عندما قال معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية مخاطبًا الأمريكيين مساء السبت الماضي «هذه ليست حربكم» اعتقد البعض للوهلة الأولى أنه خطاب أخلاقي موجه إلى ضمير الرأي العام في أمريكا؛ لكن الحقيقة أن تلك العبارة هي توصيف سياسي دقيق لقرار الحرب الذي اتخذ في دائرة ضيقة ثم طُلب من دولة كاملة، بشعبها ومؤسساتها وسمعتها وتحالفاتها، أن تتحمل تبعاته السياسية والعسكرية والثقافية والأخلاقية.
وثمة مساحة كبيرة بين «أمريكا الدولة» و«أمريكا القرار» وهذه المساحة باتت مع الوقت أكثر وضوحا والفجوة بينها كبيرة. تُظهر بعض الاستطلاعات المنشورة الأحد تأييدا محدودا للضربات، في نطاق يقارب الربع إلى الثلث، مع ميل عام للرفض أو التحفظ. وحتى من يؤيد الحرب فإنه يتحدث عن الحدود الواضحة لأي استخدام للقوة. أما أمريكا «القرار» التي يقودها ترامب نفسه فتتحدث عن «الضرورة الأمنية» لكنها تتجاهل الكثير من الأسئلة الجوهرية بما في ذلك سؤال النهاية. وعلى شاكلة الكثير من الحروب في المنطقة لا إجابة عن هذه الأسئلة ولا رؤية واضحة للمرحلة القادمة؛ لذلك تنفتح هذه الحرب على الكثير من الاحتمالات، احتمال التمدد، وهي تتمدد في كل ساعة واحتمالات دخول جهات وأطراف أخرى بإرادتها أو مضطرة للدفاع عن سيادتها كما هو الحال مع دول الخليج، واحتمال أن تتحول استثناءات الحرب إلى قواعد ثابتة وجوهرية.
وهنا يمكن أن نفهم بشكل أعمق دلالة عبارة «ليست حربكم».. هي ليست حرب المواطن الأمريكي الذي سيُطلب منه تمويلها، ولا حرب الجندي الذي سيُدفع إلى مسرح قتالي جديد، ولا حرب الشركات التي تحتاج سوقا مستقرة وأسعار طاقة قابلة للتنبؤ. ليست حرب الجامعات التي تعلّم العالم درسًا في القانون الدولي ثم ترى هذا القانون يتآكل في لحظة الحقيقة. هي أقرب إلى حرب رئيس يريد أن يثبت قوته أمام العالم. لكن هناك من يؤكد أن هذه الحرب، أيضا، ليست حرب ترامب نفسه، إنه مدفوع لها بحسابات التحالف مع إسرائيل، وبضغوط السياسة الداخلية الأمريكية، وبمنطق الأمن الإسرائيلي الذي يضغط باتجاه توسيع مدى الضربات، وبضغط الصهيونية الإسرائيلية التي ترى في اللحظة الآنية فرصة لتحقيق أهدافها المبنية على سيادتها وحدها في المنطقة وعلى المنطقة.
ما زالت الحرب في يومها الرابع ولكنها باتت تستعيد في الخليج أسئلة قديمة بصياغة وهواجس جديدة حول معنى «الحماية العسكرية» إذا كان ثمنها زيادة احتمال الاستهداف؟ وجدوى القواعد العسكرية إذا كانت تتحول، في مخيال الناس وفي حسابات الخصوم، إلى نقاط جذب للنار بدل أن تكون نقاط ردع لها؟ وهذه أسئلة عقلانية مفهومة في سياقها الزمني وفي سياق اللحظة الآنية قبل أن تقرأ باعتبارها تمردا على فكرة التحالفات خاصة وأنها تقوم على منطق براجماتي يقول إن التحالف الذي لا يوفر حماية تعادل كلفته يصبح مع الوقت عبئًا لا يحتمل خاصة وأنه يتحول إلى مبرر للاعتداء.
تصنع الحرب مفارقة غريبة تؤكد أنها «ليست حرب أمريكا». تقول واشنطن إنها لا تريد تدمير إيران، وتهدف فقط إلى إسقاط النظام وإنهاء البرنامج النووي. لكن هذه العبارة لا يمكن فهمها عندما يتم استهداف مدرسة للطالبات، وموانئ مدنية وأحياء سكنية. هذا السلوك يسقط الفواصل بين «النظام» و«الدولة» و«الوطن». وسيجد الذين يختلفون مع السلطة أنفسهم أمام سؤال من الذي استباح حياتنا ودمر وطننا؟ وهذا الأمر يكرس فكرة الثأر التاريخي مع مجتمع بأكمله وليس مع النخبة الحاكمة، وهو ثأر يدوم أكثر مما تدوم العناوين العسكرية خاصة عندما يتعلق الأمر بإيران التي تُستدعى فيها الذاكرة الجمعية، السياسية والدينية، بوصفها وقودا طويل الأمد للخصومة.
تحتاج أمريكا، وبشكل خاص النخب المؤثرة فيها، ثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا وقانونيًا، مراجعة نفسها، ومحاولة التفريق بين حدود القوة وحدود السياسة وحدود المقامرة وحدود الصفقة. وأفضل ما يمكن أن تفعله أمريكا في هذه اللحظة التي تتوسع فيها الحرب أن تسأل نفسها «هل هذه الحرب حربنا أم حرب آخرين؟» وعند هذه اللحظة ستكون عبارة وزير الخارجية أقل حاجة للتكرار؛ لأن الحرب، فعلا، لن تكون حربهم.