ترجمة: أحمد شافعي -

بات واضحا منذ بعض الوقت أن الأمريكيين تغيروا على إسرائيل؛ لكن استطلاعا أجراه جالوب وظهرت نتائجه يوم الجمعة الماضي يشير إلى نقطة تحول.

فللمرة الأولى في تاريخ الاستطلاع الممتد لخمسة وعشرين عاما يتبين أن المتعاطفين من الأمريكيين مع الفلسطينيين أكثر من المتعاطفين منهم مع الإسرائيليين.

ولم يكن التحول قاصرا على أوساط شباب الديمقراطيين ممن لهم رأي سلبي في إسرائيل على مدار السنوات الأخيرة.

فوفقا لجالوب؛ 30% فقط من المستقلين هم الذين يتعاطفون مع إسرائيل، بينما يتعاطف 41% منهم مع الفلسطينيين.

وضمن الراشدين ممن تقل أعمارهم عن خمسة وثلاثين عاما، تراجع الدعم لإسرائيل إلى رقم قياسي بلغ 23%. وبمثل هذه الأرقام سوف يصبح إجماع الحزبين على مساندة إسرائيل ـ وطالما كان هذا الإجماع من ثوابت السياسة الأمريكية ـ غير قابل للدوام بمرور الزمن.

يشتهر بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل بتباهيه بمقدرته على صياغة السياسة الأمريكية.

فمثل ما قال في حوار تم تسجيله سرا في عام 2021 «إنني أعرف أمريكا. أمريكا شيء يمكنك أن تحركه بغاية السهولة، تحركه في الوجهة الصحيحة». غير أنه حضر انهيارا مستمرا في الصهيونية الأمريكية وقد ينتهي به المطاف في التاريخ بوصفه رئيس الوزراء الذي أفقد إسرائيل أهم حليف لها.

وانفجار سمعة إسرائيل يرجع في المقام الأكبر إلى قمعها للفلسطينيين، وبخاصة أعمال القتل الجماعي في غزة التي تابعها ملايين الأمريكيين عن كثب من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. في الوقت نفسه، فإن احتلال إسرائيل للضفة الغربية ـ الذي يتحول يوما بعد يوم إلى ضم صريح للأرض ـ يجعل الصهيونية والليبرالية تبدوان غير متوافقتين.

فاليوم ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، يسود قرابة 7.2 مليون يهودي على عدد أكبر قليلا من العرب لو أنكم أضفتم مواطني إسرائيل الفلسطينيين إلى سكان غزة والضفة الغربية.

وأغلب هؤلاء الفلسطينيين بلا دولة وليست لهم حقوق مكفولة، وذلك ما نشهده في العدد المتزايد من المذابح التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية والتطهير العرقي الممنهج للقرى.

وما دامت إمكانية قيام دولة فلسطينية حية وقائمة، فإن الليبراليين ممن لديهم مشاعر دافئة تجاه إسرائيل يمكن أن يقولوا لأنفسهم إن هذا النظام، أي الأبارتيد الفعلي، محض نظام مؤقت.

ولكن حكومة نتنياهو فعلت كل ما في وسعها لجعل حل الدولتين مستحيلا، بما في ذلك دعمها لحماس قبل هجمات السابع من أكتوبر. فعلى المستوى النظري، من الممكن أن توجد دولة تكون في آن واحد يهودية وديمقراطية، لكن اليوم، على الأرض، يبدو هذا حلما بعيد المنال.

لكن ليست سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين فقط هي التي نالت من نوايا الأمريكيين الطيبة تجاه إسرائيل. فلعل على القدر نفسه من الأهمية ما تقوم به إسرائيل من دور في السياسة الأمريكية.

على مدار عقود، كانت المنظمات الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة تكافح كفاحا مريرا للسيطرة على حدود النقاش المقبول حول الدولة اليهودية. فأنفقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) ملايين لا حصر لها من الدولارات للتدخل في الانتخابات الحزبية، ومن ذلك مناهضتها لمنتقدي إسرائيل من أمثال عضو الكونجرس السابق عن ولاية ميشيجان، أي آندي ليفين الذي يصف نفسه بالصهيوني والذي أثار غضب أيباك بنضاله من أجل دولة فلسطينية.

وقد ضغط حلفاء إسرائيل من أجل تحويل الخطاب المناهض للصهيونية ليعد خطابا معاديا للسامية. وأجازوا قوانين مناهضة للمقاطعة تستعمل لمعاقبة الشركات الأمريكية التي ترفض التعامل لا مع إسرائيل وحدها بل مع الإسرائيليين في الأراضي المحتلة.

وقد تعاظمت الجهود المبذولة لحظر أي نقد حاد لإسرائيل في ما بعد السابع من أكتوبر، إذ راقب كثير من أنصار إسرائيل في فزع الجامعات وهي تتفجر بالمظاهرات المناصرة للفلسطينيين، وتحول بعضها فعلا إلى معاداة للسامية.

وقد هللت جماعات موالية لإسرائيل من قبيل رابطة مكافحة التشهير لدونالد ترامب إذ حمل بشدة على الجامعات باسم مكافحة التمييز ضد اليهود الذي اعتبرته الإدارة الأمريكية مساويا لكراهية إسرائيل.

وأعطت جماعة بيطار Betar الأمريكية اليمينية الموالية لإسرائيل للحكومة الأمريكية قوائم بالطلبة المهاجرين المناصرين للفلسطينيين لاستهدافهم بالترحيل، ومن هؤلاء محمود خليل الطالب في جامعة كولومبيا الذي اعتقلته إدارة الهجرة والجمارك في مارس الماضي.

وبتحالف الصهيونية مع الاستبدادية الأمريكية تسبب أنصار إسرائيل للبلد في عداوة العديد من أنصار الحزب الديمقراطي.

ومن أمثال أولئك جينيفر ويلش مقدمة البودكاست المؤثرة الداعية للمقاومة. هي مصممة ديكور داخلي ثرية من أوكلاهوما وكانت من قبل ديمقراطية مؤيدة لهيلاري كلينتون، وداعمة لإسرائيل دون تفكير عميق في الأمر.

لكنها في الآونة الأخيرة صرحت لمهدي حسن في موقع زيتيو أنها باتت تربط بين جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل والقوى التي تدمر الديمقراطية الأمريكية.

وقالت «طالما قال زوجي إنني لا أعرف ما يجري في إسرائيل وفلسطين، لكنني أعرف أن كل سياسي أكرهه مؤيد لإسرائيل» على حد تعبيرها الذي استعملت فيه كلمة نابية. وقالت إنها كلما قرأت عن الصراع، ازدادت رؤيتها لإسرائيل باعتبارها دولة إبادة.

يبقى الجمهوريون بصفة عامة مؤيدين لإسرائيل بحسب استطلاع جالوب، حيث إن 69% منهم يرون البلد رؤية محابية. ولكن بعض المحافظين ممن قضوا العقد الماضي في إدانة سياسات الصحوة غضبوا غضبا شديدا بسبب القيود المفروضة على الخطاب المناهض لإسرائيل.

وهم يرون ـ لأسباب وجيهة ـ أن الحكومة ترمي إلى إخراس الجدل السياسي باسم السلامة والحساسية. فقال تاكر كارلسن في حوار مع سينك أوايجور مقدم برنامج (الشباب الأتراك) وهو برنامج يساري شهير على الإنترنت إن «بوسعك أن تقول ما تشاء عن أمريكا، أي شيء تشاء، وذلك ما يفعله الناس، ويسعدني ذلك... لكنك فور أن تنتقد بنيامين نتنياهو، تتعرض للعقاب من الحكومة الأمريكية».

يستحق نتنياهو وحكومته هذه الإجماع الحزبي المتزايد على استنكارهما. ومن سوء الحظ، أن اليهود العاديين يتعرضون لذلك أيضا، ولطالما رأيت أن مناهضة الصهيونية ومعاداة السامية ليستا شيئا واحدا.

ومع ذلك، فمع صعود معاداة السامية في الولايات المتحدة، يتحول ازدراء إسرائيل أحيانا إلى جنون ارتياب وعداء تجاه اليهود؛ فكارلسن لا يكتفي بالنيل من إسرائيل وحسب، ولكنه يستضيف أيضا قوميين بيضا ومنكرين للهولوكوست.

وفي الأسبوع الحالي فقط أطلقت آنا كاسباريان، زميلة أوايجور في برنامج (الشباب الأتراك) تصريحا معاديا للسامية على موقع إكس قالت فيه إن «الأغيار [الجوييم- goyim] يستيقظون. فتقبلوا الأمر».

ورفضت كاسباريان الاعتذار مصرة على أنها لم تزد عن التعليق على إسرائيل برغم أن كلمة الأغيار مصطلح ييديشي يعني غير اليهود لا غير الصهاينة.

لا يلام على تعصب كاسباريان إلا هي نفسها. لكن إسرائيل، بسلوكها المشين ثم بمحاولة إخراس أي إدانة لسلوكها هذا بحسبانها معاداة للسامية، توفر الذخيرة لكارهي إسرائيل.

ومثلما قال لي جيريمي بن عامي مؤسس ورئيس جماعة جيه ستريت الصهيونية الليبرالية «عندما ننتهي إلى استعمال معاداة السامية ذريعة لطرد الأولاد من الجامعات ومن البلد، ونستعملها ذريعة لإنهاء بحوث السرطان ونستعملها ذريعة لتقويض التعديل الأول للدستور، فإننا نواجه ردود فعل عنيفة في وجه من يفعلون ذلك».

ويكاد يكون مؤكدا أن ردود الأفعال العنيفة سوف تتفاقم مع قصف أمريكا لإيران، وذلك ما يرجوه نتنياهو.

فالأمريكيون لا يريدون حربا، وترامب لا يبالي بتوضيح السبب الذي يجعله يشن حربا.

وفي ظل هذا الغموض، لا بد أن تزدهر نظريات المؤامرة التي ترى أن إسرائيل تتلاعب بأمريكا لتخوض صراعا آخر في الشرق الأوسط، وبخاصة لأن هذه النظريات لن تعدم نصيبا من الحقيقة.

واستطلاع جالوب الصادر يوم الجمعة علامة على تدني مشاعر الأمريكيين تجاه إسرائيل، لكن المزيد من التدهور قد يكون في الطريق.

ميشيل جولدبرج من كتاب الرأي في نيويورك تايمز منذ 2017