي تشهد كثافة مرورية ملحوظة.
وأضاف: «نلاحظ أن البعض أصبح يفضل التنقل بالدراجة لتفادي صعوبة إيجاد مواقف للسيارات أو التأخر بسبب الازدحام، خاصة في المواسم التي يرتفع فيها الإقبال على السوق».
وأشار إلى أنه حتى الآن لم تبرز مطالبات واضحة بتخصيص مواقف خاصة للدراجات، إلا أنه لا يستبعد أن يظهر مثل هذا التوجه مستقبلًا، في ظل استمرار الازدحام وزيادة الكثافة السكانية، مؤكدًا أن توفير مساحات منظمة للدراجات قد يسهم في تحسين انسيابية الحركة داخل السوق وتعزيز راحة المتسوقين.
متطلبات التنمية وراحة السكان
وفي ظل هذه الآراء التي عبّر عنها عدد من الأهالي وقائدي الدراجات حول تحديات التنقل داخل الحارات أثناء تنفيذ المشاريع، برزت تساؤلات تتعلق بآليات التنظيم وخطط المعالجة المستقبلية. وللوقوف على رؤية الجهة المعنية، حملنا هذه الملاحظات إلى بلدية الداخلية لمعرفة الإجراءات المتبعة، ومدى إدماج حلول عملية توازن بين متطلبات التنمية وراحة السكان؛ وفي الإطار التنظيمي، يبرز دور الجهات البلدية في إدارة حركة التنقل داخل الأحياء التي تشهد مشاريع تطوير، ووضع الحلول التي تضمن استمرارية الحركة بأقل قدر من التأثير على السكان؛ حيث أكد المهندس سليمان بن حمد السنيدي مدير عام بلدية الداخلية، أن محافظة الداخلية تمضي بخطى واضحة نحو ترسيخ مفهوم التنقل الحضري المستدام عبر إدماج مسارات الدراجات ضمن المنظومة التخطيطية الحديثة للطرق، بما يعزز جودة الحياة ويرفع كفاءة الحركة المرورية، ويواكب التوجهات الوطنية المرتبطة بالاستدامة وتحسين المشهد الحضري.
خيار عملي
وأوضح أن بلدية الداخلية تنظر إلى استخدام الدراجات النارية والهوائية، خاصة في الحارات والمناطق ذات الشوارع الضيقة، بوصفه خيارًا عمليًا يسهم في تخفيف الضغط على شبكة الطرق، لا سيما في ظل التوسع العمراني المتسارع وتنفيذ عدد من المشاريع التنموية في ولايات المحافظة. وأشار إلى أن هذا التوجه يأتي ضمن رؤية تخطيطية شاملة تراعي التوازن بين المركبات والمشاة ووسائل التنقل الخفيفة. موضحًا أن ولاية نزوى تمثل نموذجًا متقدمًا في هذا الصدد؛ حيث تشهد استخدامًا واسعًا للدراجات، لا سيما في منطقة السوق والمناطق التاريخية، نظرًا لطبيعة الطرق الضيقة، مؤكدًا أن المخططات الحضرية الحديثة في مختلف ولايات الداخلية أصبحت تراعي أهمية إدراج مسارات مخصصة للدراجات ضمن التصميم العام للطرق، بما ينسجم مع المعايير التخطيطية الحديثة ومتطلبات السلامة المرورية.
وأضاف: إن بعض الطرق الجديدة تُصمم بعرض يصل إلى 8 أمتار، بما يتيح تخصيص مسارات آمنة على جانبي الطريق لراكبي الدراجات، ويعزز انسيابية الحركة لجميع المستخدمين.
وأشار إلى أن مشروع ميدان الداخلية يعد من المشاريع النوعية التي تجسد هذا التوجه؛ حيث يتضمن مسارات مخصصة للدراجات ضمن بيئة حضرية متكاملة تعزز مفهوم الفضاءات العامة الصديقة للمجتمع، وتدعم أنماط التنقل الآمن والصحي. كما أوضح أنه خلال تنفيذ أعمال صيانة الطرق، يتم -بالتنسيق مع شرطة عُمان السلطانية- تخصيص مسارات مؤقتة للدراجات، مع تثبيت لوحات إرشادية وتنبيهية تؤكد أحقية المرور وضرورة الالتزام بالسرعات المحددة، خاصة في المواقع ذات الكثافة المرورية أو الطبيعة الجغرافية الخاصة.
وفي إطار الحرص على تحقيق التوازن بين حرية الاستخدام والمحافظة على السكينة العامة، أكد السنيدي أن المحافظة تنفذ برامج توعوية لتعزيز الاستخدام المسؤول للدراجات، بما يراعي خصوصية الأحياء السكنية وأوقات الراحة، مشيرًا إلى استمرار التنسيق مع شرطة عُمان السلطانية لمتابعة أي تجاوزات واتخاذ الإجراءات القانونية وفق الأنظمة المعمول بها.
واختتم السنيدي حديثه بالقول: إن المحافظة تواصل تطوير البنية الأساسية للطرق وفق رؤية مستقبلية تستهدف إيجاد بيئة حضرية أكثر أمانًا ومرونة واستدامة، سواء من خلال اعتماد مخططات جديدة تراعي متطلبات السلامة والتوسعة، أو عبر معالجة الطرق القائمة بالشراكة مع المجتمع المحلي، بما في ذلك صيانة المسارات وتوسعة بعض الطرق بين المزارع والأحياء، بما يعزز السلامة المرورية ويدعم سهولة التنقل داخل مختلف ولايات المحافظة.
ختامًا، وبين تطلعات الأهالي إلى تنقل أكثر سلاسة وأمانًا، وجهود البلدية في تنظيم المشاريع وإدارة الحركة داخل الأحياء، تتشكل معادلة دقيقة تقوم على الشراكة والتفاهم؛ فنجاح أي تطوير عمراني لا يقاس فقط بحجم الإنجاز، بل بقدرته على مراعاة تفاصيل الحياة اليومية للسكان. ويبقى الحوار المستمر بين الجهات المعنية والمجتمع المحلي ركيزة أساسية لضمان أن تكون مشاريع التنمية داعمًا لحيوية الأحياء، لا سببًا في إرهاقها، وأن تتحول الحلول -مهما كانت بسيطة- إلى جزء من رؤية أوسع لتنقل أكثر استدامة داخل الحارات.