تمتُعني قراءة كتب السيرة الذاتية، ليس لأني أبحث عن النميمة فيها أو تقفِّي أثر هذا الكاتب أو ذاك الفنان أو السياسي، أو التفتيش في حياتهم، لكني أبحث عن متعة السرد في الحكايات الخاصة، والطريقة التي شقَّ بها صاحب السيرة طريقه إلى القمة، متغلباً على الصعاب والدسائس والظروف الحياتية المناوئة. كما أن السيرة تكشف عن وجهٍ آخر لكاتبها هو وجه المؤلف، خاصة إذا كان فناناً أو سياسياً لم يجرِّب امتهان الأدب إلا حين شرع في كتابة حياته!


في غالبية السير العربية تفوح رائحة الفقر من حياة كتَّابها، فلن تجد حكاية أمير الشعراء أحمد شوقي الذي نشأ في القصور وأكل بملاعق الذهب إلا في كتبٍ نادرة، بينما عانى أغلبية المشاهير من العوز والحياة المتقشفة، حتى فتحت لهم الموهبة نوافذ ذهبية إلى حياة الرغد، وهو ما جرى مع الفنان المصري عبد المنعم مدبولي، صاحب العلامات في المسرح والدراما كممثلٍ ومخرج.


نشأ مدبولي، بحسب ما يحكيه في سيرته "مع خالص تحياتي"، في حي الشعرية بالقاهرة، وتحديداً في شارع "أمير الجيوش"، ووجد نوعين من التجارة في ذلك الشارع، الأولى تخص مستلزمات المتوفين كالكفن والليف والدمور وماء الورد والصابون والقطن، والثانية تجهيز العرسان، أي تجارة الموبيليا وقطن التنجيد والمفروشات والنجف والأسرَّة النحاسية والسجاد والحُصر والحلل والطشوت. يعلق مدبولي ساخراً: "شارع واحد يمكن للمرء فيه أن يتزوج ويتوفى!". هذه الحالة جعلته دائماً يتأمل الشخصية المصرية المشغولة بالحياة والآخرة في نفس الوقت!


أول لقب اقتنصه هو "يتيم"، فقد ولد وأبوه متوفٍ. عطفت عليه أمه وردَّدتْ كثيراً أنه "طفل صاحب مرض". شعر دائماً بأن حبله السري متصل بها، فهي كوكبه وقبلته، ولا يمكن بأي حال أن يغضبها. أرادت أن تفرش له الدنيا بالورد لكن يدها قصيرة، فهم فقراء، وليس لديهم إلا قروش الطعام، ومع ذلك باعت مصاغها أكثر من مرة لتضمن وجوده في مدرسة جيدة.
وبسبب خلاف أمه مع أعمامه على ميراث هزيل.. طلبت ألا يقبل منهم أي مال، وألحَّت عمة له في أحد الأيام على منحه قرشاً، شعر بالارتباك، وبأن هذا القرش في جيبه بمثابة الجريمة، فهرول به إلى الشارع، ووضعه على قضبان الترام. لم يهدأ له بال إلا حين عبر الترام فوقه وشوَّهه!


وفي المدرسة اكتشف مدبولي قدرته على الرسم والتمثيل، واحتضنه أحد المدرسين، لكن الأمور لم تسر بشكل جيد، فقد تعنَّت ضده معلم الحساب، وتسبب في رسوبه أكثر من مرة. سيطر عليه الحزن، فالرسوب يعني مزيداً من الأعباء المالية على أمه.


يسرد مدبولي بالتفصيل أسماء زملائه ومدرسيه والأدوار الصغيرة التي حاول تجسيدها. صارت متعته أن يذهب إلى الموالد ليرى الفِرق المسرحية الصغيرة، وتحايل على الدخول بالبحث عن أي فجوة في قماش الخيمة المنصوبة، بمرور الوقت صار محترفاً في اختراق الخيم دون أن يشعر به الحراس ودون أن يدفع مليماً.

جاءه صديق ذات يوم وأخبره بأن معه جنيهاً كاملاً، وكان هذا بمثابة الثروة، لم يصدق مدبولي وطلب منه أن يريه الجنيه، فأخرجه أمام عينيه الذاهلتين، ذهبا فرحيْن إلى الكبابجي، ومن ثمَّ إلى شارع عماد الدين، قبلة التياتروهات والمسارح والفنانين الكبار، شاهدا إعلاناً لفيلم "في ليلة ممطرة" بطولة ليلى مراد ويوسف وهبي، فما كان من صديقه إلا أن اشترى تذكرتين ودعاه للدخول. خرجا منتشيين واستمر مدبولي في التعليق بحماس على عظمة يوسف بك وهبي.

سأله صديقه: "ما رأيك أن نقابله شخصياً بشحمه ولحمه؟!". دخل مدبولي لأول مرة المسرح في حياته وشاهد مسرحية "ابن الفلاح" وسُرَّ سروراً كبيراً وهو يشاهد يوسف بك يذرع خشبة المسرح جيئة وذهاباً ويملأ أركانه بصوته القوي، وخرج في منتهى الانبهار بالتراجيديا التي أغرقته في حزن شفيف، ليفاجأ بأن ذلك اليوم العظيم فيه فصل ممتع آخر لم يُكتب بعد. دعاه صديقه لرؤية مسرحية ثانية ولكن هذه المرة للفنان نجيب الريحاني. شعر مدبولي الفَرِح بأنهما انتقلا في الزمان والمكان رغم أن المسرحين متجاوران، فجمهور يوسف وهبي من البسطاء، الموظفين آكلي الفول والطعمية، بينما جمهور يوسف بك نساء يرتدين الألماس والفساتين القطيفة والبروشات اللامعة، ورجال يرفلون في البدل الفخمة ويغرقون في العطور الفاخرة، كان إعجابه بكوميديا الريحاني أقل من تراجيديا وهبي، وهذا يشير مبدئياً إلى أن تكوينه النفسي مال إلى التراجيديا.


لا يمكن سرد كل وقائع الكتاب، حيث يمضى متنقلاً من بيت إلى بيت، ومن مدرسة إلى مدرسة، ومن مسرح إلى مسرح، ومن فرقة إلى فرقة يكبر داخله الأمل بأن يصير فناناً ليرى الفخر في عين أمه، لكنني سأتوقف عند محطة مهمة وهي مقابلته بجورج أبيض. قال له أحد معارفه إن ذلك المسرحي العظيم على وشك إجراء اختبارات ليختار ممثلاً يؤدي دور رجل عجوز في مسرحية جديدة. ذهب مدبولي وفوجئ بأن المتقدمين للدور ثلاثة وعشرين شخصاً، ولاحظ أن جورج أبيض يتركهم يقولون بضع عبارات ثم يوقفهم بتهذيب ويشكرهم. جاء الدور عليه ولاحظ أن أبيض تركه يكمل ولم يقاطعه كالباقين. أنهى ما حفظه فطلب منه أن يأتي ليجلس بجواره وربت على كتفه وتنبأ له بأنه سيكون ممثلاً تراجيدياً من الطراز الرفيع. وأثناء أدائه الدور في المسرحية حدث موقف طريف آخر، فقد فوجئ بشعرة من الشارب المستعار داخل فمه، ارتبك وحاول أن يزيلها، فخرج الشارب والذقن في يده، سيطر عليه الإحراج، وأسندهما بيده لكنهما لم يستقرا في مكانهما، وهنا اضطر لأن يبتلعهما بالكامل، فوجئ بأن جورج أبيض شاهده من الكواليس وقال له ساخراً بعد المسرحية: "الشنب هيزرَّع في بطنك!".


مدبولي أعطى أبيض حقه في الكتاب وقارنه بزكي طليمات العصبي متعكر المزاج على الدوام لكنه اعترف أيضاً بأن طليمات مدرسة بدوره. يحكي مدبولي كذلك عن علاقته بالفنان الكوميدي عبد المنعم مدبولي وقد تعرضا لمضايقات من ضابط أسترالي أثناء الحرب العالمية الثانية، إذ دأب ضباط الحلفاء وكل من هبَّ ودب على السهر في بارات القاهرة حتى أوقات متأخرة والخروج إلى الشارع في حالة سكر والتعدي على المارة، وقد ضرب ذلك الضابط مدبولي لكمة في عينه شعر معها أن رأسه طار، وحين نظر إلى مدبولي وجده يهرول بعيداً.


لم يكن ذلك هو الموقف الوحيد الذي تعرضا له معاً، فقد تشاركا العمل في عدة فرق للهواة، وصارا صديقين حميمين. مرة جاء مدير مسرح الريحاني إلى مدبولي وسأله: "هل وجدتم ممثلة لمسرحيتكم الجديدة؟!". فأخبره بأنه لا يزال يبحث عنها. دله الرجل على راقصة جميلة. ذهبا إليها في تياترو واتفقا معها على مقابلتها في بيتها لتحفيظها الدور. في الموعد خرجت إليهم شبه عارية مرتبكة، تنطق ما يمليه عليها مدبولي بتلعثم، ثم ظهر رجل هائل الحجم من غرفة النوم، وجلس قبالتهم يحدق فيهم بملامح مخيفة وسألهم باستنكار ووعيد: "هل هذا موعد مناسب لتحفيظ الدور؟!" ورد مدبولي بأنه جاء حسب اتفاق. نهض الرجل مرة أخرى واختفى في غرفة ثم عاد إليهم وهو يحمل مسدساً والشرر يتطاير من عينيه. فر عبد المنعم إبراهيم مرة أخرى، وحاول مدبولي أن يتصنع الهدوء والرزانة وهو يلملم أوراقه. ثم غادر باتجاه باب الشقة إلا أن قدم الرجل لاحقته بـ"الشلوت"! قابل مدبولي هذا الرجل بعد سنوات. كان يرتدي ملابس ضابط وسأله: "هل تعرَّفت عليَّ؟!" فأجاب مدبولي ضاحكاً: "وهل يمكن نسيان شلوتك!"، واعتذر له الرجل اعتذاراً صادقاً.


ذاع صيت مدبولي مع تعدد مسرحياته وصار يُنظَر إليه باهتمام شديد، وانضم إلى مسرح التلفزيون، وحقق معه نجاحات كبيرة، وبفضله وبفضل بعض الفنانين الكبار دانت السيطرة لمسرح التلفزيون على الساحة عدة سنوات، قبل أن تتراجع هيبته ويضمحل ويذهب بدون رجعة.


أسَّس مدبولي مع سمير خفاجي فرقة "الفنانين المتحدين" وكانت أحد أهم أعمالها مسرحية "مدرسة المشاغبين". يحكي مدبولي أن دور محمد صبحي حصل عليه في اللحظة الأخيرة عادل إمام. لم تنجح المسرحية النجاح الباهر في البداية، ولهذا سمح للممثلين أن يخرجوا على النص ويضيفوا بعض التوابل، ومع مرور الوقت جذبت المسرحية أعداداً ضخمة من الناس ونجحت نجاحاً مدوياً. تعاطف مدبولي مع الفنان أحمد زكي، لكنه لم يقبل طلبه بأن يخرج على النص كالباقين، إذ أنه ابن الشغالة، ويجب أن يكون أداؤه تراجيدياً أكثر، لكنه لكي يساعده طلب من الفريق الموسيقي إضافة لحن في خلفية حواره الطويل مع الناظر فحصل على تصفيق كبير. ولم تُسجَّل المسرحية في التلفزيون إلا حين ترك مدبولي مكانه للفنان حسن مصطفى.


يحكي مدبولي عن سفره إلى السودان ويسرد أسباب انجذابه وحبه الهائل للسودانيين، وكيف عالجه طبيب من نزلة برد حادة كادت أن تنهي مصير العرض، كما يحكي عن المرض ونجاته منه، ثم وفاة أمه، والصدمة الهائلة التي خلَّفها رحيلها. لقد تذكَّر أنه يتيم.


الكتاب ممتع، يرويه مدبولي بلغة سهلة تزدان بالتشبيهات الساخرة والحكايات الطريفة، وهو مرجع دقيق لأي باحث في المسرح والدراما، وكذلك في سيرة مدبولي المهنية. بقي أن أشير إلى الجهد الهائل لمحرر الكتاب وناشره الإعلامي د. محمد سعيد محفوظ، فقد عمل شهوراً طويلة على معالجة خط مدبولي، إذ كانت بعض الكلمات في مواضع بـ"المفكرات السبعة" غير واضحة، والمعنى ناقصاً في أخرى، كما أن الحكايات افتقرت إلى الترابط أو التتابع المنطقي، فعمل عليها حتى ضمن أن تخرج السيرة بشكل متدفق كأنها عمل إبداعي. أما د. سيد إسماعيل علي فدقَّق التواريخ ووضع الهوامش وسرد فيها معلومات تتعلق بشخصيات وأماكن ومسرحيات وردت في الكتاب مما منحه ثقل البحث الرصين والمرجع الثقة.