«عمان»: لم يكن علي خامنئي، عند اختياره مرشدا أعلى لإيران عام 1989، يبدو للرأي العام الإيراني أو لخصوم إيران في الخارج بوصفه الرجل الذي سيعيد صياغة الدولة لعقود. وُصف حينها بأنه خيار توافقي أكثر منه زعيما كاريزميا على شاكلة الخميني. لكن السنوات التي تلت ذلك حولته، تدريجيا، إلى مركز ثقل بحجم منصب «المرشد» في إيران، فهو المنصب الذي يضبط إيقاع السياسة، ويعين مفاصل الأمن والقضاء والإعلام الرسمي، ويملك الكلمة الأخيرة في الحرب والسلم، وفي الملفات التي تحدد علاقة إيران بالعالم.

واليوم أعلنت إيران بشكل رسمي أن المرشد قد فارق الحياة نتيجة الهجوم الأمريكي. وأعلن الخبر عبر التلفزيون الرسمي مع بث لقطات أرشيفية ووضع شريط حداد أسود على الشاشة. في الوقت نفسه، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد كتب على منصته «تروث سوشال» أن خامنئي «قُتل». وتوعد الحرس الثوري بـ«عقاب شديد» على من وصفهم بـ«قتلة» المرشد.

حتى قبل الإعلان عن مقتله، كانت السنوات الأخيرة قد رسمت صورة متناقضة لرجل بنى شرعية حكمه على فكرة «الصمود» في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما كان يواجه مجتمعا شابا أكثر جرأة في الاعتراض. وفي عهد خامنئي، تحولت إيران إلى قوة إقليمية يصعب تجاوزها بعد أن أسست شبكات نفوذ عسكرية وسياسية تمتد عبر الشرق الأوسط، وتحالفات مع دول وأحزاب وجماعات ضمن ما عرف بـ «محور المقاومة». في المقابل، يرى منتقدوه أن هذا المسار عمّق عزلة إيران، ورفع كلفة العقوبات، وأغلق هوامش السياسة الداخلية، وربط مستقبل الدولة أكثر فأكثر بأجهزة الأمن والحرس الثوري.

من داخل النظام، كانت وظيفة خامنئي الكبرى هي إدارة توازنات معقدة: بين المؤسسات المنتخبة والمؤسسات غير المنتخبة، وبين رجال الدين والحرس الثوري، وبين تيارات محافظة متشددة وأخرى براغماتية حاولت تخفيف التوتر مع الغرب. وُصف مرارا بأنه حذر، شديد الميل للسرية، قلق من الاختراق والخيانة. هذا الميل لم يأتِ من فراغ؛ فقد نجا من محاولة اغتيال عام 1981 حين كان رجل دين صاعدا في قلب الصراع، وأصيب يومها إصابة تركت أثرا دائما في ذراعه. تلك التجربة، كما يردد مقربون وخصوم، أصبحت جزءا من رؤيته للنظام بوصفه محاصرا دائما، وأن أي تساهل قد يفتح الباب لانهيار كامل.

ولد علي خامنئي في مشهد، شمال شرق إيران، في أبريل 1939، ونشأ في بيئة دينية تقليدية. تقول السيرة الرسمية إنه بدأ دراسته الدينية مبكرا، وتنقل بين حواضر الحوزة في إيران والعراق، بما فيها قم. وفي ستينيات القرن الماضي، مع صعود حركة الخميني ضد الشاه، انجذب خامنئي إلى السياسة بوصفها امتدادا للدعوة الدينية، لا مجالا منفصلا عنها. اعتُقل مرات عدة في عهد الشاه بسبب نشاطه السياسي، وتحدثت سيرته الرسمية عن تعرضه للتعذيب خلال أحد الاعتقالات في مشهد عام 1963.

بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وجد خامنئي نفسه ضمن الدائرة التي صعدت بسرعة إلى مؤسسات الدولة الجديدة. شغل مناصب متعددة، واقترب من المؤسسة العسكرية والأمنية. وخلال الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) كان حاضرا في المشهد السياسي والعسكري، ويُذكر أنه خدم في الخطوط الأمامية، ما منح صورته بعدا «ثوريا» عزز مكانته داخل النظام. وفي 1981م انتُخب رئيسا للجمهورية في مناخ شديد التوتر أعقب اغتيال الرئيس محمد علي رجائي؛ وكان انتخاب رجل دين رئيسا في تلك المرحلة جزءا من ترسيخ هوية النظام الجديدة.

لكن التحول الأكبر جاء بعد وفاة الخميني. في اجتماع مجلس خبراء القيادة، برئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني، وقع الاختيار على خامنئي مرشدا أعلى. الرواية المتداولة في الإعلام الإيراني تقول إنه رفض بداية الترشيح قائلا إنه «غير مؤهل»، قبل أن يُحسم الأمر لصالحه. ومنذ تلك اللحظة بدأ خامنئي، بصبر إداري أكثر منه اندفاعا خطابيا، في توسيع صلاحياته الواقعية وتثبيت شبكة ولاءات داخل مؤسسات الدولة: القضاء، أجهزة الأمن، هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، والأهم الحرس الثوري.

في الداخل، واجه خامنئي سلسلة من الأزمات الشعبية، احتجاجات طلابية أواخر التسعينيات، ثم اضطرابات 2009 بعد انتخابات رئاسية متنازع على نتائجها، ثم احتجاجات 2019، ثم موجة «امرأة، حياة، حرية» في 2022-2023 بعد وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها على خلفية قواعد اللباس. في كل مرة، كان منطق الدولة تحت خامنئي يميل إلى حسم الأزمة أمنيا.

في الملف النووي، قدم خامنئي مقاربة تنفي باستمرار أن البرنامج يستهدف إنتاج سلاح نووي، ويدافع عن «حق» إيران في التخصيب. في 2015، أيد بحذر الاتفاق النووي الذي توصلت إليه حكومة حسن روحاني مع قوى دولية بوساطة سلطنة عُمان، وهو اتفاق قيد البرنامج مقابل تخفيف العقوبات، وفتح نافذة محدودة على الاقتصاد العالمي. لكن تلك النافذة أُغلقت جزئيا بعد انسحاب إدارة ترامب الأولى من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض العقوبات. لاحقا، ومع ضغط ترامب في ولايته الثانية عام 2025 من أجل اتفاق جديد، صعّد خامنئي خطابه ضد واشنطن، ورفض أي صيغة تُقرأ داخل إيران بوصفها تنازلا يمس «السيادة» لكنه في المقابل قبل الدخول في مفاوضات مع أمريكا شرط أن تقوم فيها سلطنة عمان بدور الوسيط.

في الإقليم، توسع نفوذ إيران في عهده عبر دعم حلفاء في العراق ولبنان واليمن، وعبر الوقوف إلى جانب بشار الأسد في سوريا. في رواية أنصاره، كان ذلك دفاعا عن «عمق استراتيجي» يمنع نقل المعركة إلى داخل إيران. وفي رواية خصومه، كان استثمارا مكلفا في حروب بالوكالة. لكن العقد الأخير حمل إشارات تآكل: ضربات قاسية لحلفاء إيران، وتوتر متصاعد مع إسرائيل تحول من «حرب ظل» طويلة إلى مواجهات أكثر علنية، خاصة بعد حرب غزة التي بدأت في 2023، ثم تبادل الضربات بين إيران وإسرائيل في 2024، وصولا إلى حرب الاثني عشر يوما في يونيو الماضي.

ويبقى السؤال بعد إعلان رحيله: ما الذي ينهار وما الذي يبقى؟ كان خامنئي العقد الذي يربط مؤسسات متعددة ويوازن بينها. تقارير كثيرة أشارت في السنوات الماضية إلى نفوذ متزايد لدوائر قريبة من الحرس الثوري.. لكن هذه الحرب قد تغير الكثير من التوازنات والكثير من السيناريوهات خاصة في ظل استمرار مسلسل التصفيات التي تقوم بها أمريكا وإسرائيل في إيران.. وهذه التوازنات ستنتج الكثير من الأسئلة التي يبحث الإيرانيون عن أجوبة حاسمة لها.