تجد أغلب أرجاء كوبا نفسها في ظلام متزايد؛ ففي كثير من المدن والبلدات بأنحاء الجزيرة، قد تستمر انقطاعات الكهرباء لساعات بل ولأيام. وحين يعود التيار من جديد تتسارع الأسر إلى طبخ ما يمكن طبخه وتخزين القليل مما يتبقى إلى أن ينقطع التيار من جديد.

والنقل العام لا يكاد يكون موجودا. وكثير من المستشفيات تفتقر إلى الأدوية الكافية لعلاج مرضاها، وكثير من المدارس تفتقر إلى الأعداد الكافية من المعلمين لتعليم الطلاب. وبات الحصول على الطعام بالنسبة لأغلب الناس يعني الاصطفاف في طوابير في انتظار ثم دفع أسعار باهظة.

ودأبت الحكومة على عرض حالة الطوارئ في الجزيرة باعتبارها ظاهرة مفروضة من الخارج. وفي حين أن جهود إدارة ترامب في الآونة الأخيرة لتقييد شحنات النفط الموجهة إلى كوبا قد أضافت ضغوطا على الاقتصاد، لكن اقتصاد كوبا كان بالفعل على شفا الانهيار، وما يجري في كوبا اليوم هو جوهريا نتيجة عقود من الفشل الاقتصادي الهيكلي في ظل نظام سياسي جامد دأب على رفض الإصلاح.

ومنذ أن وصل النظام الحاكم إلى السلطة في عام 1959، ثبت أن النظام الاقتصادي الكوبي ـ القائم على مركزية الإدارة وتأميم وسائل الإنتاج الضرورية وفرض القيود المشددة على الأسواق ـ عاجز عن توليد نمو مستدام وتنمية ورفاهية اجتماعية. والآن ينهار العقد الاجتماعي الضمني الذي أدام نظام الحكم على مدى سنين. فالتشديد المفرط في النظام السياسي الشمولي في البلد بات عائقا أساسيا في وجه الإصلاحات التي يحتاج إليها الاقتصاد أمسّ الاحتياج. ودون وجود تحول اقتصادي، سوف يبقى التعافي الاقتصادي وهما بعيدا.

يقوم الهيكل الاقتصادي الخاص بالنظام على دافع من الهوس بسيطرة الدولة باعتباره الضامن الأقصى للبقاء السياسي. وبتركز الإنتاج والحد من دور القطاع الخاص، سعى الحزب الشيوعي إلى منع تشكل أي قوة مستقلة قادرة على تحدي سلطته، فأدى ذلك بدوره إلى إفراط المواطنين في الاتكال على الدولة.

ويتأبى هذا النظام بطبيعته على الإصلاح، حتى التغيرات البسيطة تعد تهديدات أيديولوجية لاحتكار الحزب للسلطة. ولقد بدأت الأزمة الراهنة في عام 2021 إثر إصلاح فاشل للعملة أطلق العنان لدوامة تضخمية تفاقمت بفعل انهيار السياحة خلال جائحة كوفيد 19.

وتخضع كوبا لحكم نخبة بيروقراطية مغلقة داخل الحزب الشيوعي ـ وهو الحزب السياسي الشرعي الوحيد ـ وتحولت إلى طبقة ريعية. وترتكز السلطة في دائرة صغيرة من قادة الحرس القديم وخلفائهم، ومنهم الرئيس ميجيل دياز كانل بجانب تكتلات تجارية تسيطر عليها القوات المسلحة التي تهيمن على أغلب القطاعات الربحية من قبيل السياحة.

وعلى مدار العقود الستة الماضية، تسبب هذا النظام في صعود شبكة مصالح تجعل قيادتها السيطرة أولوية مقدمة على احتياجات الشعب.

ويعاني الاقتصاد الكوبي بشدة من جراء هذا؛ فالبلد لم يعد قادرا على إنتاج السلع الأساسية التي يحتاج إليها، وهو اليوم يستورد أغلب ما يستهلك من الطعام، رغم خصوبة أراضيه وطول تاريخه في الزراعة.

وتخلفت قاعدة كوبا الصناعية، بثقل من التكنولوجيا البائدة، وبنقص رأس المال، وباتباع سياسة استثمارية تقدم إنشاء الفنادق على دعم شبكة الطاقة المتدهورة في البلد.

وما من رمز لانحدار كوبا أبلغ مما شهدته صناعة السكر. فعلى مدى قرون، كان السكر هو علامة هوية الجزيرة الاقتصادية وهو العامل الذي يديم اندماجها في الاقتصاد الدولي. وفي عام 1989، قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، كان البلد ينتج قرابة ثمانية ملايين طن من السكر، وبحلول عام 2025 تهاوى الإنتاج إلى ما يقدر بمائتي ألف طن، وهذا هو أدنى مستوى منذ حرب الاستقلال عن إسبانيا التي انتهت في عام 1898. وكان قرار فيدل كاسترو سنة 2002 بتفكيك جزء كبير من الصناعة في مواجهة هبوط الأسعار العالمية وتداعي البنية الأساسية بمقام نقطة تحول في المنحنى الاقتصادي للبلد. فبدلا من تحديث المصانع، أغلقت الحكومة قرابة النصف منها. ولا تزال المصانع المغلقة والحقول المهجورة منثورة في أرجاء الجزيرة هنا وهناك.

وفي العقود الأخيرة، حاول النظام أن يعيد توجيه الاقتصاد باتجاه السياحة وتصدير الخدمات المهنية من قبيل البعثات الطبية إذ ترسل الدولة أطباء إلى الخارج وتحتفظ بجزء من دخلها.

ولبعض الوقت، وفرت السياحة بعض الارتياح، بتوليد وظائف وعملة أجنبية. لكن هذه الطفرة لم تدم في مواجهة تدهور البنية الأساسية التي قلصت جودة الخدمات وفي ظل منافسة منطقة الكاريبي والقيود المشددة على السفر من الولايات المتحدة.

وأصبح تصدير الخدمات المهنية، وبخاصة إلى فنزويلا، مصدر الدخل الأساسي، لكن الإطاحة بنيكولاس مادورو أظهرت هشاشة النموذج القائم على التحالفات لا على التنافسية. كما أن نقص الوقود الذي تفاقم بسبب إجراءات الرئيس ترامب الأخيرة قد أبرز تكلفة الاعتماد على الدعم الأجنبي.

والنتيجة هي اقتصاد عميق الركود ذو مصادر قليلة للعملة الأجنبية، وقدرة شرائية متدنية وقدرة ضئيلة على استيعاب الصدمات الخارجية. كما أدى الانهيار الاقتصادي في البلد -الذي تسارع بسبب تغير أولويات النظام السياسية- إلى تآكل المنجزات الاجتماعية في الصحة والتعليم التي كانت على مدى عقود أعمدة لشرعية النموذج الكوبي.

ورغم دوامة الانهيار، لم تظهر الحكومة عزيمة تذكر على القيام بالإصلاحات، بما يتيح مزيدا من مبادرات القطاع الخاص وتحرير للأسواق وإنماء للظروف المحابية للاستثمار وكل ما يمكن أن يكون ذا نفع. وخشية أن يفضي انفتاح اقتصادي إلى تغيرات سياسية، رفض البلد تخفيف القبضة على الاقتصاد فأدى ذلك إلى تفاقم الوضع وتجاوزه نقطة عدم العودة.

ولو أن النظام مهتم حقا بتحسين الأوضاع في الجزيرة، لأفسح مجالا لجدل عام ومداولات سياسية. لكنه بدلا من ذلك شدد قبضته وقمعه.

وما العوز والقمع اللذان يسمان الحياة في كوبا اليوم إلا تعبير سافر في المقام الأول عن إنهاك النموذج الذي فقد القدرة على الحفاظ على بقائه.

وتتصرف القيادة الكوبية كأن النظام محصن من قوى التاريخ؛ فتتصور أن داعميها في الخارج سوف يستمرون إلى الأبد في مساندة النموذج في دورة تديم نفسها أبدا.

ويصون دستور 2019 طبيعة الاشتراكية الثابتة، وكأن النظام السياسي والاقتصادي قادر على تحصين نفسه من مرور الزمن. في حين أنه ما من نظام مقدر له الدوام. وعلى مدار عقود ظل النظام الكوبي يخلط بين بقائه وبين الأبدية، والآن قد تكون اللعبة على مشارف النهاية.