الحرب، أي حرب كانت، حالة شديدة التعقيد، تصنع منطقها وفق معطيات لحظتها وما يغذيها من أدوات عسكرية وتوجهات سياسية وسلوكيات الطرف الآخر وتوجهات أهدافه. وتشبه حين تنفلت من عقالها الإعصار الذي يستمد وقوده من مياه البحر قبل أن يتحول إلى قوة ميكانيكية هائلة التدمير لا يمكن لأحد أن يتحكم فيها.
رغم ذلك، ورغم غياب الضبط، فإن للحروب منطقا أخلاقيا لا يجب أن تتنصل منه خاصة إن كانت تدينه في خصمها. وهو منطق تفرضه القيم حينا والكلفة القانونية والاقتصادية حينا آخر وكلفة المستقبل في جميع الأحوال. والسياسة هي المنوط بها رسم النهايات وضبط المسارات العسكرية.
وسيَمثُل الساسة في نهاية الحرب أمام طاولة التفاوض أو المساءلة القانونية. وأخطر أثمان الحرب ـ تلك التي تترك ندوبا غائرة لا تندمل أبدا تلك التي تتعلق بالجانب الجغرافي وبحسن الجوار.
والحرب الدائرة في المنطقة الآن بين أمريكا وإسرائيل من جانب وإيران في جانب آخر صنعت تعقيدها منذ الهجمة الأولى وتخلت عن قيمها الأخلاقية منذ استهدافها لمدرسة البنات في طهران ومنذ إعلان هدفها الأول وهو إسقاط النظام، فالأنظمة مرهونة بإرادة الشعوب لا برغبات الخصوم.. وموضوع القيم في حروب إسرائيل، وأمريكا أيضا، مكشوفة للعالم ولها سجلاتها التاريخية التي لا تخفى. أما إيران التي ما زالت دولة جوار جغرافي بالنسبة لدول مجلس التعاون وبينها وبينهم روابط تاريخية وجوار ومصالح وتشابكات دينية واجتماعية فإن استراتيجيتها التي تتبنى نقل الحرب إلى ساحات دول الجوار التي تدافع عن حقها في بناء منظومة تحالفاتها في حاجة إلى مراجعة على المستوى الأخلاقي وعلى المستوى الاستراتيجي لمصلحة اللحظة الآنية ومصلحة المستقبل. وهذه الاستراتيجية تضع المنطقة رهينة لقرار الاستمرار لا قرار البحث عن وقف لإطلاق النار. وهذا المنطق هو الذي يفرض على الجميع أن يفكروا بشكل جدي ولو في وسط المعركة ولحظة لمعان سيوفها في ضرورة وقف هذه الحرب الآن، وأن تعود الأطراف إلى طاولة المفاوضات قبل أن تأكل النار الجميع وتتحول إلى قاعدة حكم لا أداة ضغط. وإذا كان منطق أمريكا في استمرار الحرب هو إجبار إيران على تقديم تنازلات فإن القصف يوسع مساحة العنف ويُضعف أي تيار يمكن أن يبرر التسوية أو يذهب نحوها خاصة وأن الشعب الإيراني لا يمكن أن يتسامح مع ما يحدث لبلده ومنجزاته التنموية والحضارية.
لكن أيضا لا يمكن تبرير تمدد الحرب تحت عنوان «ضرب المصالح» بوصفه ردا مشروعا؛ فأول ما يُنتقد في أي حرب هو الاعتداء على سيادة الدولة وأمنها فمن باب أولى ألا يكون الرد على الحرب بانتهاك سيادة دول أخرى لا علاقة مباشرة لها بالحرب بل إنها تدينها بشكل واضح وتسعى إلى وأدها قبل أن تلمح شرارتها الأولى.
ولا ينتج انتهاك سيادة الدول وتعريض أمنها وأمن شعوبها للخطر وتحويل المنشآت إلى أهداف أي مستوى من مستويات التوازن، إنه، على العكس، يزيد تعقيدات الحرب ويخلق أسبابا جديدة لمزيد من التصعيد. ومن يفتح هذا الباب لا يملك إغلاقه؛ بل إنه يزيد من كلفة التراجع ويضخم خطاب الثأر ويعزل دور العقل والمنطق.
المنطق يفرض في هذه اللحظة على الجميع إعلان متزامن لوقف إطلاق النار، وآلية اتصال عاجلة تمنع سوء التقدير، ثم مسار تفاوضي محدد بزمن وضمانات. وأسس التفاوض موجودة ومسودات الاتفاق مكتوبة.
قد يقول البعض إن الحرب هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الخصم. لكن الحرب، في منطقتنا تحديدا، نادرا ما تُنهي خصومة؛ غالبا ما تُضاعفها. وهي تملك دائما ماكينة استنزاف للجيوش والاقتصادات، إضافة إلى أنها تستنزف الثقة بين دول علاقاتها ملتبسة بحكم التاريخ ومساراته، وتستنزف فرصة جيل كامل في أن يعيش حياة طبيعية يحلم بها؛ لهذا لا بدّ أن تتوقف هذه الحرب اليوم قبل الغد فكل يوم إضافي فيها يصنع أسبابا جديدة لحرب أخرى، وبكلفة أعلى، وبأمل أقل.