كان سفيان الثوري يقول: "من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل ابن أحمد". رغم عقلية الخليل الخلاقة وعبقريته المبتكرة والمجددة فإنه كان آية في حسن التعامل والتنزّه؛ فلم يتطلع إلى شهرة أو ثروة أو جاه، وكان ينفق على نفسه من بستان خلّفه له والده بينما كان تلاميذه يتكسبون بعلمه الأموال الطائلة، فكان يقول تلميذه النضر بن شميل: "أكلت الدنيا بعلم الخليل وكتبه، وهو في خص لا يُشعر به". ولكنه رغم ذلك لم يشعر بالنقص، بل يكبر الإباء، فكان يقول: "إني لأغلق علي بابي، فما يجاوزه همي".

فكان أن ابتعد عن التزلف لرجال الحكم، ورفض دعوتهم له، ومن ذلك قصته مع والي المنصور العباسي على الأهواز سليمان بن حبيب المهلبي الذي بعث إليه بهدية في مائة ألف درهم، ويدعوه إلى أن يقدم إليه، فيلازمه وينادمه، ويؤدب أولاده، لكن الخليل -الذي لم يكن في بيته إلا كسرة خبز- رفض هذا العرض، وقال لرسول الأمير: أرأيت هذه الكسرة من الخبز؛ إنها زادي الوحيد، ولكنها كافية لسد رمقي. مادام عندي منها فلست بحاجة إلى سليمان، أما هذه الدراهم الكثيرة فعند الأمير من الشعراء من هم بحاجة إليها.
ولم يضعف أمام إلحاح ابنه عبد الرحمن الذي رآها فرصة للثراء.


ومن أعظم أخلاق الخليل التواضع مع كل ذلك التفوّق العلمي، ومن ذلك ما حكاه عنه أيوب بن المتوكل يقول: "كان الخليل إذا أفاد إنسانا شيئا لم يُرهِ أنه أفاده، وإن استفاد من أحد شيئا أراه بأنه استفاد منه". ويقول تلميذه النظر بن شميل: "ما رأيت أحدا يطلب إليه ما عنده أشد تواضعا منه".
وكانت آية ذهنه أنه يحاول أن يستخرج من الظواهر أصولا تجمع في قانون واحد، فكان على قسط وافر من الذكاء والعبقرية. ذكر أبو الطيب اللغوي أنه قد اجتمع نفر من العلماء بمكة مرة من كل أفق، فتذاكروا أمر العلماء، فجعل أهل كل بلد يرفعون علماءهم ويصفونهم، حتى جرى ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلا قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم، ومصرّفها.


(2)
كان الخليل محبا للوَحدة راغبا في الصحراء يخرج من المدينة إليها، فينفرد بنفسه، ولا يعود إلا في الغسق، يسير على غير هدى، ومن خلال ذلك يدوّن شيئا في صحيفة معه، ولم تلبث التهويمات أن كشفت عن شيء واضح ناصع، وصف بقوله: "أبو الأسود أبو الأسود وضع ضبط حروف الكلمات العربية من فتح مسكون بوضع نقاط في أعلى الحروف أو أسفل منها أو عن يمينها أو عن شمائلها، فاختلطت النقاط المميزة للحروف بالحروف، فأردتُ أن أسهّل على الناس بأن أوجد ما يضبط به الناس الكلمات دون الحاجة إلى تغيير الحبر، ودون أن يضطربوا من كثرة النقاط واستعمالها، والأمر الذي خطر ببالي هو أن أرسم فوق كل حرف محرك صورة حرف المدّ الذي يقابل حركته، فإذا كانت حركة الفتح وضعنا ألفا صغيرة، وإن كانت ضمة وضعنا واوا صغيرة، وإن كانت الكسرة وضعنا ياءً صغيرة.

فلما أذاع الخليل طريقته استقبلها الناس كعادتهم عند استقبال كل جديد بهجوم بالغ متهمين إياه بالابتداع، ولكن الخليل دافع عن طريقته حتى أقنع الكثير من مخالفيه، وكانوا قد خافوا على نص القرآن أن يغيّر بهذه الطريقة. وهكذا كان الخليل له الدور الأبرز في تطوير الكتابة العربية، وهكذا ضبطت الحروف العربية. كما ابتكر الهمز والشدة والمدة، فاقتدى به مجموعة من المؤلفين، ولعل الخليل بن أحمد في ذلك وضع كتابه "النقاط والشكل" الذي ذكر فيه هذا النمط من الابتكار.


(3)
تحكي الروايات أن الفراهيدي ذات يوم ذهب إلى الكعبة حاجًّا، فتعلّق بأستار الكعبة، ودعا الله قائلا: «اللهم هب لي علما لم يسبقني إليه أحد» قالها وهو يتضرع إلى الله متعلّقا بأستار الكعبة. وروى أبو الحسن الأخفش عن الحسن بن يزيد أنه قال: سألت الخليل بن أحمد عن العروض، فقلت له: هلا عرفت لها أصلاً؟ قال: نعم، مررتُ بالمدينة حاجاً، فبينما أنا في بعض طرقاتها إذ بصرت بشيخ على بابٍ يعلم غلاماً وهو يقول له: قل:
نعم لا، نعم لا لا، نعم لا، نعم نعم// نعم لا، لا لا نعم، لا نعم، لالا
قال الخليل: فدنوت منه، فسلّمت عليه، وقلت له: أيها الشيخ ما الذي تقوله لهذا الصبي؟ فذكر أن هذا العلم شيء يتوارثه هؤلاء الصبية عن سلفهم، وهو علم عندهم يسمى التنعيم لقـولهـم فيـه: نعـم. قال الخليل: فحججتُ، ثم رجعت إلى المدينة، فأحكمتها. أي أحكم هذه الطريقة. فلما عاد إلى البصرة جعل يغشى السوق، فيسمع أصوات المطارق، فاكتشف سر الموسيقى وأصلها، فوضع أصول علم العروض. قال الخليل: "هناك ثلاث نقرات: الأولى دقة تكون تن، والثانية دقتان وسكون ت تن، والثالثة ثلاث دقات وسكون ت ت تن، وهذه النقرات إذا تتابعت وتداخلت كونت الموسيقى، وإن اختلاف تداخلها وتتابعها هو الذي يولّداختلاف النغمات، ولم يلبث أن قال كلمته الخالدة "السكون في الشعر هو السكون في الموسيقى"، وكان في تأملاته يعكف في منزله على بئر، وكان أهله لا يرون منه إلا قامته، و يسمعون أقوالا لا معنى لها يكررها. وكان ابنه -وقيل أخوه- خفيف عقل فكان يقول حين يسأله الناس عن الخليل: أنه قد جنّ، فلما علم بذلك قال:


لو كنت تعلم ما أقول عذرتني//أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلتَ مقالتي فعذلتني//وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
فلما سئل عما يفعل، قال: إن مقاطع الشعر تظهر واضحة في الصدى الذي يحدثه البئر، وهكذا قام بتقليب "نعم ولا" كما فعل مع حروف المعجم، ثم قام بالتأكد من خلال الواقع اللغوي لتمييز المستعمل من المهمل. ووجد أن أصل الشعر العربي يرجع إلى خمسة عشر لحنا، ثم أضاف الأخفش لحنا عليها، وجمع الخليل ذلك كله في كتابه "العروض" الذي فقد منذ زمن بعيد بعد أن أفاد كثيرا من العلماء منه، فهذا ابن عبد ربه يصرح في أرجوزته التي وضعها في علم العروض بأنه اطلع على كتاب الخليل وأخذ عنه، فيقول:


فلسفة الخليل في العروض //وفي صحيح الشعر والمريض
وقد نظرتُ فيه واختصرتُ// إلى نظام منه قد أحكمتُ
كان الشعر العربي قبل الخليل لا ضابط له، فمضى الخليل يحصر أصول الأنغام والتواقيع ليضع علما مكتملا بكل مصطلحاته، يقول حمزة الأصبهاني: "ليس في دولة الإسلام التي أخرجت أبدع العلوم التي لم يكن لها عند العرب أصول أبرع من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه، ولا على مثال تقدمه احتذاه".


(4)
وللخليل من بعد اليد العليا في تأصيل علم النحو العربي الذي تبلور على يد تلميذه سيبويه، ولم يسبق أحد سيبويه في وضع كتاب للنحو العربي، وكان كتابه "الكتاب" فيه أثر للخليل إلى أبعد حد؛ فقد ذكر الخليل في أكثر من اثنين وسبعين وخمسمائة موضع في كتابه. وكان الخليل هو أول من علل أسباب النحو، وأدخل فيه القياس، ولم يكن قبل ذلك علما له أصول وقواعد ما عدا جملا قصيرة وضعها أبو الأسود الدؤلي. وكان له أثر على جميع النحاة من بعده؛ حيث أفادت منه المدارس النحوية كلها؛ لأن جهوده صبت في المنهج نفسه عبر ذهنية وعتْ طبيعة اللغة، وفهمتْ أدق أسرارها، حتى قال المستشرق بروكلمان: "إن الخليل هو المؤسس الحقيقي لعلم النحو العربي الذي وضعه سيبويه في كتابه بعد أن تلقاه عنه وتعلمه عليه". وفي المكتبة العمانية يوجد مخطوطة باسم "المنظومة النحوية" للخليل بن أحمد، وهي منسوبة إلى الخليل، وقد حققها الدكتور أحمد عفيفي محاولا إثبات صحة نسبتها للخليل، وكثير من الباحثين يرفض نسبتها إلى الخليل، ولعل بعض أبياتها له، وبعضا زيدت فيها، لكن ذلك كله لا يمكن أن يجعلنا نقلل من إسهام الخليل في علم النحو العربي.