يحمل شهر رمضان بولاية المزيونة في طياته قديما العديد من الذكريات التي تجمع بين الروحانية والمحبة والتعاون بين الناس، فقد كانت لياليه تمتلئ بالصلاة وقراءة القرآن؛ حيث يصومون الشهر الفضيل ويقضون يومهم في العمل ومتابعة المواشي في أجواء الصحراء، وكانت موائد الإفطار بسيطة لكنها عامرة بالمودة؛ حيث يجتمع الجيران والأقارب لتوزيع الطعام، وكانت الأمسيات الرمضانية فرصة لسماع القصص والحكايات الشعبية وتبادل الأحاديث، مما جعل لهذا الشهر أثرا عميقا في النفوس وترك ذكرى جميلة لا تُنسى بين الأجيال.
وقال كلويش بن علي بن سعيد زعبنوت من سكان ولاية المزيونة: إن شهر رمضان في الماضي يتسم بالبساطة والروح الجماعية، وكان الناس يستقبلون الشهر بفرح كبير، وتبدأ الاستعدادات قبل حلوله بأيام طويلة، ويجتمع أهل الحي على مائدة واحدة يتقاسمون ما تيسّر من الطعام، وغالبا ما يكون بسيطا مثل التمر واللبن والخبز.
وأضاف: كنا نستقبل الشهر الفضيل في البوادي، وكان الاتصال والتواصل ضعيفا وصعبا جدا بين المدن والقرى والبوادي وحتى بين الأسر؛ حيث تكون المسافات طويلة، ويبدأ يومنا في رمضان مع شروق الشمس وإلى غروبها في العمل ومتابعة مواشينا والبحث عن مصدر لتأمين قوت يومنا.
كذلك النساء يعملن من الصباح الباكر لرعاية الأغنام؛ حيث كنا نعود إلى خيامنا قبيل غروب الشمس مع ارتفاع درجة الحرارة في الصحراء ونحن مرهقين، وكان الإفطار بسيطا جدا مثل الماء والحليب المخلوطين ويسمى محليا (شارير) وبعض التمر إذا وجد، فقد كنا نفتقر لأبسط مقومات الحياة مثل الكهرباء والإنترنت والمياه ومساكن مكيفة ودافئة؛ حيث كان السكن في الخيام، وبعد أداء صلاة التراويح نخلد مباشرة إلى النوم من شدة التعب والعمل طوال النهار استعدادا لبدء يوم آخر من النشاط، رغم المشقة التي كنا نعانيها.
من جانبها تقول سعدية بنت مبخوت زعبنوت: كان العمل يرافقنا منذ الصباح حتى قبيل المغرب؛ حيث كنا لا ننام بعد صلاة الفجر، بل نبدأ في تفقّد حال مواشينا، ونقوم برعي الأغنام والعناية بهن، ويستمر الحال إلى قبيل غروب الشمس تقريبا، ثم نعود إلى مساكننا المتواضعة جدا مقارنة بما هو الحال اليوم؛ حيث البيوت في فتحات الجبال وأحيانا خيام نستظل بها من حرارة الشمس، ومع أذان المغرب نفطر على ماء وحليب الغنم، وإذا وجدت قهوة وشيء من الخبز والرز، ثم نصلي التراويح ونخلد مباشرة إلى النوم نظرا للتعب طوال اليوم في العمل والمشي، مشيرة إلى أن الحال اليوم اختلف كثيرا؛ حيث المساكن والبيوت الحديثة وخدمات الكهرباء والتكييف والخدمات العامة الكثيرة، ومائدة الطعام فيها ما لذ وطاب.
وأوضح محمد بن علي الحريزي أن الاستعداد لشهر رمضان بولاية المزيونة في الماضي لا يُنسى؛ حيث كان يعكس بساطة الحياة وروح التعاون بين الناس، ومع اقتراب الشهر الكريم يبدأ الأهالي في تنظيف بيوتهم وخيامهم وتجهيز الطعام مع التأكد من تخزين المؤن الأساسية، وكان الأطفال والكبار يشاركون جميعا في التحضيرات، بينما تمتلئ المساجد والمصليات الجماعية بالمصلين لصلاة التراويح وقراءة القرآن.
وأكد الحريزي أنه مع تطور الحياة ودخول وسائل الاتصال الحديثة يشهد رمضان في ولاية المزيونة بعض التغيرات مع بقاء جوهره الروحي والاجتماعي قائما، وأصبحت موائد الإفطار أكثر تنوعا والجمع بين الأكلات التقليدية والأطعمة الحديثة، بالإضافة إلى إقامة البرامج الدينية والثقافية والمحاضرات.
وأوضح أن الجهات المعنية تعمل في هذا الشهر الفضيل على تعزيز الرقابة الصحية والتموينية على الأسواق والمحلات التجارية لضمان وفرة السلع الأساسية واستقرار الأسعار، والاستعدادات الأمنية والتنظيمية في المنافذ الحدودية التي تشهد حركة نشطة خلال الشهر الفضيل بولاية المزيونة.
وأضاف: إن المبادرات المجتمعية والتطوعية تظهر كأحد أهم ملامح الاستعداد اليوم؛ حيث يشارك شباب الولاية والفرق التطوعية في تنظيم الفعاليات الرمضانية وتقديم الدعم اللوجستي والخيري، بما يعزز روح التلاحم الاجتماعي.
ويبقى لشهر رمضان المبارك في ولاية المزيونة بين الماضي والحاضر ميزة خاصة، فمهما تغيّرت مظاهر الحياة تظل القيم الرمضانية من إيمان ومحبة وتكافل هي الأساس، ويقع على عاتق الجيل الحاضر مسؤولية الحفاظ على هذه العادات الجميلة ونقلها للأجيال القادمة بروح عصرية بين الماضي ومواكبة الحاضر.