بعد التجربة القاسية التي عاشها العالم مع "كوفيد-19" لم تعد البشرية تنظر إلى الفيروسات النادرة بوصفها أحداثاً بعيدة أو عابرة؛ فكل إصابة صغيرة باتت تُقرأ بعين الحذر، وظهر فيروس "نيباه" مؤخراً ليعيد تسليط الضوء على فئة من الفيروسات التي تتسم بالشراسة الاستثنائية، والذي ينتمي إلى عائلة "الباراميكسو" وهي عائلة معروفة بقدرتها على إحداث اعتلالات صحية عنيفة، ورغم أن انتقاله إلى الإنسان لا يزال يُصنف كحدث نادر، إلا أن معدل وفياته المرتفع ـ الذي قد يصل لـ 75% ـ جعله تحت المراقبة من منظمة الصحة العالمية، وهنا لا نتحدث عن "جائحة اليوم"، بل عن استباق لـ "خطر الغد"؛ احترازاً من أي تحول مفاجئ قد يجعل الفيروس أكثر قدرة على الانتشار بين البشر، وهو التحول الذي لم يحدث حتى اللحظة، ولكن الاستعداد له يظل واجبًا علمياً وإنسانياً.
"نيباه" تحت المجهر

**media[3309712]**


وقال البروفيسور أحمد عبد المنعم أستاذ علم الفيروسات بقسم الأحياء الدقيقة والمناعة بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة السلطان قابوس لـ"عمان": لا يطرق فيروس نيباه أبواب العناوين العريضة كثيرًا ولا يزاحم الأخبار اليومية، ولا يتصدّر نشرات الطوارئ العالمية، ومع ذلك، فإن ظهوره المحدود مؤخرًا في الهند أعاد إلى الأذهان خوفًا لم يبرأ بعد، وأسئلة تدور في الأذهان مع تهويل ومعلومات مغلوطة في وسائل التواصل الاجتماعي، وأحد اهم المخاوف هو هل يمكن لهذا الفيروسٍ أن يعيد سيناريو الجائحة؟ بعد التجربة القاسية التي عاشها العالم مع كوفيد-19، فلم تعد الناس ينظرون إلى الفيروسات النادرة بوصفها أحداثًا بعيدة، فكل إصابة، وكل خبر صغير، صار يُقرأ بعين القلق، وهنا يظهر اسم نيباه ليعيد القلق للناس.
وأوضح أن فيروس نيباه ينتمي مع نظيره فيروس هندرا، إلى عائلة Paramyxoviridae، وهي عائلة من الفيروسات المعروفة بقدرتها على إحداث أمراض عنيفة إلى حد ما ورغم أن انتقال نيباه إلى الإنسان ما يزال نادرًا، فإن شراسته الاستثنائية ومعدل وفياته المرتفع جعلته تحت المراقبة الدقيقة من قبل منظمة الصحة العالمية، ليس لأنه جائحة اليوم، بل خوفا واحترازاً من تحوله المفاجئ إلى فيروس سهل انتشاره بين البشر والذي لم يحدث إلى الأن.
القصة تبدأ من الطبيعة

**media[3309708]**


وبين أن القصة تبدأ من خفافيش آكلة الفاكهة (من جنس Pteropus ) ويسمى كذلك الثعلب الطائر العملاق إذ يصل وزنه ـ 1,200 جرام، ويحمل الفيروس دون أن يمرض، وتتغذى تلك الخفافيش ليلًا على الفاكهة، حيث تلوثها بلعابها وبولها وبرازها، وتغادر بصمت، وتصبح الفاكهة الملوثة حلقة خفية في سلسلة العدوى، أحيانًا تكون العصارة المستخرجة من جمار نخيل لمسيغطَّى، وأحيانًا ثمرة سقطت تحت شجرة مأهولة بالخفافيش، والخبر الجيد أن هذا النوع من الخفافيش لا يوجد بسلطنة عمان بينما يوجد نوعان من خفافيش الفاكهة بالسلطنة ، النوع الأساسي هو الخفاش المصري ووزنه 74 ـ 136 جرام (Rousettus aegyptiacus) والذي يشكل الأغلبية، وأما الأخر والذي قد يلعب دور وبائي في انتشار الفيروس وهو خفاش القش أو خفاش الفاكهة ذو اللون الأصفر ووزنه 230 ـ 320 جرام (Eidolon helvum) وموطنه الأساسي افريقيا، وقد لوحظ وجوده بصورة نادرة في ولاية ثمريت، ولا تعتبر سلطنة عمان موطنه الأساسي .. مضيفاً: وفي الحيوانات، هنالك الخنازير وهي الحلقة الأكثر تأثرا تتغذى على بقايا فاكهة ملوثة أو مياه ملوثة، فينتقل الفيروس إليها، ثم إلى الإنسان المخالط لها، ولم يقتصر الأمر على الخنازير فقط بل أصاب الخيل والكلاب والقطط، وهذا الاتساع في دائرة العوائل الحيوانية كان جرس إنذار مبكر فكلما تعددت العوائل، تعقّدت الحلقات الوبائية، واقترب الفيروس خطوة من الإنسان.
قصة اكتشاف الفيروس
وأشار إلى أن أول فصول القصة ظهرت بـ(قرية تسمى سونغاي نيباه بماليزيا) عام 1998، حيث تقوم تلك القرى بتربية الخنازير، ولم يكن أحد يتخيّل أن مرضًا في الحظائر سيتحوّل إلى مرض يحصد الأرواح في خلال أسابيع، حيث سُجّلت حالات التهاب دماغي قاتل بين البشر، وأودى الفيروس بحياة نحو مئة شخص، واللافت في الموضوع أن القرى المجاورة المسلمة والتي تحرم أكل الخنازير ولا تحتك بها، للأسباب الدينية المعروفة، لم تُسجّل بها إصابات، مما رسّخ دور الخنازير كحلقة انتقال رئيسية، وفي عام 1999، ظهر الفيروس في سنغافورة بعد استيراد خنازير مريضة من ماليزيا، وفي عام 2014، ظهر الفيروس في الفلبين، ولم تُسجّل أي حالات جديدة في كل من ماليزيا أو سنغافورة أو الفلبين عقب تسجيله أول مرة بها، بينما في الهند وبنجلاديش حيث لا توجد اجراءات صرامة في اتخاذ الإجراءات الوقائية لانتشار الفيروس فيسجل الفيروس فيهما من آن لآخر، ففي عام 2001 ظهر فيروس "نيباه" في الهند وبنجلاديش، ومنذ ذلك الحين توطن الفيروس في بنجلاديش، وأصبح يعاود ظهوره تقريبًا كل عام منذ ذلك الحين، بينما في الهند سُجلت إصابات متكررة منذ عام 2001، مع ظهوره في منطقة البنغال الغربية والمتاخمة لبنجلاديش عامي 2001 و2007، واللافت أن الأوبئة السابقة في الهند تم السيطرة عليها بنجاح، ومنها الأوبئة المتكررة في كيرالا والتي ظهرت منذ 2018، وفي العام الحالي يعتبر تسجيل حالتين في منظقة البنغال الغربية بالهند هو أحدث تسجيل للفيروس لهذا العام، وجرى احتواء الحدث بسرعة، وأجريت اختبارات معملية لـ196 من المخالطين دون تسجيل إصابات إضافية، وقد صنّفت منظمة الصحة العالمية الخطر بأنه محدود محليًا ومنخفض عالميًا.
طرق انتقاله للإنسان

**media[3309711]**


وبيّن البروفيسور أن الفيروس يمكن أن ينتقل للإنسان عبر الاقتراب أو الاحتكاك المباشر مع الخفافيش الحاملة للفيروس أو الخنازير أو الحيوانات الأخرى المصابة بالفيروس، أو تناول فواكه ومنتجاتها تلوّثت بلعاب أو إفرازات خفافيش مصابة أو تناول عصير نخيل التمر الطازج أو مستخلص عصير جمار النخيل والملوث بافرازات الخفافيش المصابة.. كما يمكن لفيروس "نيباه" الانتقال من إنسان إلى آخر عبر استنشاق الرذاذ الفيروسي من الشخص المصاب، وقد سُجّلت حالات عدوى في البيوت، وبين أفراد العائلة ومقدّمي الرعاية الصحية، ويزداد خطر الانتشار داخل المستشفيات عندما تتكدّس الغرف، وتضعف التهوية، وتتراخى إجراءات الوقاية ومكافحة العدوى.
الأعراض في الإنسان
وحول ظهور أعراض الإصابة بفيروس "نيباه" قال: غالبًا ما تظهر الأعراض خلال أسبوعين من التعرض للإصابة، وقد تقصر تلك المدة الى 3-4 أيام أو تطول إلى شهرين من التعرض للإصابة وليس من النادر ان تحدث إصابة دون ظهور اعراض اكلينيكية وقد تكون الأعراض شبيهة بالإنفلونزا، قبل أن تتطور سريعًا إلى التهاب رئوي حاد والتهاب دماغي قاتل، مع معدلات وفيات مرتفعة تتراوح بين 40 ـ 75%.
اللقاح والعلاج
وأكد البروفيسور بأنه حتى الآن، لا تتوافر لقاحات أو علاجات نوعية لفيروس "نيباه" ويرتكز التدبير السريري على الرعاية الداعمة وتقليل خطر انتقال العدوى، وفي الأوبئة الحيوانية السابقة، جرى احتواء المرض عبر إعدام أعداد كبيرة من الحيوانات، أما الوقاية، فتعتمد أساسًا على التوعية بمخاطر تلوث الغذاء واتباع إجراءات النظافة عند التعامل مع الحيوانات المريضة، إضافة إلى الالتزام الصارم بالاحتياطات العامة والعزل داخل مرافق الرعاية الصحية للحد من انتقال العدوى بين البشر.
لماذا يقلق العلماء؟
وأكد أن ما يقلق العلماء بشأن فيروس "نيباه" ليس عدد الحالات، بل خصائص الفيروس ومنها القدرة على الانتقال بين البشر (لكن لا زالت محدودة)، كما ان الفيروس قادر على التحور، وكذلك تعدد الحيوانات التي يمكن أن تصاب بالفيروس (خفافيش، حيوانات مزرعة، وحيوانات أليفة)، وغياب المناعة مجتمعية، أضف إلى ذلك عدم توفر لقاح أو علاج فعال، والسؤال الذي يطرح نفسه هو ـ هل يمكن أن يتحول إلى جائحة؟ والإجابة وطبقاً للمعطيات الحالية فالاجابة "لا" حيث لا يزال انتقاله يتطلب احتكاكًا قريبًا ومطوّلًا، وهذا ما يحدّ من انتشاره ويسهل السيطرة عليه.
ماذا عن سلطنة عُمان؟

**media[3309710]**


وأكد أن سلطنة عمان بعيدة جغرافيًا عن بؤر "نيباه"، لكنها ليست بعيدة عن العالم، والوقاية لا تبدأ عند ظهور المرض، بل قبل ذلك بكثير وحيث ترتبط سلطنة عمان بالعديد من العلاقات التجارية، ويوجد العديد من العمالة من الهند وبنجلاديش فيوصى عمل فحص للركاب القادمين من تلك الدول في المطارات والموانئ خاصة في الفترة الحالية من وجود أي اعراض مرضية والحجر الصحي والكشف المعملي لكل من يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة وقادم من المناطق المصابة بالهند وبنجلاديش وكذلك التنسيق مع المطارات في تلك الدول على التأكد من سلامة الركاب من الأعراض الظاهرية للمرض قبل ركوب الرحلة المتجهة لسلطنة عمان .. مضيفاً: أن فيروس "نيباه" لا يشكل تهديدًا حاليا لسلطنة عمان ولا للعالم، لكنه اختبار دائم للجاهزية، والأوبئة لا تبدأ بضجيج، بل بهدوء، والفرق بين قصة تُروى في كتب التاريخ، وأخرى نعيشها، هو الاستعداد.