مي الغداني ووكالات -
قفزت أسعار النفط اليوم الأثنين 13% وسط اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز الحيوي وسط استمرار الهجمات الإيرانية التي أعقبت انطلاق الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي أسفر عن مقتل الزعيم الإيراني الأعلى علي خامنئي.
وبلغ سعر نفط عُمان الرسمي اليوم تسليم شهر مايو القادم 80.40 دولارا أمريكيا مرتفعا بمقدار 9 دولارات أمريكية و69 سنتًا.
تجدر الإشارة إلى أنَّ المعدل الشهري لسعر النفط الخام العُماني تسليم شهر مارس الجاري بلغ 62.17 دولار أمريكي للبرميل، مرتفعًا 8 سنتات مقارنةً بسعر تسليم شهر فبراير الماضي.
وقال علي بن عبدالله الريامي خبير في أسوق الطاقة سجّلت أسعار نفط عُمان ارتفاعا ملحوظا لتبلغ نحو 80 دولارا للبرميل، مقارنة بمستويات يوم الجمعة الماضي، بزيادة تقارب عشرة دولارات، وهو صعود كبير يعكس جملة من التطورات الجيوسياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة والعالم.
وأوضح الريامي أن هذا الارتفاع يأتي في ظل تصاعد وتيرة الحرب وتداعياتها على أسواق الطاقة، إلى جانب التحديات المرتبطة بحركة الملاحة البحرية، خصوصًا في مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا لإمدادات النفط العالمية.
وأضاف : كما أسهمت التقارير المتداولة بشأن استهداف بعض السفن الناقلة للنفط في مناطق قريبة من السواحل العُمانية وبحر عُمان، فضلًا عن أنباء عن استهداف بعض المصافي في منطقة الخليج، في تعزيز المخاوف بشأن استقرار الإمدادات، ما انعكس مباشرة على الأسعار، ولم تقتصر العوامل المؤثرة على المنطقة فحسب، إذ أشارت تقارير إلى استهداف أوكرانيا ميناءً حيويًا في البحر الأسود بروسيا، الأمر الذي أثر في صادرات النفط الروسي، وأضفى مزيدًا من الضغوط على السوق العالمية.
وتابع الريامي : " تشير التوقعات إلى أن مسار الأسعار في الأيام المقبلة سيظل وثيق الارتباط بتطورات الأحداث الميدانية، لا سيما إذا استمرت العمليات العسكرية واستهداف البنية التحتية النفطية في الخليج. وفي حال استمرار هذه الظروف، فمن المرجح أن تشهد الأسعار زيادات إضافية قد تتراوح بين 5% و6% خلال الأيام القادمة، مع بقاء احتمالات التقلبات مفتوحة على نطاق أوسع في حال تفاقم التوترات"
وعلى الصعيد العالمي ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى 82.37 دولار، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025، قبل أن تقلص ارتفاعها ليصبح 5.41 دولار أو7.4 عند 78.28 دولار .
وصعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي خلال التداولات إلى 75.33 دولار بزيادة 12 بالمئة لأعلى مستوى منذ يونيو ، قبل أن يقلص المكاسب إلى 4.74 دولار بواقع 7.1 بالمئة عند 71.76 دولار.
وارتفع الخامان القياسيان بشكل كبير نتيجة لاستمرار تبادل الهجمات التي ألحقت أضرارا بناقلات نفط وعطلت بشكل كبير عبور الناقلات في مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عُمان الذي يربط الخليج ببحر العرب.
وفي الأيام الطبيعية، تعبر المضيق ناقلات تحمل نفطا يعادل خُمس الطلب العالمي تقريبا، من السعودية والإمارات والعراق وإيران والكويت، إلى جانب ناقلات تحمل الديزل ووقود الطائرات والبنزين ومنتجات أخرى من مصافي هذه الدول إلى أسواق آسيوية رئيسية بما في ذلك الصين والهند.
ومن شأن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز لفترة طويلة أن يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، ويسبب نقصا في الإمدادات للصين والهند.
وأظهرت بيانات شحن توافرت أن أكثر من 200 ناقلة تحمل نفطا وغازا مسالا متوقفة في الخليج. وتعرضت ثلاث ناقلات لأضرار، وقُتل بحار في هجمات وقعت أمس الأحد في مياه الخليج.
وعلى وقع استمرار الصراع، اتفقت أعضاء بتحالف أوبك بلس الأحد على زيادة متواضعة في إنتاج النفط بمقدار 206 آلاف برميل يوميا خلال أبريل .
ويحذر محللون من أن أسعار البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة، أكبر مستهلك للوقود في العالم، قد تتجاوز ثلاثة دولارات للجالون بسبب الصراع، وهو ما قد يشكل خطرا على الرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.
و يمكن للضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران أن تعطل بشكل كبير الإمدادات العالمية من النفط الخام، وترفع الأسعار إلى مستويات غير معهودة منذ أعوام.
لا تزال إيران ضمن قائمة أكبر عشرة منتجين للنفط في العالم، رغم أن إنتاجها تراجع بشكل حاد منذ السبعينات من القرن الماضي، متأثرا بشكل خاص بالعقوبات الأميركية.
ويقول آرنه لومان راسموسن، كبير المحللين في شركة "غلوبال ريسك مانجمنت"، لوكالة فرانس برس "في العام 1974، كانت إيران ثالث أكبر منتج في العالم بعد الولايات المتحدة والسعودية، ومتقدمة روسيا، حيث كانت تنتج نحو ستة ملايين برميل يوميا".
حاليا، يناهز انتاج إيران 3,1 ملايين برميل يوميا، وفقا لمنظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) التي تنتمي إليها الجمهورية الإسلامية.
ويبقى هذا المستوى من الانتاج مهما. وما يعزز من الأهمية الاستراتيجية لإيران في مجال الطاقة، هو امتلاكها ثالث أكبر الاحتياطات المثبتة من النفط الخام في العالم.
ورغم العقوبات، تبقى صناعة النفط في إيران أفضل حالا بكثير مما هي عليه في فنزويلا الخاضعة بدورها لحظر اقتصادي أميركي منذ أعوام.
مضيق هرمز
ويبقى الخطر الرئيسي الذي تواجهه أسواق النفط هو توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز. وسبق لبعض المسؤولين الإيرانيين أن هددوا، في حال تعرّض طهران لهجوم، بإغلاق المضيق الذي يشكّل ممرا رئيسيا لانتاج الدول الخليجية من النفط والغاز الطبيعي المسال الى بقية أنحاء العالم.
وعبر المضيق يوميا نحو 20 مليون برميل من النفط الخام في عام 2024، أي ما يعادل نحو 20 في المئة من الاستهلاك العالمي، بحسب هيئة إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA).
ومما يزيد المخاوف بشأن المضيق أن عرضه لا يتجاوز 50 كيلومترا، وعمقه لا يتخطى 60 مترا.
ويفيد تقرير الهيئة الأميركية أن هذا المسار البديل قادر على نقل 2,6 مليون برميل يوميا كحد أقصى.
أرباح عالية
ويوضح راسموسن أن الخام الإيراني يعدّ سهل الاستخراج نسبيا وكلفته متدنية، اذ لا تتجاوز تكاليف الانتاج 10 دولارات للبرميل، ما يجعله مربحا للغاية.
ولا تتمتع بكلفة انتاج منخفضة كهذه سوى السعودية والعراق والكويت والإمارات. وعلى سبيل المقارنة، يراوح متوسط الكلفة لدى كبار المنتجين الغربيين، مثل كندا والولايات المتحدة، عادة بين 40 و60 دولارا.
ومع هذه التكاليف المنخفضة، تستفيد إيران بشكل غير متناسب من الأسعار العالمية المرتفعة، وهو عامل حاسم بالنسبة لاقتصاد يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط. وقلّصت العقوبات الأميركية المفروضة منذ عقود، خيارات إيران على صعيد تصدير النفط، ولا سيما بعدما أعاد ترامب العمل بسياسة "الضغوط القصوى" على طهران عند عودته إلى البيت الأبيض في مطلع العام 2025.
وفرضت واشنطن العام الماضي عقوبات على مصاف صينية تعمل بشكل مستقل عن شركات النفط الحكومية، متهمة إياها بشراء الخام الإيراني.
رغم ذلك، تواصل بكين شراء النفط الإيراني بأسعار أقل من أسعار السوق.
وتصدّر إيران ما بين 1,3 و1,5 مليون برميل يوميا. وتوجّه أكثر من 80 بالمئة منها إلى المصافي الصينية بسبب العقوبات الأميركية، بحسب هانسن.
التداعيات على الجوار
تخشى الدول المجاورة لإيران، وخصوصا بلدان الخليج العربية، من أن الردّ الإيراني على الضربات الأميركية قد يطال أراضيها التي تستضيف قواعد عسكرية لواشنطن.
ويقول بيار رازو، مدير الدراسات في "المؤسسة المتوسطية للدراسات الاستراتيجية"، إن هذه الدول "تدرك أنها عرضة للخطر لأن الإيرانيين يمتلكون ما يكفي من الصواريخ البالستية المتوسطة المدى التي تسمح لهم بضرب نقاط حيوية".
ويوضح أن هذه القدرة تهدّد بنى تحتية مثل منشآت إنتاج وتصدير المحروقات، إضافة إلى محطات توليد الكهرباء ومحطات تحلية مياه البحر.
في الوقت عينه، يخشى أن يتسبب أي ارتفاع حاد في أسعار النفط بعودة التضخم الجامح، ما يضر بالاقتصاد العالمي. ويمكن أن يؤدي وصول سعر الخام الى 100 دولار للبرميل، وهو مستوى لم يبلغه منذ الحرب الروسية لأوكرانيا في فبراير 2022، الى إضعاف موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في انتخابات منتصف الولاية أواخر العام الحالي، بعدما تعهد للناخبين الأميركيين بخفض أسعار مصادر الطاقة.
إمدادات النفط إلى الدول الآسيوية
وتصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يعطل تدفق النفط إلى عدة دول آسيوية، إذ تتكدس السفن في الخليج وترتفع تكاليف النفط الخام والنقل.
وتسلط هذه الاضطرابات الضوء على المخاطر التي تهدد آسيا، أكبر منطقة مستهلكة للنفط في العالم، والتي تحصل على 60 بالمئة من احتياجاتها النفطية من منتجي الشرق الأوسط، جراء القتال الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
وأشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي قد يستمر لأسابيع، مما قد يعني اضطرابا طويلا في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي يمر عبره حوالي 20 بالمئة من إنتاج النفط العالمي ونسبة مماثلة من الغاز الطبيعي المسال من منتجي الشرق الأوسط.
وتسببت هجمات الأحد في إلحاق أضرار بثلاث ناقلات نفط ومقتل بحار واحد، بينما دفعت الهجمات الأولية نحو 200 سفينة إلى التوقف بالقرب من المضيق لتجنب أي مخاطر.
وألغت شركات التأمين على السفن اليوم الاثنين تغطية مخاطر الحرب، في حين تتوقع مصادر في القطاع ارتفاع أسعار شحن ناقلات النفط مع إحجام شركات الشحن عن استخدام سفنها.
وذكرت شركة التجارة اليابانية إيتوتشو في بيان أرسلته بالبريد الإلكتروني أنها تشهد "بعض التأثير" على شحنات النفط الخام والمنتجات البترولية القادمة من الخليج وستلجأ إلى استيراد الإمدادات من خارج الشرق الأوسط.
وقالت شركة إنيوس أكبر شركة تكرير في اليابان، إنها ستقيّم التأثير على مشتريات النفط الخام في المستقبل مع مراقبة الوضع.
ومن شأن أي اضطراب طويل الأمد في المضيق أن يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع وقد يتسبب في نقص الإمدادات إلى الصين والهند، أكبر وثالث مستوردي النفط في العالم، مما سيجبر الدول على استخدام مخزوناتها وتقليص عمليات التكرير.
وتطلب وكالة الطاقة الدولية، التي تتألف في الغالب من اقتصادات متقدمة، من أعضائها الاحتفاظ بمخزونات نفطية تعادل ما لا يقل عن 90 يوما من صافي واردات النفط.
وقال كيهارا كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني إن بلاده لا تعتزم حاليا السحب من احتياطياتها الاستراتيجية، التي تعد من أكبر الاحتياطيات في العالم.
وأفادت شركة الطاقة الإندونيسية المملوكة للدولة (برتامينا) في بيان بأنها أعدت تدابير لتخفيف المخاطر وتعمل على تحسين عمليات مصافيها لضمان إمدادات الوقود وغاز البترول المسال. وتعد إندونيسيا أكبر مستورد للبنزين في جنوب شرق آسيا.
أزمة الغاز الطبيعي المسال
وقال محللون إن فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر وعمان والإمارات سيؤثر بشدة على المشترين الآسيويين، وخاصة باكستان والهند وبنجلادش.
وذكر محللو ريستاد إنرجي في مذكرة "تواجه هذه البلدان خيارا بين الحصول على شحنات الغاز الطبيعي المسال من منتجين آخرين أو خفض الطلب على الغاز إما عن طريق تغيير مصادر الوقود أو خفض الطلب بشكل كامل".
وتعد الصين واليابان أكبر مستوردين للغاز الطبيعي المسال في العالم. وتحصل اليابان على معظم إمداداتها من أستراليا. وقال كيهارا إن شركات المرافق في البلاد تمتلك مخزونا من الغاز الطبيعي المسال يكفي لتغطية الاستهلاك المحلي لمدة ثلاثة أسابيع تقريبا.